ثمرات
الأوراق
وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لسراياه .
كثير من نزاع الناس سببه ألفاظ مُجمَلة .
اجتناب من يعادي أهل كتاب الله وسنة
رسوله .
*************
كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ رَجُلًا عَلَى
سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ
الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا فَقَالَ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا
تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا أَنْتَ لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ أَوْ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ
وَكُفَّ عَنْهُمْ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ
مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ
إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ
مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَإِنْ
أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي
عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ
لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ
الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَسَلْهُمْ
إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ
فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ وَإِنْ
حَاصَرْتَ حِصْنًا فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ
نَبِيِّكَ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّكَ
وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَبِيكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ
فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَّتَكُمْ وَذِمَّةَ آبَائِكُمْ أَهْوَنُ
عَلَيْكُمْ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِنْ
حَاصَرْتَ حِصْنًا فَأَرَادُوكَ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا
تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ
لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ أَمْ لا .
رواه البخاري .
*************
الإمام أبو العباس بن تيمية
الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو
إثباتها؛ فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده؛ فإن
أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول
أنكره.
ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر
بغيرها أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي؛ فإن كثيراً من نزاع
الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان
على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلاً عن أن
يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزِم أن من خالفه يكون مخطئاً، بل يكون في قوله نوع
من الصواب، وقد يكون هذا مصيباً من وجه وهذا مصيباً من وجه، وقد يكون الصواب في
قول ثالث .
*************
الإمام ابن قيم الجوزية
من كتاب " الفوائد
"
اجتنب من يعادي أهل الكتاب والسنة لئلا يُعديَك خُسرانه .
احترز
من عَدُوَّين هلك بهما أكثر الخلق :
صادّ عن سبيل الله بشبهاته وزُخرُف قوله , ومفتونٍ بدنياه ورئاسته.
من خلق فيه قوة واستعداد لشيء, كانت لذته في
استعمال تلك القوة فيه : فَلَذَة من خُلِقَت فيه قوة
واستعداد للجماع واستعمال قوته فيه , ولذة من خُلِقَت فيه قوة الغضب والتوثب
استعمال قوته الغضبية في متعلقها
, ومن خُلِقَت فيه قوة الأكل والشرب فلذته باستعمال قوته فيهما. ومن خُلِقَت فيه
قوة العلم والمعرفة فلذته باستعمال قوته وصرفها الى
العلم. ومن خُلِقَت فيه قوة الحب لله, والإنابة اليه ,
والعكوف بالقلب عليه , والشوق اليه , والأنس به , فلذته
ونعيمه استعمال هذه القوة في ذلك. وسائر اللذات دون هذه
اللذة مضمحلة فانية , وأحمد عاقبتها أن تكون لا له ولا عليه.
*************
من كتاب " سير أعلام النبلاء
" للإمام الذهبي
السلطان الكبير , الملك الناصر صلاح الدين , أبو المظفر , يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب , الدويني , ثم التكريتي المولد .
ولد في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة إذ أبوه نجم الدين متولي تكريت نيابة .
ودوين : بليدة بطرف أذربيجان من جهة أران والكرج , أهلها أكراد هذبانية .
سمع من أبي طاهر السلفي , والفقيه
علي ابن بنت أبي سعد , وأبي الطاهر بن عوف , والقطب النيسابوري
. وحدث .
وكان نور الدين قد أمره , وبعثه في
عسكره مع عمه أسد الدين شيركوه , فحكم شيركوه على مصر , فما لبث أن توفي , فقام بعده صلاح الدين ,
ودانت له العساكر , وقهر بني عبيد , ومحاولتهم , واستولى على قصر القاهرة بما حوى
من الأمتعة والنفائس , منها الجبل الياقوت الذي وزْنه سبعة عشر درهما ; قال مؤلف
"الكامل" ابن الأثير : أنا رأيته ووزنته وخلا القصر من أهله وذخائره ,
وأقام الدعوة العباسية . وكان خليقا للإمارة , مهيبا ,
شجاعا حازما , مجاهدا كثير الغزو , عالي الهمة , كانت دولته نيفا وعشرين سنة .
وتملك بعد نور الدين , واتسعت
بلاده . ومنذ تسلطن , طلق الخمر واللذات
, وأنشأ سورا على القاهرة ومصر , وبعث أخاه شمس الدين في سنة ثمان وستين , فافتتح
برقة , ثم افتتح اليمن , وسار صلاح الدين , فأخذ دمشق من ابن نور الدين .
