الإسلام والإعلام الغربي

سوء فهم أم إساءة مقصودة

 

بقلم :  د. باسل حسين*

 

 

 

 

لاشك ان أحداث 11سبتمبرشكل نقطة فارقة في انتشار الدعاية الغربية السلبية المجافية للحقيقة بشأن الاسلام والمسلمين في العالم الإسٍلامي، فقد كانت الاحداث الاخيرة  فرصة سانحة لكي يكتشف القائمون على وسائل الاعلام الغربية القيمة التسويقية العالية لتصوير الاسلام كعدو.. وتحت عناوين على شاكلة( الارهاب الاسلامي) ( الخطر الاخضر ) (سيف الاسلام) , (التحدي الاسلامي) (الانسان المتوحش) , , (مخلص جديد لا يعرف التسامح) شرعت القنوات التلفزيونية والصحف اليومية والاسبوعية والكتب ايضا في تناول تفاصيل الصورة الوهمية عن الاسلام والمسلمين دون ان تلقي بالاً للتيارات المختلفة والابعاد المعقدة الاجتماعية والعرقية والاقتصادية والثقافية والسياسية في البلدان الاسلامية, واججت من خلال التوصيفات السطحية المشوهة مخاوف مرضية من خطر محدق بالثقافة الغربية ولان المواطن العادي في غرب اوروبا وامريكا مازال ينظر للشرق كقطب مناوئ للغرب, ومغاير للثقافة المسيحية, فقد كان هناك  تشويش مقصود يقابله سوء فهم من قبل معظم جمهور الغرب  تجاه الاسلام رغم كثافة وسائل الاتصال في العصر الحديث ،والتصور في الغرب يعكس الى حد ما احكام فكرية مسبقة ومكررة تجاه الاسلام او الظاهرة الاسلامية. بدلا من الدراسة العلمية او على الاقل النظرة غير المتحيزة.

وقد دأبت وسائل الإعلام الغربية على صياغة مفردات مبنية على اسقاطات استيهامية مثل العدوانية والوحشية والتعصب واللاعقلانية ورجعية العصور الوسطى ومعاداة المرأة شكلت بمجملها تفاصيل الصورة الغربية عن الاسلام, اما الجانب الايجابي فهو مرتبط ببعض النماذج الممسوخة المتأثرة بالغرب( المتغربنة) ومما زاد الطين بله خبراء وهميون, أكدوا الأحكام المتميزة المسبقة واوهام الغرب عن اعدائه ولم تفد محاولات بعض المستشرقين (المستنيرين) في ازاحة (الدعاية المشوهة) عن ذهن المواطن الاوروبي واستبدالها بالتحليل العلمي الجاد لواقع العالم الاسلامي.

وغني عن البيان  ، ان تصورات الرأي العام الغربي عن الاسلام تأثرت بما يصله من فيض الاخبار والصور المفزعة عن (المسلمين المسلحين) متعصبي القرآن الذين يقومون بأعمال عنف, شاهرين اسلحتهم لابادة اصحاب العقائد الأخرى في حرب عقائدية تهدد الغرب في معاقلهم  سواء في الولايات المتحدة ام اوربا, وشرعت المحطات الفضائية والصحف الغربية في التجني على الاسلام والمسلمين ، بل والتطاول على الرموز الاسلامية والعقائد الى درجة وصل معها التطاول على النبي الاشرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ،اذ عمد اليميني المتشدد جيمي سوجارت في شهر  نوفمبر الماضي الى التطاول على الرسول محمد (ص) وقال عن المصطفى الأمين كلاما اقل ما يمكن وصفه بانه مريع، واصفا  النبي بانه ((ضال)) انحرف عن طريق الصواب ،وطالب سوجارت بطرد جميع طلاب الجامعات المسلمين الأجانب في الولايات المتحدة، كما طالب أيضا بالتمييز ضد المسافرين المسلمين في المطارات وتعقبهم، ووصفهم تهكما بأنهم يرتدون ((حفّاضات أطفال على رؤوسهم)) وأدلى بات روبرتسون القائد اليميني المتشدد المعروف بتصريحات في الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي ايضا وصف فيها المسلمين بأنهم أسوأ من النازيين، كما وجه إساءات بالغة للإسلام والمسلمين في برنامج تلفزيوني أذاعته قناة فوكس الأمريكية في 18 أيلول (سبتمبر) الماضي عندما وصف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ((كان مجرد متطرف ذي عيون متوحشة تتحرك عبثا من الجنون (..) لقد كان سارقاً وقاطع طريق(..) وتقول أن هؤلاء الإرهابيين يحرفون الإسلام !! إنهم يطبقون ما في الإسلام. وذهب بات روبرتسون بعيدا عندما اعتبر ان الإسلام ((خدعة هائلة))، وأن القرآن هو سرقة دقيقة من الشريعة اليهودية)).في حين اتهم رجل الدين اليميني المتشدد جيري فالويل في برنامج ستون دقيقة الأمريكي الذي أذيع في 6 تشروين الاول (أكتوبر) الماضي الرسول الكريم بأنه ((إرهابي))، وقال: أنا أعتقد أن محمد كان إرهابياً. لقد قرأت... كتابات لمسلمين ولغير مسلمين، (لكي أقرر) أنه كان رجلاً عنيفاً، رجل حرب. واضاف: ((في اعتقادي... المسيح وضع مثالاً للحب، كما فعل موسى، وأنا أعتقد أن محمد وضع مثالاً عكسيا))ً.

