الحرب وشيكة … لنبدأ فى تكوين لجان المقاومة فى كل الوطن
العربى
بقلم : محمد السخاوي *
أكد الرئيس صدام حسين أن نتائج التفتيش عن أسلحة الدمار الشمال
ستفضح أمريكا ، وأعلن خلو بلاده [ العراق ] من أى نوع من أنواع أسلحة التدمير
الشامل ، بل إن العراق
أعلن استعداده ، لقبول إشتراك عناصر
المخابرات المركزية الأمريكية مع المفتش الدوليين فى القيام بعمليات التفتيش على
أسلحة الدمار الشامل ، وتقديم قائمة بأسماء علمائه إلى " بليكس " فقد
صرح " عامر االسعدى " مستشار الرئيس صدام حسين " بأن بلاده مستعده للإجابة على أى أسئلة
تطرحها أمريكا وبريطانيا بشأن الإقرار العراقى الخاص ببرامج التسليح ، وأنها لا
تمانع أيضاً فى السماح لضباط المخابرات المركزية الأمريكية بالقدوم إلى أرضيها
لتحديد مواقع أسلحة الدمار الشامل التى يشتبهون في وجودها ، وقال السعدى ، أن
العراق بصدد تقديم قائمة بعلمائة إلى " هانز بليكس " ، قبل نهاية العام
الحالى ، وأنه لا يمانع فى إستجواب هؤلاء العلماء فى الخارج ، وأن بلاده ليس لديها
جديد لتضيفه إلى التقرير الذى قدمته عن أسلحتها ………. "
وفى نفس الوقت أعلن " طارق عزيز "
نائب الرئيس صدام ، أن أمريكا ستشن الحرب على العراق لأنها تريد السيطرة على
البترول العراقى وفرض الإدارة الأمريكية على الأمة العربية ، وبربط ما قاله " طارق عزيز " بما قاله
" عامر السعدى " ، وبربط ما قاله الأثنين بما قاله الرئيس صدام يتضح أن
العراق متأكد من أن الحرب آتية آتية
، ولا يساوره أدنى شك فى ذلك ، ولكنه - أى العراق - قرر فى نفس الوقت أن يأخذ
بالنصائح العربية ، إبتداءً من قبوله للقرار 1441 وحتى قبوله إشراك ضباط من
المخابرات المركزية الأمريكية مع المفتشين الدوليين فى عمليات التفتيش ، بغرض فضح
كل الذرائع الأمريكية من جهة وكشف الأسباب الأمريكية الحقيقة للحرب على العراق من
جهة ثانية .
وفى الوقت الذى يعلن العراق قبوله لإشتراك
المخابرات المركزية الأمريكية مع المفتشين الدوليين فى البحث عن أسلحة التدمير
الشامل العراقية ، وتقديم قائمة بأسماء علمائه وموافقته على سفرهم خارج العراق
لإستجوابهم ، واستعداده للإجابة على أى أسئلة أمريكة / بريطانية بشأن الإقرار
العراقى الخاص ببرامج التسليح - فى ذات الوقت - يكون تجاوب أمريكا وبريطانيا مع
الإستعدادات العراقية السياسية والدبلوماسية منع الحرب وتجنيب المنطقة والعالم
وأثرها المدمرة ، بأن تتقدما خطوات كثيرة نحو نقطة إعلان الحرب ، ففى يوم السبت
الماضى 21 دسمبر 2002 بحث بوشن فى إجتماع
موسع عقده مع أعضاء مجلس الأمن القومى الأمريكى ، وحضرة الجنرال " تومى فراتكس " قائد القيادة
المركزية الأمريكية خطط العمليات العسكرية المحتملة ضد العراق ، وأهداف الضربات
الأمريكية لتدمير أسلحة العراق ، وصرح مسئولون أمريكيون بارزون بأن الاجتماع تطرق
إلى برنامج نشر القوات فى منطقه الشرق الأوسط ، وطبيعة الوحدات التى سيتم دفعها
إلى المنطقة ، ونوعية الأهداف التى
استهدف ، وقال مسئول كبير فى البيت الأبيض ، أن بوش أعطى الضوء الأخضر
لمضاعفة عدد القوات الموجود فى منطقة الخليج حالياً لتصل إلى مائة ألف رجل فى
بداية يناير المقبل ، وأعلن الخبرال " ريتشار مايزر " رئيس هيئة الأركان
الأمريكية أن الجيش الأمريكى مستعد للتحرك عسكرياً ضد العراق فوراً وفيما وصف بأنه
مؤشر واضح على قرب وقوع العمليات العسكرية ، أعلن " راى فلايشر "
المتحدث بإسم البيت الأبيض أن بوش أرجأ جولة كان من المقرر أن يقوم بها إلى
أفريقيا خلال الشهر المقبل - ينابر 2003 - ، وأعترف فلايشر بأن الأزمة العراقية
تزداد تعقيداً .