وفي سنة إحدى وسبعين حاصر عزاز , ووثبت عليه الباطنية ,
فجرحوه.
وفي سنة ثلاث كسرته الفرنج على الرملة , وفر في جماعة , ونجا .
وفي سنة خمس التقاهم وكسرهم .
وفي سنة ست أمر ببناء قلعة الجبل .
وفي سنة ثمان عدى الفرات , وأخذ
حران , وسروج , والرقة , والرُّها , وسنجار , والبيرة ,
وآمد , ونصيبين , وحاصر الموصل , ثم تملك حلب , وعوض
عنها صاحبها زنكي بسنجار , ثم إنه حاصر الموصل ثانيا
وثالثا , ثم صالحه صاحبها عز الدين مسعود , ثم أخذ شهرزور
والبوازيج .
وفي سنة ثلاث وثمانين فتح طبرية ,
ونازل عسقلان , ثم كانت وقعة "حطين" بينه وبين الفرنج
, وكانوا أربعين ألفا , فحال بينهم وبين الماء على تل , وسلموا نفوسهم , وأسرت
ملوكهم , وبادر , فأخذ عكا وبيروت وكوكب , وسار فحاصر القدس , وجدّ في ذلك فأخذها
بالأمان .
وسار عسكر لابن أخيه تقي الدين عمر فأخذوا أوائل المغرب , وخطبوا بها لبني العباس .
ثم إن الفرنج قامت قيامتهم على
بيت المقدس , وأقبلوا كقطع الليل المظلم برا وبحرا
وأحاطوا بعكا ليستردوها وطال حصارهم لها , وبنوا على نفوسهم خندقا , فأحاط بهم
السلطان , ودام الحصار لهم وعليهم نيفا وعشرين شهرا , وجرى في غضون ذلك ملاحم
وحروب تشيب النواصي , وما فكوا حتى أخذوها , وجرت لهم وللسلطان حروب وسير . وعندما
ضرِس الفريقان , وكَلّ الحِزبان , تهادن الملَّتان .
وكانت له همة في إقامة الجهاد , وإبادة الأضداد ما سمع بمثلها لأحد في دهر .
قال ابن واصل في حصار عزاز : كانت لجاولي خيمة كان السلطان
يحضر فيها , ويحض الرجال , فحضر باطنية في زي الأجناد ,
فقفز عليه واحد ضربه بسكين لولا المغفر الزرد الذي تحت القلنسوة , لقتله فأمسك السلطان يد الباطني
بيديه , فبقي يضرب في عنق السلطان ضربا ضعيفا , والزرد
تمنع , وبادر الأمير بازكوج , فأمسك السكين , فجرحته ,
وما سيبها الباطني حتى بضعوه , ووثب آخر , فوثب عليه
ابن منكلان , فجرحه الباطني في جنبه , فمات , وقتل الباطني , وقفز ثالث , فأمسكه
الأمير علي بن أبي الفوارس , فضمه تحت إبطه , فطعنه صاحب حمص , فقتله , وركب
السلطان إلى مُخيّمه , ودمه يسيل على خده , واحتجب في بيت خشب , وعرض جنده , فمن
أنكره , أبعده .
قال الموفق عبد اللطيف : أتيت ,
وصلاح الدين بالقدس , فرأيت ملكا يملأ العيون روعة , والقلوب محبة , قريبا بعيدا ,
سهلا محببا , وأصحابه يتشبهون به , يتسابقون إلى المعروف كما قال تعالى :
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا
وأول ليلة حضرته وجدت مجلسه
حفْلا بأهل العلم يتذاكرون , وهو يحسن الاستماع والمشاركة , ويأخذ في كيفية بناء
الأسوار , وحفر الخنادق , ويأتي بكل معنى بديع , وكان مهتما في بناء سور بيت
المقدس وحفر خندقه , ويتولى ذلك بنفسه , وينقل الحجارة على عاتقه , ويتأسى به
الخلق حتى القاضي الفاضل , والعماد إلى وقت الظهر , فيمد السماط , ويستريح , ويركب
العصر , ثم يرجع في ضوء المشاعل , قال له صانع : هذه الحجارة التي تقطع من أسفل
الخندق رخوة , قال : كذا تكون الحجارة التي تلي القرار والنداوة , فإذا ضربتْها
الشمس , صلبت . وكان يحفظ "الحماسة- لأبي تمام - " ,
ويظن أن كل فقيه يحفظها , فإذا أنشد , وتوقف , استطعم فلا يطعم , وجرى له ذلك مع
القاضي الفاضل , لم يكن يحفظها , وخرج , فما زال حتى حفظها , وكتب لي صلاح الدين
بثلاثين دينارا في الشهر , وأطلق أولاده لي رواتب , فأشغلت
بجامع دمشق .