ويلاحظ ان وسائل الاعلام من محطات وصحف بدأت تتعمد الاساءة الى الاسلام  والمسلمين دون ان تلقي بالا بردود الفعل الصادرة عن المسلمين او مؤسسا المجتمع التي ينتمون اليها، مستعينة بذلك على تجاهل السلطات الرسمية الغربية ودعم اللوبي الصهيوني، إذ على الرغم من كل تلك الاساءات فاننا لم نرى رد فعل او مساءلة سوى بعض الاصوات الشريفة التي تصدر عن استحياء وتضيع في لجة العداء الغربي لللاسلام، ولاسيما من قبل اليمين الاصولي، فهاهي مجلة دير شبيجل الالمانية تكتب ذات مرة تحت عنوان:( قريبا تجد اوروبا دولة دينية على عتبة بابها) ، ومن باب  تصوير (العدوانية) كطبيعة للاسلام والمسلمين, يقول الكاتب الفرنسي (جان كلود بارو) في كتابه (المخلص الذي لا يرحم ــ حرب الاسلام ضد العالم الغربي) : (ان ما يمكن ان نسميه اشد درجات الرغبة في اذلال الآخرين موجود في الاستعداد النفسي الأصيل لدى المسلمين ومن أصل عقيدتهم, فهي عقيدة حربية عدوانية تسعى للسيطرة والتوسع, وتشحن الفرد باحتقار غير المسلمين, والاسلام في مجمله عدو للغرب لانه يؤمن بلاهوت الغزو والفتوحات والانتصارات ولا يرضى بلاهوت الهزيمة) ولا تتورع مجلة ألمانية مشهورة (دير شبيجل) من ان تكتب في نفس السياق ان (الايمان العميق بتعاليم الاسلام يتوجه نحو قهر غير المسلمين, فيوصي الرسول اتباعه برسالة عالمية تعتمد على القوة الغاشمة, كما هو مذكور في بعض آيات القرآن) !! ،وتضيف ان (جيوش القرآن تشحذ سيوفها في كل مكان للانتقام من الغرب, بسبب الهزائم المريرة التي مني بها المسلمون في القرون الماضية.. منذ ان خدع صلاح الدين الايوبي على يد الغرب المسيحي!.