ونحن نتساءل : كيف تزداد الأزمة العراقية
تعقيداً وقد قدم العراق كل التسهيلات بما فيها تسهيلات لم تكن تخطر على بال أحد من
المراقبين والمحليين السياسيين ، لتسهيل عمل المفتشين للتأكد من خلوه من أسلحة
الدمار الشامل ؟ المفروض والمنطقى أن الأزمة تزداد تعقيداً كلما رفض العراق مطالب مجلس الأمن ولجان
التفتيش أما أن تزداد الأزمة كلما
إستجاب العراق وسهل عمل المفتشين بما فيهم ضباط المخابرات المركزية فهذا أمر غير
منطقى وقول سخيف ، إلا إذا كان السيد/ فلا يقصد أن يقول أنه كلما إستجاب العراق
وقدم التسهيلات اللازمة للتأكد من خلوه من أسلحة الدمار الشمال إنفضحت أمريكا
وتعرت تماماً ، وانكشفت نواياها الحقيقة للعدوان على الإسلام والأمتين العربية
والإسلامية ، وبالتالى تزداد تعقيدات المبررات السياسية والدبلوماسية التى يجب أن
تتقدم بها أمريكا للعالم لتبرير العدوان .
وعلى جانب عملية التفتيش فقد أعلن كل من
" هانز بليكس " و محمد البرادعى " المسئولان عن قيادة التفتيش عن
أسلحة الدمار الشامل الكيماوية والنووية فى العراق - أعلنا - أن العراق يتعاون
بدرجة جيدة مع فرق التفتيش ، وأن عمليات التفتيش التى تمت حتى الآن لم تثبت أن
العراق لديه أسلحة دمار شامل أو قام بتطوير هذا النوع من الأسلحة ، وإزاء تجاهل
الولايات المتحدة وبريطانيا تصريحات " بليكس / البرادعى " ، فقد طلب
الاتفاق من الدولتان أن تقدمان ما لديهما من معلومات مخابراتية عن أسلحة الدمار
الشامل العراقية واماكن وجودها فى الأراضى العراقية ، إلآ أن الدولتان لم تتقدما
بهذه المعلومات ، مما حدا " بهانز بليكس " إلى رفض موقف واشنطن وقال أن
أمريكا وبريطانيا لاتقدمان للمفتشين معلومات كافية عن المواقع التى تشتبهان بأنها
تحوى أسلحة دمار شامل فى العراق ، وأضاف : يمكن لأمريكا وبريطانيا أن تكشفا لنا
المواقع التى تؤكد أن العراق يخبئ ، فيها أسلحة دمار شامل ، وقال : إننا نتلقى
معلومات كثيرة حول ما يملكه العراق بحسب إعتقادهم ، لكننا بحاجة إلى معلومات عن
المواقع التى قد تكون الأسلحة مخبأة فيها .