وكان أبوه ذا صلاح , لم يكن صلاح
الدين بأكبر أولاده .
وكان صلاح الدين شحنة دمشق , فكان
يشرب الخمر , ثم تاب , وكان محببا إلى نور الدين يلاعبه بالكرة .
وكانت وقعته بمصر مع السودان ,
وكانوا نحو مائتي ألف , فنُصر عليهم , وقتَل أكثرهم . وفي هذه الأيام استولى ملك الخزر على دوين , وقتل من المسلمين
ثلاثين ألفا .
حُمّ صلاح الدين , ففصده من لا خبرة له , فخارت القوة , ومات , فوجد الناس عليه
شبيها بما يجدونه على الأنبياء , وما رأيت ملكا حزن الناس لموته سواه , لأنه كان
محببا , يحبه البر والفاجر , والمسلم والكافر , ثم تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ
, وتمزقوا . ولقد صدق العماد في مدحه حيث يقول :
|
وللـناس بالملك الناصر الصلا |
|
ح صلاح ونصـــر كبـــــير |
|
هـو الشـمس أفلاكه في البلا |
|
د ومطلعــة ســرجه والسـرير |
|
إذا مـا سـطا أو حبا واحتبى |
|
فمـــا الليث من حاتم ما ثبــير |
قال ابن خلكان : بلغني أن صلاح
الدين قدم به أبوه وهو رضيع , فناب أبوه ببعلبك إلى آخذها أتابك
زنكي , وقيل : إنهم خرجوا من تكريت في ليلة مولد صلاح الدين , فتطيروا به , فقال شيركوه أو غيره : لعل فيه الخير وأنتم لا تعلمون . إلى أن قال : وكان شيركوه أرفع منزلة عند
نور الدين , فإنه كان مقدم جيوشه .
وولي صلاح الدين وزارة العاضد , وكانت كالسلطنة ,
فولي بعد عمّه سنة 564 , ثم مات العاضد سنة 67 , فاستقل
بالأمر مع مداراة نور الدين ومراوغته , فإن نور الدين عزم على قصد مصر ; ليقيم غير
صلاح الدين , ثم فتر , ولما مات نور الدين , أقبل صلاح الدين ليقيم نفسه أتابكا لولد نور الدين , فدخل البلد بلا كلفة , واستولى على
الأمور في ربيع الأول سنة سبعين , ونزل بدار العقيقي , ثم تسلم القلعة , وشال
الصبي من الوسط ثم سار , فأخذ حمص , ثم نازل حلب , وهي الوقعة الأولى , فجهز
السلطان غازي من الموصل أخاه عز الدين مسعودا في جيش , فرحله , وقدم حمص , فأقبل
مسعود ومعه الحلبيون , فالتقوا على قرون حماة , فانهزم مسعود , وأُسر أمراؤه ,
وساق صلاح الدين , فنازل حلب ثانيا , فصالحوه ببذل المعرة وكفرطاب
, وبلغ غازي كسرة أهله وأخيه , فعبر الفرات , وقدم حلب , فتلقاه ابن عمه الملك
الصالح , ثم التقوا هم وصلاح الدين , فكانت وقعة "تل السلطان " , ونُصر
صلاح الدين أيضا , ورجع صاحب الموصل . ثم أخذ صلاح الدين منبج
وعزاز ,
ونازل حلب ثالثا , فأخرجوا إليه بنت نور الدين , فوهبها عزاز
. ورد إلى مصر , واستناب على دمشق أخاه صاحب اليمن توران شاه , ثم خرج من مصر سنة ثلاث وسبعين , فالتقى الفرنج , فانكسر .
ثم في سنة تسع وسبعين نازل حلب ,
وأخذها , وعوض عنها عماد الدين زنكي بسنجار وسروج ,
ورتب بحلب ولده الملك الظاهر . ثم حاصر الكرك , وجاءت
إمدادات الفرنج .
وفي شعبان سنة إحدى وثمانين نَازَلَ صلاح الدين الموصل , وترددت الرسل بينه وبين صاحبها عز الدين , وتمرض ,
وتأخر إلى حران , واشتد مرضه , وحلفوا لأولاده بأمره , وأوصى عليهم أخاه العادل , ثم
مر بحمص , وقد مات صاحبها ناصر الدين محمد , ابن عمه , فأعطاها لولده المجاهد شيركوه وله ثنتا عشرة سنة .