 واذا كان الغرب في بدء التسعينات قد استعرض تفوقه العسكري المروع على (بلد اسلامي) هو العراق ولازال يستعرض، فانه وجد في الانموذج الطالباني صورة مثلى من اجل التلويح بفرضية التهديد الاسلامي والسؤال المطروح بالحاح هو هل ان هذه الفرضية تعكس هواجس نفسية ذات بعد تاريخي ام الاختلاف الثقافي ام احساس دفين بالضعف؟ تجيب عن هذا السؤال صحيفة (تاجيس تسايتونج) (( ان الرموز الاسلامية بحد ذاتها تثير القلق في نفوس الغربيين. كما توضح حالة التلميذات المحجبات في فرنسا اللاتي رفضن خلعه اثناء الدراسة.. وفصلهن مدير المدرسة لان ارتدائهن الحجاب بانتظام يحمل سمة التحدي والعدوانية كما قال في حيثية قرار فصله لهن, وتكرر الامر في سنغافورة  ولم يكن مدير المدرسة ليصل الى هذا الحكم لو ان الامر كان يتعلق مثلا برمز مسيحي, بينما فهم ارتداء الحجاب على الفور بوصفه اعتداء على الثقافة الغربية. وادعى مسألة الطابع العدواني. وفي مقالة بعنوان: الراديكالية الاسلامية وتهديد اوروبا, يشرح الكاتب الالماني يورجين ليمنسكي (الخطر القادم) بان (عناصر غير عسكرية شديدة الاهمية تدخل ضمن عناصر الخطر القادم من العالم الاسلامي الذي تتعرض له اوروبا وهي العناصر الثقافية والاجتماعية لان استخدام القوة ليس العنصر الوحيد في تحقيق (الرغبة في الغزو) و(ارادة السيطرة على الآخرين) .. ويؤكد كاتبان اخران (بيترشول لاتور) و(جيرهارد كونتسلمان) انه لا مفر امام الغرب من ان يشتبك مع هذه الثقافة الشرقية الغربية.. ولا يسهل من وجهة نظرهم وجود المسلمين على مقربة من اوروبا في المغرب او منطقة البلقان, او حتى داخل الدول الاوروبية كعمالة اجنبية تركية او جزائرية او مغربية وتونسية تفهما لتلك الثقافة الوافدة, بل يرفع درجة التهديد, مما يدعم الاحساس بالورطة لدى الرأي العام الغربي المتلقي لتلك التحليلات التي تستبعد اي نوع من التفاهم وامكانية الحوار الحضاري, وتؤكد بدلا من ذلك على التناقضات التي لا يمكن تجاوزها او تخطيها الى حد ان بعض المستشرقين في جامعة هامبورج وجهوا منذ سنوات اتهاما جماعيا صريحا لبعض خبراء الاعلام بانهم يعملون باساليب غير نزيهة على توسيع وتعميق الفجوة بين الثقافتين الاسلامية والغربية..
الاسلام أصولي بالضرورة! بينما لا يعتبر كثير من المواطنين الغربيين انفسهم مرتبطين بالمسيحية كدين وانما يرتبطون بها كثقافة, فانهم على العكس ينظرون الى الاسلام كدين فقط, وليس كقيمة ثقافية عظيمة, مما يدعم شعورهم بالخطر, خاصة عندما يتعلق الامر بما يسمى (الاصولية الاسلامية) , التي توحي اليهم بالعودة الى العصور الوسطى, وتفتح تداعيات لافكار حول التوسع والقمع مدعومة بفكرة كراهية كل ما هو غربي... ورغم ان الاصولية ظاهرة عامة في الاديان الاخرى المسيحية واليهودية فان وسائل الاعلام الغربية تحيل الاصولية الى الاسلام في المقام الاول, وتجعله مرادفا لها, حتى ان مجلة (الايكونوميست) تردد القول بان الاسلام اصولي بالضرورة, ولا يلاحظ الاعلام الغربي التوجهات السياسية المختلفة المتراوحة بين الليبرالية اليسارية والديمقراطية الاجتماعية في العالم الاسلامي حسب شهادة المستشرق رايهاردشولتسه في احد مقالاته عن الاعداء الجدد بل يفضل الحديث عن المسلمين المسلحين والمتعصبين للدين والشباب المشحون بافكار دينية تقليدية, ولا يقتصر الامر على صحافة الاثارة, بل يمتد الى صحف محترمة ووسائل اعلام رسمية ومسؤولة وغالبا ما تنسب تهم كالعداء للتقدم والافكار السياسية الرجعية وتمني العودة الى القرون الوسطى, وكثيرا ما يُرمى الاسلام نفسه بهذه التهم, وتقوم وسائل الاعلام بصك تعبير التمرد على الحضارة كما كتب توماس ماير في كتابه (الاصولية ثورة على الحضارة) وبخلق قطبية ثنائية من الحضارة الغربية والسلفية الاسلامية.. فنقرأ في احدى المجلات.. الاسلام اكثر اديان العالم عدوانية, يشحذ المؤمنين به (1,2 مليار مسلم) بطاقة ثورية, ويسبب الاصوليون الحرج والارتباك لرؤوساء وحكام الشرق الاوسط, وينفخون في اتون الكراهية للقيم الغربية ويعتبرون انفسهم روادا ومجاهدين من أجل نظام عالمي اسلامي.. وفي السياق نفسه يذهب صموئيل هنتنتغتون حين يحذر من تحالف الاسلام مع الكونفوشوسية الصينية .