هكذا فإنه من الناحية الموضوعية ، فإن بليكس
والبرادعى والعراق فى جانب وأمريكا وبريطانيا فى جانب آخر، وهذا التوزيع للأطراف
لا يعنى أن رئيسا فرق التفتيش منحازين للعراق فى مواجهة أمريكا وبريطانيا ، ولكنه
يعنى أن أمريكا وبريطانيا غير مهتمتان بما يقدمه العراق من تسيهلات للتأكد من خلوه
من أسلحة الدمار الشامل ، ولا بما يعلنه رئيسا فرق التفتيش ، وإنما إهتمامهما
الأساسى وربما الوحيد هو الإعداد والحشد بمختلف أنواع الأسلحة لغزو العراق ، و
إسرائيل بدورها ليست بعيدة عن العدوان ، بل هى السبب الأهم له ، فإسرائيل فى قلب
عملية الحشد والإعداد العسكريين ، وفى قلب الحلف الذى تعده أمريكا للعدوان ، ولكن أمريكا
تتعمد إحاطة الدور الإسرائيلى فى الحرب بقدر من الغموض وبالذات التهيئة فى مرحلة
التهنئة والإعداد للدرجة التى تبدو فيها إسرائيل وكأنها لا علاقة لها بالحرب ، حتى
يسهل لأمريكا وبريطانيا ممارسة النصب السياسى على العرب والمسلمين ، وقد تتطلب هذا
النصب توزيع الأدوار بين الدول الثلاث أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ختى يتم تشتيت
وإرهاق الرأى العام العربى ودفعة إلى السلبية فى مواجهة العدوان ، فأمريكا تتقدم
بخطة الطريق التى تهدف إقامة "كنتونة صهيونية " بعد ثلاث سنوات تسمى
دولة فلسطنية ، وبريطانيا تعد لعقد مؤتمر فى يناير بلندن لا يحضره عرفات لبدء إستعادة المفاوضات بين الأطراف المعنية
بالقضية الفلسطنيية ، وإسرائيل تقوم بمزيد من القتل والتدمير والإعتقال والإذلال
لشعبنا العربى فى فلسطين ، و ليس أدل على هذا النصب أكثر من الفتيو الأمريكى ضد
مشروع قرار تقدمت به سوريا إلى مجلس الأمن لإدانة إسرائيل بسبب قتل جنودها ثلاثة
من موظفى الأمم المتحدة بالضفة الغربية وغزة فى شهر نوفمبر 2002 ، وتدميرها مخزناً
ضخماً للمواد الغذائية تابعاً لبرنامج الغذاء العالمى فى غزة ، وبرر " جون
نجرو بونتى " المندوب الأمريكى بالمجلس استخدام الفيتو بقوله أن المشروع
السورى غير متوازن ، ولا يساعد جهود إحلال السلام فى الشرق الأوسط ، إن هدف النصب
السياسى الأمريكى البريطانى الصهيونى هو إرباك العرب وتهيأتهم لقبول مقايضة خاطئة
ووهمية بين القضيتين العراقية والفلسطنية اللاتان لا تقبلان المقايضة لأنهما
ببساطة قضية عربية واحدة .
وفى الوقت الذى يعلن فيه العراق خلوه من
أسلحة الدمار الكيماوية والنووية ، ويعلن إستعداده لقبول اشتراك ضباط المخابرات
المركزية مع المفتشين الدوليين فى عملية التفتيش ، وتقديمه قائمة بأسماء علمائه ،
وقبول استجوابهم فى الخارج ، وفى مقابل كل ذلك تصر أمريكا على الحرب تحدياً لكل
العرب والمسلمين وخذلانا لكل اصدقائها ومحبيها ومريديها فى المطقة ، فى ذات الوقت
فإن كوريا الشمالية تهدد تبلقين أمريكا درساً مؤلماً فى حالة وقوع حرب نووية بين
الدولتين ، ويصف وزير الدفاع الكورى الأمريكيون بأنهم متغطرسون ، يجهلون خصومهم
وعليهم أن يدخلوا فى المفاوضات دون وساطة ، وكان هذا التحدى من جانب كوريا
الشمالية رداً على تصريحات دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكى والتى قال فيها
أن القوات المسلحة الأمريكية قادرة على خوض حربين فى وقت واحد ، وقد أبلغ كولين
باول وزير الخارجية الأمريكى 23/12/2002 فرنسا وروسيا وبريطانيا بأن واشنطن ترغب
فى إيجاد حل سلمى لمشكلة كوريا الشمالية النووية .
وجدير بالتنوية والتأكيد أننى تعرضت للمسألة
الكورية لكى أبين ثلاثة مواقف : الأول : الموقف الكورى وتميزه بالصلابة والوضوح
الإستراتيجى المبنى على حالة من التوزان الإستراتيجى مع أمريكا . الثانى : الموقف
الأمريكى وتميزه بالليونه والاعتدال وعدم التشدد والسعى لحل المشكلة دبلوماسيا
بالعكس تماماً من الموقف الأمريكى من العراق الذى يعلن خلوه من أى نوع من أسلحة
الدمار ، وعلى الرغم من ذلك تصر أمريكا على احتلاله سعياً لتغيير نظامه وخلخة
الأوضاع السياسية فى المنطقة ، مما يعنى أن الإستراتيجية الأمريكية تجاه العرب
والمسلمين استراتيجة عدوانية عنصرية تستهدف فى تحقيق الهيمنة الأمريكية والصهيونية
على المنطقة ،الثالث : الموقف العربى الذى يتميز بالهشاشة والميوعة والذاتية القطرية
، وافتقاد إستراتيجية قومية للمواجهة على الرغم من إمتلاك الأمة للإمكانيات
والميزات الإستراتيجية الفائقة التى لو استخدمت ووظفت فى مواجهة العدوان على الأمة
لأحدثت توازناً رائعاً مع أمريكا والصهيونية وحلفائهما والتصدى للعدوان .