وفي سنة ثلاث وثمانين افتح صلاح الدين بلاد الفرنج ,
وقهرهم , وأباد خضراءهم , وأسر ملوكهم على "حطين" . وكان قد نذر أن يقتل
أرناط صاحب الكرك , فأسره
يومئذ , كان قد مر به قوم من مصر في حال الهدنة , فغدر بهم , فناشدوه الصلح , فقال
ما فيه استخفاف بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وقتلهم , فاستحضر صلاح الدين الملوك ,
ثم ناول الملك جفري شربة جلاب ثلج , فشرب , فناول أرناط , فشرب , فقال السلطان للترجمان : قل لجفري : أنت الذي سقيته , وإلا أنا
فما سقتيه , ثم استحضر البرنس أرناط
في مجلس آخر , وقال : أنا أنتصر لمحمد -صلى الله عليه وسلم- منك , ثم عرض عليه
الإسلام , فأبى , فحل كتفه بالنيمجاه . وافتح عامه ما
لم يفتحه ملك , وطار صيته في الدنيا , وهابته الملوك .
ثم وقع النوح والمأتم في جزائر البحر وإلى رومية , ونودي بالنفير إلى نصرة الصليب , فأتى السلطان من
عساكر الفرنج ما لا قبل له به , وأحاطوا بعكا .
وقال آخر : أول فتوحاته الإسكندرية
في سنة اثنتين وستين , وقاتل معه أهلها لما حاصرتهم الفرنج
أربعة أشهر , ثم كشفهم عنه عمه أسد الدين , فتركها , وقدما الشام . ثم تملك وزارة العاضد ,
واستتب له الأمر , وأباد آل عبيد وعبيدهم , وتملك دمشق ثم حمص , وحماة , وحلب , وآمد , وميافارقين , وعدة بلاد
بالجزيرة . وديار بكر . وبعث أخاه ,
فافتتح له اليمن , وسار بعض عسكره . فافتتح له بعض المغرب ,
ولم يزل سلطانه في ارتقاء إلى أن كسر الفرنج نوبة حطين
. ثم افتتح عكا , وبيروت , وصيدا , ونابلس , وقيسارية , وصقورية , والشقيف , والطور , وحيفا , وطبرية , وتبنين , وجبيل , وعسقلان , وغزة , والقدس , وحاصر صور مدة , وافتتح أنطرطوس , وهونين , وكوكب , وجبلة
, واللاذقية , وصهيون , وبلاطنس والشغر
, وبكاس , وسرمانية , وبرزية , ودربسان
, وبغراس , ثم هادن برنس أنطاكية , ثم افتتح الكرك
بالأمان , والشوبك وصفد وشقيف
أرنون , وحضر عدة وقعات .
وخلف من الأولاد : صاحب مصر الملك
العزيز عثمان , وصاحب حلب الظاهر غازيا , وصاحب دمشق الأفضل عليا , والملك المعز
فتح الدين إسحاق , والملك المؤيد مسعودا , والملك الأعز يعقوب , والملك المظفر
خضرا , والملك الزاهر مجير الدين داود , والملك المفضل قطب الدين موسى , والملك الأشرف عزيز الدين محمدا , والملك المحسن جمال المحدثين ظهير
الدين أحمد , والمعظم فخر الدين توران شاه , والملك
الجواد ركن الدين أيوب , والملك الغالب نصير الدين ملكشاه
, وعماد الدين شاذي , ونصرة الدين مروان , والملك
المظفر أبا بكر , والسيدة مؤنسة زوجة الملك الكامل .
وحدث عنه : يونس الفارقي , والقاضي العماد الكاتب .
مرض بحمى صفراوية , واحتد المرض ,
وحدَث به في التاسع رعشةٌ وغيبة , ثم حقن مرتين , فاستراح , وسرب , ثم عرق حتى نفذ
من الفراش , وقضى في الثاني عشر .
توفي بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين
من صفر سنة تسع وثمانين وخمس مائة .
محاسن صلاح الدين جمة , لا سيما الجهاد , فله فيه اليد البيضاء ببذل الأموال والخيل
المثمنة لجنده . وله عقل جيد , وفهم , وحزم , وعزم .
قال العماد : أطلق في مدة حصار عكا
اثني عشر ألف فرس . قال : وما حضر اللقاء إلا استعار
فرسا , ولا يلبس إلا ما يحل لبسه كالكتان والقطن , نزه المجالس من الهزل , ومحافله
آهلة بالفضلاء , ويؤثر سماع الحديث بالأسانيد , حليما , مقيلا للعثرة , تقيا نقيا
, وفيا صفيا , يغضي ولا يغضب , ما رد سائلا , ولا خجل قائلا , كثير البر والصدقات
, أنكر علي تحليه دواتي بفضة , فقلت : في جوازه وجه ذكره أبو محمد الجوني . وما رأيته صلى إلا في
جماعة.