وهكذا من خلال الخلط بين مصطلحات مسلم او اسلامي وبين اصولي او متعصب نسب الى الاسلام نفسه كل ما يسمى (اصوليا). فلا يعترفون بعملية التطور التاريخي للاسلام, ويعرفونه على أساس مرحلته الاولى او من خلال بعض النصوص الدينية المجتزأة من سياقها, فتحتل قصص من صدر الاسلام مساحة كبيرة من صورة الاسلام في وسائل الاعلام الغربية, مما يؤدي الى عدم توجيه الاهتمام نحو تشابكات التاريخ الاسلامي وظروفه المعاصرة وتأكيد انطباع عام بان منطقة الشرق الاوسط كلها لم تشهد اي تحول تاريخي.. ويميل الكتاب الغربيين عادة الى الاستشهاد بمقولات وآراء  دون مقولات وآراء اخرى, لكي يبرهنوا على (اصولية الاسلام)

ولكي يعزز المعادون لللاسلام فرضية (التهديد الاسلامي) فانهم يحذرون من الانفجار السكاني في دول الشرق الاوسط والذي وصلت آثاره الى اوروبا من خلال موجات اللجوء والهجرة, وينحصر الخوف هنا في تهديد (الرفاهية) التي تنعم بها اوروبا وذوبان ثقافتها, فكثيرا ما تجرى احاديث وحوارات في وسائل الاعلام عن (الجماهير العربية او الاسلامية) بينما لا نسمع على الاطلاق كلمات مثل (الجماهير الاوروبية او الامريكية او المسيحية) , ونادرا ما نجد صورة لمسلم منفردا, بل دائما, يصدر المسلمين في مجموعات كما يشير يورجين لينك في انتقاده لتعبيرات وسائل الاعلام الغربية الموظفة لتصوير الاسلام عدوا للغرب فيبحث مثلا خبير مزعوم في شؤون الشرق الاوسط عن التهديد الاسلامي في علم الديمجرافية قائلا في مقابلة تلفزيونية (نصف الثلاثة وخمسين مليون ايراني تحت سن الــ 15 سنة, وفي تركيا زاد عدد السكان من 20 مليون نسمة عام 1950 الى 60 مليون عام 2002, وفي الجزائر حاليا 30 مليون نسمة كانوا اقل من عشرة ملايين نسمة سنة 1962, وفي مصر زاد عدد السكان ثلاثة اضعاف ما كان عليه في الخمسينات, بذلك يزداد الضغط من شمال افريقيا على جنوب اوروبا. وتصل المخاوف الى قمة اثارتها عندما تزواج وسائل الاعلام الغربية بين عنصري (الارهاب) و(الكتل البشرية الاسلامية) وبناء على التزايد السكاني يرتفع الضغط الوهمي على البلاد الاوروبية, وتتوافد الكتل البشرية, مرة كعمالة اجنبية ومرة كلاجئين وتقيم في اوروبا ومعها ثقافتها الاصولية المعادية للغرب دائما!.. عند هذه النقطة يتلاقى العداء للاسلام مع العداء للعالم الثالث باعتبار ان موجات الهجرة واللجوء تهدد قلعة الرفاهية في اوروبا. وتحوي صورة الكتل البشرية جانبا آخر من التهديد, حيث تظهر عدم الاهتمام بالفرد واهماله, فالكتلة البشرية ليست شخصا فردا, بل هي (ظرف او حالة مخيفة) , ويزداد الانطباع الناشيء عنها حدة عند ربطه بالحماس والتعصب, ففي استطلاع للرأى اجري في فرنسا اجاب ثلاثة من بين كل اربعة اشخاص على سؤال عما يمكن ان ينطبق عليه تعبير متعصب بانه الاسلام (!) وبأن جماهيره المتعصبة تأتي بمآسي لا يمكن حساب عواقبها, وكما جاء في كتاب الامريكي (جون لافين) (الاسلام ــ التعصب يهدد العالم) الذي يساوى بين التعصب والاسلام حسب عنوان الكتاب نفسه فان التعصب بالنسبة للغرب يمثل عموما سمة سلبية, وفي ظل ظروف معينة يمثل سمة خطيرة ومرضية, ومن السهل ان تنقلب الى الجنون, فجأة وبلا مقدمات, اما الغربيين فعلى العكس تماما كما يرون انفسهم.