أردنا من ذكر ما سبق ، أن نؤكد - كما أكدنا
من قبل - أن الموقف الأمريكى من العرب يتسم بالعنصرية والكره الشديد ، وأن إحتلال
العراق ليس هدفاً نهائياً للتحالف الأمبريالى الصهيونى ، إن إحتلال العراق مجرد
هدف تكتيكى لتحقيق هدف أعلى ، وهذا الهدف الأعلى هو تفريغ الإسلام من محتواه
الجهادى والحضارى ، وخلخة الأمة العربية بإعتبارها عصب الإسلام وشوكته ، وذلك
بتفكيك بنيتها القومية ، وتحويلها إلى كنتونات إثنية ، طائفية وعرقية خاضعة تماماً
للإرادة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية .
وأمريكا فى سعيها لتحقيق هذا الهدف لن تسمح
بتعويض مسيرتها ، خاصة من بعض الحكام العرب الذين يطالبونها بحل مسألة أسلحة
الدمار الشامل العراقية بالوسائل السليمة ،لأن الحرب كما يقولون - ستوقف حركة
السياحة الدولية بسبب العمليات العسكرية وأنتشار أعمال الإرهاب ، والحقيقة أن
أمريكا لا تحترم أى حاكم من الحكام العرب ، فهم عندها مستبدون ومنافقون ، مستبدون
يولدون الإرهاب ويصدرونه ، ومنافقون يتحدثون بلغتين ، لغة لها ولغة لشعوبهم ،
بالإضافة إلى ذلك إن مجرد القول بالإمتناع عن شن الحرب ، لأن الحرب ستوقف السياحة
، يثير السخرية وعدم الاحترام ،ويكفى أن تضع " وقف " السياحة " فى
مقابل " تفريغ الإسلام من محتواه الجهادى وخلخة البنية القومية العربية و
إحلال خريطة عرقية وطائفية محل الخريطة العربية الراهنة - يكفى هذه المقابلة -
لتضع يدك وبصرك على مدى الدونية والضالة التى يضع الحكام العرب نفسهم فيها أمام
الطاغوت الأمريكى ، ولتعرف هذه الضالة بدرجة أوضح قارن " مبرراتهم "
بإستجداء أمريكا لعدم شنها الحرب على العراق " برد " وزير الدفاع الكورى
على تصريح "رامسفيلد " وزير الدفاع الأمريكى الذى قال فيه أن
أمريكاتستطيع أن تحارب على جبهتين ، بقصد الجبهة العراقية والجبهة الكورية ، رد عليه
وزير الدفاع الكورى بالقول ، أن الأمريكيون متغطرسون ولا يعرفون خصومهم وسيخطئون
خطأ فادحاً إذا فكروا فى محاربتنا " ، الحكام العرب يتسولون وقف العدوان على
أمتهم ، والكوريون يمنعون العدوان بالقوة .
وزيادة فى الحيطة الإستراتيجية والدقة فى
التمويه ، فإن الإدارة الأمريكية تغرق المنطقة العربية الآن بالعديد من الأوراق
والتصورات الإستراتيجية الأمريكية لمستقبل العرب ، تصورات تبدوا من ظاهر تعددها
وكأنها متغايرة ، وهى فى الحقيقة ليست متغايرة وأنما متكاملة لأنها تصور واحد مركب
لإستراتيجية واحدة مركبة ، هذه السمة التركيبية للإستراتيجية الأمريكية الصهيونية
تجاه الأمة العربية ، القصد منها تحقيق قدر مطلوب من الغموض الإستراتيجى على
التحركات الأمريكية الصهيونية العدوانية ، وذلك لإحداث قدر من التشتيت والبلبه فى
فكر الحكام والمؤسسات والفعاليات العربية ، فلا يبصرون ولا يقدرون على تحديد
التوجهات الأمريكية الصهيونية ، فيزاد الواقع العربى وهن على وهن وضعف على ضعف .