قلت : وحضر وفاته القاضي الفاضل .
وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة :
إنني انتهيت في القراءة إلى قوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ
الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فسمعت صلاح الدين , وهو يقول
: صحيح . وكان ذهنه قبل ذلك غائبا , ثم مات , وغسله
الخطيب الدولعي , وأخرج في تابوت , فصلى عليه القاضي
محيي الدين ابن الزكي , وأعيد إلى الدار التي في
البستان التي كان متمرضا فيها , ودفن في الصفة ,
وارتفعت الأصوات بالبكاء , وعظم الضجيج , حتى إن العاقل ليخيل له أن الدنيا كلها
تصيح صوتا واحدا , وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه , وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه . ثم بنى ولده الأفضل قبة شمالي الجامع , نقله إليها بعد ثلاث سنين , فجلس هناك للعزاء ثلاثا .
وكان شديد القوى , عاقلا , وقورا ,
مهيبا , كريما , شجاعا .
وفي "الروضتين" لأبي شامة : أن السلطان لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة
وأربعين درهما , ودينارا صوريا , ولم يخلف ملكا ولا عقارا -رحمه الله- , ولم يختلف
عليه في أيامه أحد من أصحابه , وكان الناس يأمنون ظلمه
, ويرجون رفده , وأكثر ما كان يصل عطاؤه إلى الشجعان , وإلى العلماء , وأرباب البيوتات , ولم يكن لمبطل ولا لمزاح عنده نصيب .
قال الموفق : وجد في خزانته بعد
موته دينار وثلاثون درهما , وكان إذا نازل بلدا , وأشرف على أخذه , ثم طلبوا منه
الأمان , آمنهم , فيتألم لذلك جيشه , لفوات حظهم .
قال القاضي بهاء الدين بن شداد :
قال لي السلطان في بعض محاوراته في عقد الصلح : أخاف أن أصالح , وما أدري أيش يكون مني , فيقوى هذا العدو , وقد بقيت لهم بلاد ,
فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين , وترى كل واحد من هؤلاء -يعني أخاه
وأولادهم- قد قعد في رأس تله -يعني قلعته- ويقول : لا أنزل , ويهلك المسلمون .
قال ابن شداد : فكان -والله- كما
قال , اختلفوا , واشتغل كل واحد بناحيته , وبعد , فكان
الصلح مصلحة .
قلت : من لطف الله لما تنازع بنو أيوب , واختلفوا يسر الله بنقص همة الأعداء , وزالت تلك
الشهامة منهم .
وكتب القاضي الفاضل تعزية إلى صاحب حلب :
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ![]()
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
كتبت إلى مولانا الملك الظاهر
أحسن الله عزاءه , وجبر مصابه , وجعل فيه الخلف من السلف في الساعة المذكورة , وقد
زلزل المسلمون زلزالا شديدا , وقد حضرت الدموع المحاجر , وبلغت القلوب الحناجر,
وقد ودعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده , وقبلت
وجهه عني وعنك , وأسلمته إلى الله وحده مغلوب الحيلة , ضعيف القوة , راضيا عن الله
, ولا حول ولا قوة إلا بالله . وبالباب من الجنود المجندة ,
والأسلحة المعمدة ما لم يدفع البلاء , ولا ما يرد القضاء , تدمع العين , ويخشع
القلب , ولا نقول إلا ما يرضي الرب , وأنا بك يا يوسف لمحزونون . وأما الوصايا , فما تحتاج إليها , والأراء
, فقد شغلني المصاب عنها , وأما لائح الأمر , فإنه إن
وقع اتفاق , فما عدمتم إلا شخصه الكريم , وإن كان غير ذلك , فالمصائب المستقبلة
أهونها موته .