 والملاحظة الجديرة بالذكران الاعلاميين الغربيين لا يتوقفون عند هذا التناقض الفكري بل يزايدون في صنع الحواجزوالفروق بين الشرق والغرب, ويغذون القطبية الثنائية, الغرب عاقل والشرق رجعى مجنون, فيسقط الشرق حتما من الحسبان كطرف متكافئ, يمكن الحوار معه فالمجانين خطرون ويصعب التنبؤ بتصرفاتهم, ولا يمكن التعامل معهم بندية, والافضل الابتعاد عنهم!.

 ويحاولن هؤلاء على التركيز حول مسالة التفوق الغربي وما دام الامر يتعلق بعدو او بناء تصور عن عدو, فينبغي ان تتحدد الجبهات بوضوح اكثر وان ترسم الحدود الفارقة بين الصديق والعدو, ان تعد خريطة ذات حدود صريحة, فيقول يورجين ليمنسكي ان (غالبية الدول الاسلامية تعيش في عالم من العلاقات بازارات ومساجد وآلات قمع لا يمكن فهمها حسب المعايير الاوروبية!!) .. ثم يرسم صورة لتشابك مبهم يصعب اختراقه وينطوى على توتر وقلق, في تلك الصورة يبدو الغرب متقدما عقلانيا مستنيرا علمانيا, والاسلام رجعيا متعصبا اصوليا لا عقلاني.. والطريف ان التناقض والتضاد ليس بين الاسلام والمسيحية, بل بين (الاسلام والغرب) .. اي مقارنة بين دين ومنطقة جغرافية ثقافية.. يقول الفرنسي كلود بارو (المجاهدون المسلمون لا يفهمون ما يحدث امام اعينهم, ولا يعترفون بان الحضارة الحديثة هزمتهم, وان عقلانيتها تفوقت عليهم, ليس في الماضي فحسب عندما وصل نابليون ارض مصر في يوليو 1798 بل وفي الحاضر والمستقبل ايضا.. انهم يفضلون شراء الاسلحة, ولكن انتصار الغرب لا يعتمد فقط على نوعية السلاح, بل ايضا على طريقة استخدامه والمعنى دقيق وثابت.. الغرب يتجاوز ويفوق الشرق والابعد من ذلك ان الشرق غبي بدرجة لا يدرك بها ذلك التفوق.. وترسم آراء كارل ماي الذي لم يزر الشرق ولو مرة واحدة في حياته صورة التفوق الاوروبي ايضا (اذا ما ارتدى الاوروبي الانجلوساكسوني زي العربي تفوق عليه وتحدث اللغة العربية افضل منه, وعرف الاسلام والقرآن بصورة افضل من المسلمين دارسي القرآن, بدرجة تمكنه من الحركة باقتدار داخل الثقافات الشرقية, افضل من علماء الجبرية انفسهم. هذا التصور الذي كتبه كارل ماي منذ عشرات السنين اثر كثيرا في الألمان على وجه الخصوص بما يفوق آراء البحث العلمي المتخصص عن العالم الاسلامي. التفوق الغربي كمفردة من مفردات الخطاب الاعلامي الغربي يدفع في الاتجاه نحو عدم محاولة تفهم العلاقات الدقيقة داخل المجتمعات الاسلامية, وسعي البلدان الاسلامية للحاق بالمجتمعات الصناعية الحديثة دون التخلي عن هويتها الاسلامية ويبرر هذا التفوق الغربي استعراض السيادة الغربية على العالم العربي والاسلامي الى حد صياغة (القدرة على القتال بكفاءة) كقرينة على التفوق الغربي, ويبرر في الوقت نفسه الاجراءات العسكرية وكثرة القتلى والضحايا نتيجة للحرب (حرب افغانستان تحديدا) من خلال الادعاء (بتخلف الخصم) و(القيمة الوضيعة للضحايا) ،وعن تخلف المستوى التقني