ولمزيد من التوضيح لهذا "الإغراق "
الإستراتيجى الأمريكى فأننا نذكر هنا ، على سبيل المثال ، ثلاث تصورات : التصور
الأول الذى أطلقه كوين بأول وزير خارجية أمريكا تحت مسمى " مبادرة المشاركة
من أجل الديمقراطية والتنمية "والتصور الثانى أعده مجموعة من الخبراء السياسين البارزين الذين أطلق عليهم (
مجموعة الـ19 ) ، والتصور الثالث هو التصور الذى سربه - أو أن شئت الدقة كلف
بتسريبه جميس وبلى المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية .
وبالنسبة للتصور الأول والثانى فإنهما يعطيان
كذبا إنطباعاً بأن أمريكا تتحرك مع العرب وتعمل على تطويرهم بأسلوب غير عسكرى ،
أما التصور الثالث فإنه يجسد السمة المخابراتية العسكرية .
بالنسبة لمبادرة المشاركة من أجل التنمية
والديمقراطية ، فإن مدير قسم التخطيط فى وزارة الخارجية الأمريكية ، ريتشاردهاس ،
القى محاضرة أمام قسم العلاقات الخارجية حدد فيها الخطوط العامة لهذه المبادرة ،
وأشار كولين باول فى تقديمه مبادرته إلى منفذى هجمات 11 من سبتمبر 2001 التى أدت
إلى فتل الاف الأمريكيين قد نشأوا وتطرفوا فى العالم العربى ، وأن الوضع يقتضى أن تقترب
الولايات المتحدة من العالم العربى لتحقيق الإصلاحات التى تمنع ظهور المتطرفية عن
طريق العمل مع الحكومات والشعوب العربية لتحقيق هذا الهدف و شملت المبادرة الجديدة للسيد باول
بنوداً عديدة للدعوة والعمل على تحسين حياة النساء والأطفال فى العالم العربى ،وصولاً
إلى الإصلاح السياسي و الإقتصادى والمالى ، وتم تكليف نائب وزير الخارجية المريكية
ريتشارد أرمتياج بمهمة تنسيق مشروعات المبادرة ، وقال باول فى حديث صحفى ، أن هدف
المبادرة هو مساعدة الحكومات والشعوب العربية على تحقيق الإصلاحات السياسية
والإقتصادية والإجتماعية ، دون فرض لشكل تلك الإصلاحات أو سرعة تطبيقها ، وذكرت
مصادر دبلوماسية أمريكية تعليقاً على المبادرة أنها ستكون بمثابة منتدى يضم
الولايات المتحدة والحكومات والشعوب العربية ، من خلال المنظمات غير الحكومية ،
وفق رؤية أمريكية ترى أهمية العمل على تقوية الروابط الإقتصادية والثقافية بين
الطرفين .
أن " ظاهر " مبادرة وزير الخارجية
الأمريكى غير "باطنها " فهى تتحدث عن إصلاحات سياسية اقتصادية واجتماعية
دون فرض لشكل تلك الإصلاحات أو سرعة تطبيقها ، وهذا قول كان من الممكن أن يكون
مقبولاً فى إطار تبادل الخبرات والمنافع والمشاورات بين الدول والمجتمعات وبعضها
البعض ، إلا أن مبادرة وزير خارجية أمريكا ليست من هذا النوع لثلاثة
أسباب : الأول : أن كولين باول أشار فى
تقديمه لمبادرته إلى منفذى هجمات ا1 من سبتمبر 2001 ، والثانى : أنها متزامنة مع
الحشد المكثف والتهيئة المستمرة وإختلاق الزرائع لإحتلال وتدمير العراق وتفكيك
الوحدة القومية للعرب ، والثالث : أن باول قال أن المبادرة ستكون بمثابة منتدى يضم
أمريكا والحكومات والشعوب العربية من خلال المنظمات غير الحكومية ،كما أن باول
إختار مؤسسة "هيرتج " لكى يطرح أمامها مبادرته وهى مؤسسة صهيونية تعمل
ضد العرب والمسلمين ، الواضح أن أمريكيا ومؤسساتها الصهيونية تحاول شراء ذمم
المنظمات غير الحكومية فى الوطن العربى تحت دعاوى الديمقراطية ، وهذا يماثل بالضبط
قيام أمريكا بإرسال عشرات من الفرق التى تضم قوات خاصة ومتخصصة فى الإستخبارات إلى
داخل العراق وزودتها بملايين الدولارات فى شكل أموال سائلة لإغراء القبائل
بالإبتعاد عن الرئيس صدام حسين ، وقالت صحيفة اوبزوفر البريطانية أن هذه الحملة
السرية التى تستند إلى أساليب استخدمت بنجاح فى أفغانستان فى العام الماضى بدأت
قبل عدة أسابيع وهى بمثابة جزء مهم من الإستراتيجية العسكرية والسياسية التى
تتبعها امريكا وحليفتها الوثيقة بريطانيا لتجريد صدام من أسلحة الدمار الشامل
وتغيير نظام الحكم فى بغداد .