وللعلم الشاتاني فيه قصيدة مطلعها :
|
أرى النصـر مقرونـا برايتك الصفرا |
|
فسرْ واملكِ الدنيا فأنت بها أحرى |
وبعث إليه ابن التعاويذي بقصيدته الطنانة التي أولها :
|
|
فقـف المطـي بـرملتي يـبرين |
|
|
والثِمْ ثرى لو شارفت بي هضبـه |
|
أيـدي المطـي لثمتـه بجـفوني |
|
وانشد فؤادي في الظباء معرضـا |
|
فبغير غـزلان الصـريم جـنوني |
|
ونشـيدتي بيـن الخيـام وإنمـا |
|
غـالطت عنهـا بالظبـاء العيـن |
|
للـه مـا اشـتملت عليه فتاتهم |
|
يوم النـوى مـن لؤلـؤ مكنـون |
|
من كـل تائهـه علـى أترابهـا |
|
فـي الحسـن غانية عن التحسين |
|
خـود يرى قمر السماء إذا رنت |
|
مـا بيـن سـالفه لهـا وجـبين |
|
يا سلم إن ضاعت عهودي عندكم |
|
فأنـا الـذي استودعت غير أمين |
|
هيهات ما للبيـض في ود امرئ |
|
أرب وقد أربـى علـى الخمسـين |
|
ليـت البخيل على المحب بوصله |
|
لقـن السـماحة مـن لاح الـدين |
|
|
|
*************
روى ابن عبد ربه في " العقد الفريد " عن داودُ بنُ أي هِنْد
عن الشّعْبِيّ:
أنّ رجلاً
من بني إسرائيل صاد قُبَّرة ( وهي نوع من الطير )
فقالت: ما تُريد أن تَصنع بي ؟
قال:
أذبحك فآكلُك .
قالت:
واللّهِ ما أشْفي من قَرَم ( أي جوع إلى
اللحم ) ، ولا أغْنى من جُوع ، ولكنِّي أعلِّمك ثلاثَ
خِصال هي خَيْر لك من أَكْلي : أما الواحدة فأعلِّمك إياها وأنا في يدك ،
والثانيةُ إذا صرتُ على هذه الشجرة ، والثالثة إذا صِرْت على هذا الجَبل.
فقال:
هاتِ " الأولى ".
قالت: لا
تَتَلَهَّفنَّ علٍى ما فاتك .
فخلَّى
عنها.
فلما صارتْ
فوْقَ الشجرة قال: هاتِ الثانيةَ .
قالت: لا
تصِدِّقن بما لا يكون
أنه يكون .
ثم طارت
فصارت على الجبل ، فقالت: يا شَقيّ .. لو ذَبحتني لأخْرجت من حَوْصلتي
درَّة وَزْنها عشرون مثقالا.
قال:
فَعَضّ علىٍ شَفَتَيْه ، وتلهّف ثم قال: هاتِ الثالثة
.
قالت له: أنت قد نَسِيت
الاثنتين فكَيف أعلّمك الثالثة ألم أقل لك: لا تتلهفنَّ على ما فاتك فقد تلهفت
عَلَيّ إذ فُتُّك وقلت لك : لا تُصَدِّقن بما لا يكون أنه يكون فصدّقت .. أنا وعَظْمِي وريشي لا أَزن عشرين مثقالا فكيف يكون في حوْصلتي
ما يزنها!
*************
من كتاب " صيد الخاطر " للإمام ابن الجوزي
رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة.
لأني أشافه في
عمري عدداً من المتعلمين وأشافه بتصنيفي خلقاً لا تحصى ما خلقوا بعد.
ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف
المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من
مشايخهم.
فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف
إن وفق للتصنيف المفيد فإنه ليس كل من صنف صنف.
وليس المقصود جمع شيء كيف كان وإنما هي أسرار
يطلع الله عز وجل عليها من شاء من عباده ويوفقه لكشفها فيجمع ما فرق أو يرتب
ما شتت أو يشرح ما أهمل هذا هو التصنيف المفيد.
وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر لأن أوائل
العمر زمن الطلب وآخره كلال
الحواس.
وربما خان الفهم والعقل من قدر عمره وإنما يكون
التقدير على العادات الغالبة لا أنه لا يعلم الغيب فيكون زمان الطلب والحفظ
والتشاغل إلى الأربعين ثم يبتدىء بعد الأربعين بالتصانيف والتعليم.
هذا إذا كان قد
بلغ ما يريد من الجمع والحفظ وأعين على تحصيل المطالب.
فأما إذا قَلَّت الآلات عنده من الكتب أو كان في
أول عمره ضعيف الطلب فلم ينل ما يريده في هذا الأوان أخر التصانيف
إلى تمام خمسين سنة.
ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى
رأس الستين ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم ويسمع الحديث والعلم ويعلل التصانيف إلى أن يقع مهم إلى رأس السبعين فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة
والتهيؤ للرحيل.
فيوفر نفسه على
نفسه إلا من تعليم يحتسبه أو تصنيف يفتقر إليه فذلك أشرف العدد للآخرة.