في كثير من الدول الاسلامية تصور وسائل الاعلام الغربي تلك (الحقيقة) كما لو كان البشر في منطقة الشرق الاوسط لا يستطيعون او ليسوا اكفاء بما يكفى لكي يرتقوا الى مصاف الامم الصناعية, وكأن التخلف التقني موروث من القرون الوسطى وليس نتيجة لأسباب اقتصادية او سياسية, كان الغرب نفسه احد اطرافها, وكأن الدول النامية التي تنتمي لدوائر ثقافية متباينة, بما فيها المسيحية, لا تعاني كلها من مشاكل تقنية واقتصادية متشابهة, اي ان الدين ليس وحده العنصر الفاعل في التخلف التكنولوجي.. فيقول احد الكتاب المغالين في ضيق الافق (ستظل بنجلاديش الى الابد بلدا ظلمها القدر بوحشية بسبب سكانها, فلو استبدلناهم بالهولنديين, ستظهر في غمضة عين القنوات والترع والسدود وطواحين الهواء في وادي نهر الجانجا) (!). من بين الملامح الاخرى على فكرة التفوق الغربي تصوير حقوق الانسان باعتبارها منتجا اوروبيا, ويصور الاسلام على العكس كمعاد لحقوق الانسان, فيكتب صحفي الماني: (حرية الفكر ليست مطلبا اسلاميا, مثلها في ذلك مثل اي حق من حقوق الانسان) بمعنى آخر اي الاسلام لا يضمن اي حق من حقوق الانسان!. الا ان وسائل الاعلام الغربية تصور (الاسلام) في هذا السياق كآفة اساسية وتفضل توجيه الاهتمام الى ما يقدمه (دعاة الاسلام) وكأنهم يرفضون حقوق الانسان المستوردة من تراث الفكر الغربي, في حين يجب ان لا ننسى الا ننسى ان حقوق الانسان قد ديست بالنعال في الدوائر الثقافية الغربية المسيحية, وكثيرا ما رفضت صراحة وما انتهاكات حقوق المسلمين في العالم الغربي بعد احداث 11 سيبتمبر سوى انموذج بسيط للنفاق الغربي في التعامل مع هذه القضايا ، ناهيك عن المعاملة السيئة للاسرى التي اثارت حتى استهجان الغريبن انفسهم, وتذخر امريكا اللاتينية والتاريخ الاوروبي بكثير من الأمثلة, ويجب الا ننسى ايضا ان انتهاكات حقوق الانسان ترتبط الى حد بعيد بحدة الصراعات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي لأنماط الحكم في الشرق او الغرب على السواء.. وغالبا ما يتم تفسير (تخلف) الدول الاسلامية خطأ بان المسلمين مكبلون بعقيدتهم, التي تعرقل او تمنع اي عملية تحديث, وان هناك موقفا رافضا لمفاهيم مثل التنوير او حقوق الانسان او الديمقراطية باعتبارها منتجا غربيا, كان ولايزال قائما.. لكن السؤال الملح جدا، هو إذا ما كان الغرب يتهم الإسلام بالتعصب، فهل تقتصر ظاهرة التعصب علي المسلمين وحدهم، ام ان هذه السوية تتواجد في أي حالة دينية في العالم، وتاليا فهي ليست حكراً علي الاسم، فالطوائف البروتستانتية التبشيرية في أمريكا هي أصولية متعصبة، واغلب الحركات اليمينية في الولايات المتحدة هي متعصبة، وما يحدث في ايرلندا هو نتاج التعصب الديني، ثم هل من تعصب اكثر من الحركة الصهيونية، ام ان الموضوع هو ليس موضوع أصولية او تعصب او دين، وانما ثمة أهداف أخرى؟



استاذ وباحث جامعي من العراق