هكذا يتضح أن مبادرة كولين باول الديمقراطية
غير ديمقراطية ، بل هى مبادرة تخريبية قائمة على رشوة المنظمات غير الحكومية فى
المجتمعات العربية ، بهدف ربطها بالإستراتيجية الأمريكية لتفويض الينيان القومى
العربى ، وربط الأنسان العربى بالنموذج الأمريكى الصهيونى وخلق من جذوره الحضارية
العربية الإسلامية ن وهذا ما قصدناه عندما قلنا أن ظاهر المبادرة غير باطنها .
وبالنسبة للتصور الثانى : تصور مجموعة الـ 19
من الخبراء السياسين حول ما اسموه "مفهوم الجوانب النفسية " للإرهاب
الإسلامى ، والذى رفعت بشأنه تقريراً إلى جهاز الأمن القومى الأمريكى ن الذى قام
بدوره برفعه إلى الرئيس الأمريكى بوش الذى وافق عليه على الفور .
وقد أكدت الدراسة ، التى إنصبت فى الأساس على
العلاقة بين مناهج تعليم الدين واللغة العربية والعلوم الإجتماعية وبين الظاهرة
الإهاربية - أكدت الدراسة - على أربعة مسائل : الأولى : أن الإنطباع السائد عند
العرب هو أن العلاقة الخاصة وانحياز أمريكا الكامل لإسرائيل فى صراعها مع العرب ،
هو الذى أفرز وشكل البذرة الأولى للإفعال الإرهابية العربية الإسلامية ضد أمريكا ،
الثانية : ترى الدراسة أنه بات من الضروى الآن إيجاد صيغه ملزمة للتعاون بين الدول
العربية وأمريكا لتغيير مناهج التعليم والسياسة الإعلامية والقبول بأدوار مشتركة
بين الطرفين ، الثالثة : وترى الدراسة أن الأهم فى إطار ذلك يتمثل فى تغيير
المناهج التعليمية التى تحض على كراهية اليهود والعالم العربى ، خاصة وأن هذه
المناهج تدعوا إلى القيام بأفعال إرهابية ، من خلال تدريس مفهوم الجهاد ، الرابعة
: وترى الدراسة أن التأثير الأكبر فى الدول العربية والإسلامية ينبع من مصر
والسعودية تحديداً ، فى حين أن أدوار الدول العربية والإسلامية الأخرى هامشية
وفرعية .
وترى الدارسة أن الحل يكمن فى تغيير مناهج
التعليم فى الدين واللغة العربية والتاريخ بحيث يتم تفريغ الإنسان العربى من
محتواه الحضارى الجهادى المقاوم للإغتصاب والظلم والطيغان ، وبالنسبة للدين ، يتم
التعديل فى المرحلة الابتدائية بحيث يتم تغيير محتوى المادة الدينية ليطلق عليها
" الثقافة الدينية " والهدف منها هو إعطاء صورة إيجابية عن الفضائل
الأساسية للديانات اليهودية والمسيحية والإسلام ،وفى المرحلة الإعدادية ، فإن
مناهج التربية الدينية سيطلق عليها " حوار وتفاهم الحضارات فى العالم ،
وسيكون التركيز فيها على أن حضارات العالم هى صاحبه رؤية مشتركة بناء الأنسان وأنه
لابد من التزام بالإضافات القائمة فى كل حضارات العالم ، أما عن المرحلة الثانوية
، ففيها سيتم تدريس موضوعات دينية خاصة باصحاب كل ديانة فى إطار الضوابط التى
وضعتها الدارسة لتدريس مادة الدين فى هذه المرحلة ، وفى الصف الثانى يدرس الطلاب
بعض القصص التاريخية عن الأنبياء ،وفى الصف الثالث تكون هناك نظرة فاحصة وإعادة
تقييم عقلانية لبعض الأخطاء الدينية .. الخ .