ولتكن همته في
تنظيف نفسه وتهذيب خلاله والمبالغة في استدراك زلاته فإن اختطف في خلال ما ذكرنا فنية المؤمن خير من عمله.
وإن بلغ إلى
هذه المنازل فقد بينا ما يصلح لكل منزل.
وقد قال سفيان الثوري: من بلغ سن رسول الله
صلى الله عليه وسلم فليتخذ لنفسه كفناً وقد بلغ جماعة من العلماء سبعاً وسبعين
سنة منهم أحمد بن حنبل فإن بلغها فليعلم أنه على شفير
القبر وإن كل يوم يأتي بعدها مستطرف.
فإن تمت له
الثمانون فليجعل همته كلها مصروفة إلى تنظيف خلاله وتهيئة زاده وليجعل الاستغفار حليفه والذكر أليفه وليدقق في
محاسبة النفس وفي بذل العلم أو مخالطة الخلق.
فإن قرب
الاستعراض للجيش يوجب عليه الحذر من العارض.
وليبالغ في إبقاء
أثره قبل رحيله مثل بث علمه وإنفاق كتبه وشيء من ماله.
وبعد فمن تولاه
الله عز وجل علمه ومن أراده ألهمه.
نسأل الله عز
وجل أن ينعم علينا بأن يتولانا ولا يتولى عنا إنه قريب مجيب.
*************
الإمام أبو عثمان : عمرو بن بحر الجاحظ
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ لكلِّ شيءٍ من العلم ونوعٍ من الحكمة وصنفٍ من الأدب سبباً يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتاً ، ومعنىً يحدو على جمع ما كان منه متفرقاً.
ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز
الأخبار ، واستنباط الآثار ، وضمَّ
كلِّ جوهرٍ نفيسٍ إلى شكله ، وتأليف كلّ نادر من الحكمة إلى مثله : بطلت الحكمة ، وضاع العلم وأُمِيت الأدب ، ودرس مستور كلِّ
نادر.
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر ، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر : لبطل أول العلم وضاع آخره.
ولذلك قيل: " لا يزال الناس بخيرٍ ما بقي الأول يتعلم منه الأخير ".
وإنَّ السبب الذي بعث على جمع نتفٍ من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها وشوقها إلى تربها وبلدانها ، ووصفها في أشعارها توقَّد النار في أكبادها : أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار والنزاع إلى الأوطان فسمعته يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه وأعمر من مكانه وأخصب من جنابه.
ولم يزل عظيم الشأن جليل السلطان تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها ، ومن شعوب العجم أنجادها وشجعانها ، يقود الجيوش ويسوس الحروب وليس ببابه إلا راغبٌ إليه أو راهبٌ منه فكان إذا ذكر التُّربة والوطن حنَّ إليه حنين الإبل إلى أعطانها وكان كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرت الثَّغر فاضت مدامعي وأضحى
فؤادي نُهبةً للهماهمِ
حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي وحُلَّت
بها عنِّي عقود التمائمِ
وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه وأرعاهم للمرء حقَّ التقادمِ
وكما قال الآخر:
يقرُّ بعيني أن أرى من
مكانه ذُرى عقدات
الأبرق المتقاودِ
وأن أرد الماء الذي شربت به سُلَيمى
وقد ملّ السُّرى كلُّ واخدِ
وألصق أحشائي ببرد ترابها وإن
كان مخلوطاً بسم الأساودِ
فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت
العجم : من علامة الرُّشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها
توّاقة.
وقالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك لأن غذاءك منهما وغذاءهما منه.
وقال آخر: احفظ بلداً رشّحك غذاؤه ، وارع حمىً أكنّك فناؤه.
وأولى البلدان بصبابتك إليه . وكان يقال: أرض الرجل ظئره ، وداره مهده.
والغريب النائي عن بلده ، المتنحّي عن أهله : كالثور النادِّ عن وطنه الذي هو لكلِّ رامٍ قنيصة.
وقال آخر: الكريم يحنُّ إلى جنابه كما يحنُّ الأسد إلى غابه.
وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحلِّ رضاعه كالعير الناشط عن بلده الذي هو لكل سبعٍ قنيصة ولكل رامٍ دريئة.
وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة كما تغرس الولادة في القلب رقَّةً وحفاوة.
وقال آخر: أحقُّ البلدان بنزاعك إليه : بلدٌ أمصَّك حلب رضاعه.
وقال آخر: إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره فالإنسان أحقُّ بالحنين إلى أوطانه.
وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب ، ورقة القلب من الرِّعاية ، والرِّعاية من الرَّحمة والرَّحمة من كرم الفطرة ، وكرم الفطرة من طهارة الرَّشدة ، وطهارة الرَّشدة من كرم المحتد.
وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.
وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يُسرك في غربتك.
وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه فقد شربه فهو ذاوٍ لا يثمر وذابلٌ لا ينضر.
وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونةٌ بحبِّ الوطن.
ولذلك قال بُقراط: يُداوى كلُّ عليلٍ بعقاقير أرضه ، فإنَّ الطبيعة تتطلَّع لهوائها وتنزع إلى غذائها.
وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها.
وقال جالينُوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه كما تنبت الحبة ببلِّ القطْر.
والقول في حبِّ الناس الوطن وافتخارهم بالمحالِّ قد سبق فوجدنا الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم.
ولذلك قال ابن الزُّبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبدٌ الرِّزق ".
وترى الأعراب تحنُّ إلى البلد الجدْب والمحلِّ القفر والحجر الصَّلْد وتستوخم الرِّيف حتَّى قال بعضهم:
أتَجلِينَ في الجَالِين
؟ أم تتصبَّري على ضيق عيشٍ ، والكريمُ صبورُ
فبالمِصرِ بُرغوثٌ ، وحُمّى ، وحصْبةٌ ومُوم
وطاعونٌ وكلُّ شُرورُ
وبالبيد جوعٌ لا يزالُ كأنَّه رُكامٌ
بأطراف الإكام يمورُ
وترى الخضريَّ يُولد بأرض وبقاءٍ وموتانٍ
وقلَّة خِصْب فإذا وقع ببلادٍ أريف من بلاده وجنابٍ أخصب من جنابه
واستفاد غنىً حنَّ إلى وطنه ومستقرِّه.
ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها
في هذا المعنى لطال اقتصاصُه ولكن توخَّينا
تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعاهم وبالله التوفيق.
ومما يؤكِّد ما قلنا في حبِّ الأوْطان قول الله عزّ وجلّ حين ذكر الدِّيار يُخْبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: " ولو أنّا كتبْنا عليهمْ أن اقْتلوا أنْفُسكُمْ أو اخْرجُوا من دياركم ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم " فسوَّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم.
وقال تعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا ".
وقال عمر رضي الله عنه: " عَمَّر الله البُلدان بحبِّ الأوطان ".
وكان يقال: لولا حبُّ الناس الأوطان لخسرت البُلدان.
وقال عبد الحميد الكاتب وذكر الدُّنيا: " نفتنا عن الأوطان وقطعتنا عن الإخوان ".
وقالت الحكماء:
أكرم الخيل : أجزعُها من السَّوط .
وأكيَسُ الصِّبيان : أبغضُهم للكُتَّاب .
وأكرم الصَّفايا : أشدُّها ولهاً إلى أولادها .
وأكرم الإبل : أشدُّها حنيناً إلى أوطانها .
وأكرم المهارة :
أشدُّها ملازمةً لأمِّها .
وخير الناس آلفُهم للناس.
واعتلَّ أعرابيٌّ في أرض غربة فقيل
له : ما تشتهي ؟
فقال: حسْل فلاة ، وحسْو قلات.
وسئل آخر فقال: محْضاً
رويّاً وضبّاً مشويّاً.
وسئل آخر فقال: ضبّاً عنيناً أعور.
وقالت العرب: حماك أحمى لك وأهلك أحفى بك.
وقيل: الغُربة كُربة والقلّة ذلة.
وقال:
لا ترغبوا اخوتي في غربة أبداً إنّ الغريب ذليلٌ حيثما كانا
وقال آخر: لا تنهض من وكرك ، فتنقُصك الغُربة وتُضِيمك الوحدة.
وقال آخر: لا تجفُ أرضاً بها قوا بلك ، ولا تشكُ بلداً فيه قبائلك.
وقال أصحاب القيافة في الاسترواح: إذا أحسَّت النفس بمولدها تفتَّحتْ مسامُّها فعرفت النَّسيم.
وقال آخر: يحنُّ اللبيب إلى وطنه كما يحنُّ النَّجيبُ إلى عطنه.
وقال: كما أنَّ لحاضنتك حقَّ لبنها كذلك لأرضك حرمة وطنها.
وذكر أعرابيٌّ بلدةً فقال: رملةٌ كنت جنين رُكامها ، ورضيع غمامها ، فحضنتني أحشاؤها وأرضعتني أحساؤها.