الولايات المتحدة والعلماء العراقيون
منذ الموافقة على قرار مجلس الأمن ،1441
وبعيدا عن التهديدات الطنانة وتفاصيل عمل المفتشين ، والشروط المطلوبة من العراق
في القرار كان البند الخاص بالمطالبة بالسماح بخروج بعض العلماء العراقيين
وعائلاتهم للاستجواب خارج العراق أحد أهم العناصر التي قد تشكل العامل الحاسم نحو
تبرير الحرب الأميركية على العراق.
هذه الحرب كما نعلم جميعا حتمية بالنسبة
لإدارة بوش-تشيني ومن خلفها كارتل صناعة النفط والطاقة الأميركي، والهدف هو نفط
العراق. ولكن البحث يبقى عن حجة ومبرر استراتيجي للحرب. وهذا المبرر هو برنامج
أسلحة الدمار الشامل، والذي استخدمته الإدارة الأميركية بدعم من مؤسسات الإعلام
الأميركية الجهنمية لتبرير توجيه ضربة عسكرية للعراق. وإذا كان الأميركيون يؤمنون
بعجز المفتشين عن إثبات وجود أسلحة دمار شامل، فإن البديل الأكثر إثارة هم العلماء
العراقيون.
بالتأكيد أن أفضل نجاح حققته القيادة
العراقية في العقدين الماضيين كان الدعم الكبير للعلم في العراق، وإنفاق مبالغ
هائلة على البحث العلمي وايفاد الشباب العراقيين لجامعات الغرب للحصول على أفضل
الشهادات وأهم الخبرات التي يمكن استثمارها في التصنيع والتكنولوجيا والحرب أيضا.
وقد أثبت العلماء العراقيون تميزا هائلا في الكثير من البرامج التكنولوجية
الاستراتيجية، وحتى في ظروف الحصار بقي إبداع العلماء العراقيين عاليا ويتفوق على
أي نظام علمي عربي آخر. ويعلم الأميركيون تماما أن الرأسمال التقني للعراق ليس هو
الأسلحة والمنتجات المادية بل المعرفة التي يمكن من خلالها إعادة صنع هذه المنتجات
التقنية والموجودة في عشرات الآلاف من العقول الذكية في العراق.
ما يراهن عليه الأميركيون هو إخراج بعض هؤلاء
العلماء وأفراد عائلاتهم، حتى لو كان ذلك رغما عن إرادتهم من العراق بهدف
الاستجواب، حيث من الممكن تقديم الكثير من المغريات المادية والعلمية والمهنية التي
تسيل لعاب أي شخص كان فما بالك بعلماء يجدون صعوبة كبيرة في إطعام عائلاتهم في ظل
هذا الوضع الاقتصادي الخانق. والمطلوب حسب الرغبة الأميركية خروج مئات من العلماء
العراقيين ولكن فقط الذين لهم خبرات في مجالات أسلحة الدمار الشامل بعد عام 1998
وخروج المفتشين للمرة الأخيرة من بغداد.
وإذا ما تمكن الأميركيون من إقناع عالم عراقي
واحد بالخروج علنا وكشف تفاصيل، قد تكون مزيفة حول برنامج التسلح العراقي فإن ذلك
يعتبر أفضل إثبات علمي يمكن أن تستخدمه واشنطن في تبرير الحرب على العراق. والحجة
هي أن الدليل على وجود أسلحة دمار شامل في العراق لن يكون في مصنع للأعلاف ولا في
مؤسسات أبحاث وطاقة ولا في قصور الرئيس العراقي بل في عقل العلماء العراقيين،
ويكفي شخص واحد لإثبات ذلك.
العائق الوحيد أمام واشنطن حتى الآن هو هذا
الرجل الذي يبدو أنه نزيه: هانز بليكس رئيس فريق المفتشين، فهو يقول بكل بساطة أنه
لا يؤمن »باختطاف« العلماء العراقيين وأن الأمم المتحدة لا يجوز أن تتحول إلى
»أداة هروب ولجوء« لمثل هؤلاء العلماء، وهو بالتالي يسجل موقفا ينسجم مع
الأخلاقيات المهنية ويغيظ واشنطن، وربما يدفع ثمن ذلك إذا استمر في عناده بإزاحته
عن رئاسة فريق التفتيش.
المسألة ببساطة هي عملية ابتزاز وتهديد
أميركي للعلماء العراقيين، والهدف هو الحصول على معلومات، أو موافقة البعض على
الإدعاء بأن العراق يطور بالفعل ويملك أسلحة دمار شامل، وبالتالي تقديم مصداقية
عراقية للحجج الأميركية. والهدف الثاني هو محاولة تفريغ العراق من الكفاءات
العلمية التي يمكن أن تساهم في تحقيق نهضة علمية جديدة في حال قامت الولايات
المتحدة بتوجيه ضربتها للعراق، أو حتى تجريد العراق من هذه الكفاءات في حال لم
تحدث الضربة.
يقول ديفيد كاي، وهو أول قائد لفرق التفتيش
في العراق في العام 1992 في مقابلة مع مجلة أميركية الشهر الماضي: »لقد قمنا
بتدمير البنايات والمعدات والآلات، ولكن ما هو محفوظ ومتاح في العراق لا يزال
المعرفة التي يملكها العلماء العراقيون والعنصر الرئيسي في أي برنامج تسلح هو
العلم«. ومثل هذا التصريح يؤكد بأن الأميركيين يريدون العلماء العراقيين لتبرير
الحرب التي يريدونها ضد العراق وتجريد العراق من مقدراته العلمية ومعارفه، بكل
وسائل الابتزاز والضغط الممكنة.