هذا عن مادة الدين ، أما عن مادة المطالعة ،
فتقول الدراسة أنه يجب إبعاده مادة المطالعة عن تاريخ الإسلام والعرب ، وبدلاً من
ذلك يجب أن تنصب على موضوعات عن حب البلد والوطن ولكنه بالشكل الجمالى الذى يرسم
الطبيعة العامة للبلاد العربية والإسلامية .
وبالنسبة لمنهج مادة التاريخ فيجب أن يتغير
من تدريس الفتوحات ومقاومة الغزاه إلى تدريس تاريخ الثورات العلمية فى العالم ،
وكيف إنتقل تطور الإنسان من مرحلة إلى إخرى ، والعادات والتقاليد التى كانت سائدة
فى المراحل الأولى لحياة الإنسان ومدى تطور هذه العادات والتقاليد ، ويجب ترسيخ
مفاهيم الحضارة الغريبة ودورها الرائد لدى الشعوب العربية والإسلامية ، وهذه
المفاهيم الجديدة يجب أن إلى المدرسين والرواد تمتد المسئولية عن التعليم ، بحيث
يجرى إستقطابهم وحل مشاكلهم ، وإتاحة الفرصة أمام بعضهم لزيارة أمريكا حتى يمكن
محو أثار العداء النفسى لهم تجاه السياسة الأمريكية .
أما عن المرحلة الجامعية فإن المناهج الدينية
لا وجود لها فى هذه المرحلة ، مع ضرورة
أن نتشكل مجموعات طلابية للتعاون مع مجموعات طلابية من دول العالم الأخرى
وفى المقدمه منها أمريكا ، حيث سيطلق على هذا البرنامج " برنامج التعاون
الجامعى ".
هكذا ، فكما مبادره كولين باول غير ديمقراطية
وتخريبية ، و كذلك دراسة مجموعة الـ 19 " فهى الأخرى تستهدف تخريب الإنسان
العربى ، وتفويض النبيان القومى العربى بتميزه الحضارى " وتسويق المفاهيم
الغربية الصهيونية باعتبارها مثل عليا يجب أن نحتذيها ، وكذلك رشوة الطلاب
والمدرسين والرواد المسئولين عن العملية التعليمية ، بإختصار أن هذا التصور يستهدف
تحويل الإنسان العربى إلى مخ وظل للحضارة الغربية والمفاهيم الصهيونية .
وأخشى ما أخشاه ، أن تكون الحملة الضخمة
والهوجة الإعلامية المكثفة حول تحديث وتغيير مناهج التعليم ، وتحديث الخطاب الدينى ، وحقوق المرأة ، وتفعيل
المنظمات والجمعيات الأهلية غير الحكومية - أخشى ما تخشاه ولا أتمناه أن تكون هذه
الحملات والهجمات الإعلامية إنعكاس وإمتداد لتصور مجموعة الـ19 الأمريكية
الصهيونية ، خاصة وأن تصورهذه المجموعة قد أكد على التأثير الأكبر فى الدول
العربية والإسلامية ينبع من مصر .
اما بالنسبة للتصور الإستراتيجي الثالث : فإن
هذا التصور هو موضوع للتصريحات التى أدلى بها جيمس ولسى المدير الأسبق للمخابرات
الأمريكية الـ "س - أى - أيه " فى المحاضرة التى القاها فى جامعة اكسفورد
البريطانية التى جاءت بدعوة من إتحاد طلبتها فى النصف الأول من شهر نوفمبر 2002 ،
وأهم ما جاء فى هذه التصريحات ، هو التحذير من الأبطاء فى أزاحة صدام حسين عن
السلطة وإقامة نموذج ديمقراطى يحتذى به داخل العراق ، ومن العراق سينطلق البرنامج
الأشمل والأعم فى المنطقة العربية ، حماية حقوق الإنسان العربى " وبعد "
برنامج تنمية الإنسان العربى " وبليه البرنامج الثالث " عصر العلم
للمنطقة العربية " ثم برنامج " الوعى والمشاركة السياسية العربية "
وأخيراً " التكنولوجيا والعصر للأنسان العربى " .
