عيد
الاستشهاديين
سالم الفلاحات
وتستمر
الثورة الشعبية المباركة المسماة «الانتفاضة» حولين كاملين وهي ماضية في طريقها بين
مد وجزر وانجاز وكمون تَرِقُ ولا تنقطع، يخيل للناظر المهزوم أحياناً أنها توقفت
بفعل الاجرام الصهيوني، ولكنها لا تلبث ان تسجل ملحمة جديدة بين فينة واخرى رغم
الصعاب التي تهد الجبال، ورغم الخذلان العربي والاسلامي ورغم الطعن من الخلف ورغم
الرشاوى الكبيرة التي تدس في جيوب الذين فقدوا ضمائرهم وانقلبوا على شعوبهم واهلهم
عند كل منعطف..
تمضي
الانتفاضة رافعة رأسها ليشهد لها الملايين في العالم الاسلامي بأنها الأمل الوحيد
في هذا الظلام الدامس، فلا يهز الكيان الصهيوني المتعجرف الا ابطالها الذين باعوا
انفساً تموت غداً بأنفس لا تموت ابداً. وتتوارى اوسلو خائبة مكسوفة البال مكشوفة
السوأة للقاصي والداني حتى للذين قضوا عشر سنين يتعبدون في محرابها ويتعلقون
بأهدابها ويرمون بالخيانة والعدمية كل من ينتقدها.
ويشاء
الله ان تسقط كل الاوراق الا ورقة الانتفاضة وتبطل كل المشاريع الزائفة وتثبت
فشلها حتى لأهلها فيستعينون بالانتفاضة لفك اسرهم وانقاذ ارواحهم ولا يهرعون لبنود
معاهدات الذل والعار التي يعرفونها اكثر من غيرهم ويعلمون انها لن تغني عنهم
شيئاً.
ويصر
شارون بعد عامين كاملين من المعارك البطولية التي قادها شباب وكهول واطفال ونساء،
يصر على محاربة الانسان والحجر والشجر والطفل الرضيع والعجوز المقعد والماء
والهواء والطير، ويصر على استئصال كل ما يمد الانتفاضة بالحياة ويغتال كل من تصل
اليه يده من قادة الانتفاضة او جنودها الفاعلين.
ولا
يسمح بقيام أي شكل من اشكال كيان فلسطيني، والمشهد واضح مقروء ومسموع وملموس لكل
مراقب، فقد قال بعد عشر سنين: غزة وبيت لحم اولاً، مع ان رام الله عاصمة السلطة
ومنها التلفزيون ومقر الحكومة.. ويمنع دول العالم من ان تتدخل لحل الصراع ويستفرد
بالفلسطينيين او بجزء منهم بعيداً عن عمقهم الشعبي الداخلي وعمقهم العربي والاسلامي..
وهكذا يستفرد بكل بلد عربي..حتى في المفاوضات الشكلية..
ويصر
على استسلام الشعب الفلسطيني وركوعه بين يديه ظاناً ان المزيد من سفك الدم
الفلسطيني سيوصله الى هذه النتيجة، وما علم ان الدم خير وسيلة لاشتعال الثورة
واستمرارها، ويجب عليه ان يقرأ جيداً بعد سنتين من التجارب القريبة وسبعين سنة من
التاريخ وقد استخدم كل سلاح حتى الجرافات وهي سلاح جديد يهدم بيت الفلسطيني الفقير
الذي جمع حجارته وقطع حديده بعرق جبينه وغربته ومعاناته.
لم
يدرك شارون الذي تعميه قوته وضعفنا الظاهر ان الاصرار على تحرير فلسطين يتضاعف في
النفوس، حيث له بواعثه المتعددة والتي تصب في المحصلة لصالح الجهاد والتحرير؛
اولها الباعث الديني المقدس الذي يمثله الأقصى والارض المباركة، والباعث الوطني
المتعمق في ضمير كل فلسطيني والباعث الانساني نتيجة الغربة والشتات والباعث
الاجتماعي والاقتصادي وغيرها.
بعد
عامين كاملين يمكن ان نقول ان الانتفاضة ليست هبّة ثم تنطفئ، انما هي روح جديدة
سرت في الأمة نتيجة التجارب الطويلة الهادئة والمعاناة المريرة والقناعة التامة
التي تكاد تعم الشعب الفلسطيني بأكمله، بعد ان جرب وعود السلام التي تكشفت عن
الحقد الصهيوني الذي لا يمكن ستره بغربال التضليل.
جنات
عدن للشهداء الأبرار على ربى فلسطين المباركة، وألف ألف تحية للمجاهدين الذين
هجروا النوم والراحة وعاشوا في رؤوس الجبال يهتفون بالخائنين المترددين ان هلم
الينا، وكل تيجان التقدير واوسمة الشرف للأمهات الصابرات مصانع الرجال خنساوات
فلسطين.
وتحية
للانتفاضة المباركة بكل مفرداتها ومكوناتها والتي نبتت على الصخر في خضم الأمواج
والعواصف وقد جاوزت سن الفطام ودرجت على الأرض وان كانت لا تزال أمانة في اعناق
الشعوب الاسلامية في الأرض.
ولترفع
الانتفاضة الاستشهادية المجاهدة رأسها عنفواناً وكرامة ولتذهب كل وسوسات اوسلو
والتسوية الى الجحيم بعد ان اثبتت فشلها وخداعها للناس، وان غداً لناظره قريب.