وتقول الخطة ، موضع تصريحات ولسى ، أن تغيير
النظام العراقى وحده لن يكون كافياً للسيطرة والتحكم الأمريكى فى قرارات الشرق
الأوسط ، فأمريكا تعانى أيضاً من نظامى الحكم المصرى والسعودى وذلك على الرغم من
روابط العلاقات الإستراتيجية بين الدولتين وأمريكا ، خاصة وأن الخطة تنص على أن
الهدف هو تغيير الخريطة السياسية العربية بخريطة جديدة تكون خاضعة للهيمنة
الأمريكية الصهيونية ، ويتحقق هذا الهدف بالمزج بين أسلوبى الغزو المباشر وغير
المباشر .
بالإضافة إلى هذه التصورات الإستراتيجية
الثلاثة ، هناك تصورات إستراتيجية أخرى تطرحها الإدارة الأمريكية للتعامل مع العرب
، وهى كلها تصورات تتنوع فى الأساليب ولكنها تتفق فى الهدف ، ومن هذه التصورات
الإستراتيجية وأبرزها هو ما كشف عنه بيل كارتر المتحدث بإسم مكتب التحقيقات
الفيدرالى الأمريكى فى 19/12/2002 من أن الرئيس الأمريكى بوش أعطا إذنا خطياً
لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، بقتل الأشخاص المعارضين للسياسية الخارجية
الأمريكية خارج أمريكا وبالذات فى المنطقة العربية ، ، لقد رخص بوش للمخابرات
الأمريكية وعملائها بقتل المعارضين لأمريكا فى أى مكان من العالم وبدون الأخذ فى
الإعتبار سيادة الدول المختلفة .
قلنا ونؤكد، أن هذا الإغراق الإستراتيجى
الهدف منه تشتيت الذهن العربى الجمعى على المستويين الرسمى والشعبى ، بحيث يحل
بالجسد العربى مزيد من الوهن والضعف فيسهل تحقيق الهدف الأمريكى الصهيونى المتمثل
فى هدم البنيان الأجتماعى والسياسى العربى وإحلالة بمجموعة من الأبنية الإثنية
المتصارعة والخاضعة للهيمنة الأمريكية الصهيونية .
والحقيقة أن ما أرادته أمريكا " غموضاً
" حول تحركاتها تحقق " وضوحاً " كاشفاً لتحركاتها وتصرافاتها فى
منطقتنا العربية ، لأن الإغراق الاستراتيجى الذى كان الهدف منه التمويه على النية
الحقيقة العدوانية لأمريكا تجاهنا ، تحول إلى كاشف قوى لحقيقة الهدف الأمريكى
الصهيونى ، بسبب ما حققه من تركيز معمق على هذا الهدف .
إلا أنه على الرغم من وضوح الهدف وعنف
التوجهات الأمريكية الصهيونية العدوانية علينا إلا أن أوضاعنا ما زالت أوضاعاً
عادية ، إننا نعيش حالة الحرب وأضاعنا كلها على المستويين الرسمى والشعبى فى حالة
إسترخاء تام ، وذلك على الرغم من حالة الغليان الشعبى العربى ، مقلى مستوى
الحكومات العربية ، وبالذات فى منطقة الخليج ، ما زالت تستقبل تدفق القوات
الأمريكية والحليفة لها إستعداد لعملية الغزو ، وما زال الحكام العرب كلهم متمرين
عند نقطة " أننا لن نسمح بأن تستخدم أراضينا نقاط أنطلاق للعدوان على العراق
" وكأن العدوان على العراق ليس بداية وقاعدة للعدوان على الأمة العربية كلها
،كما أوضحنا وأوضح غيرنا من الكتاب والمحلين مئات المرات ، والأكثر مرارة هو
إنشغال بعض الحكام بخلافات فرعية تافهه ، تبدوا وكأنها ملهاه تلهينا عما هو
معد ، وعلى المستوى الشعبى ،ما زالت
الفعاليات من الأحزاب والقوى السياسية العربية تعيش حالة التحرك التقليدى المتمثل
فى عقد المؤتمرات الأبهة و المكلفة ، بعيداً عن التفعيل القوى للشارع العربى
المتناسب مع حالة الحرب المفروضة علينا ، لقد قلنا وسنكرر القول ، ان الوضع العربى
فى حاجة إلى نقله نوعية ثورية ، نقله تحقق تعبئة كل قى الأمة الرسمية والشعبية ،
المادية والبشرية لتحقيق النصر على العدو الإمبريالى الصهيونى ، أن الحرب
الأمريكية الصهيونية علينا ستتخذ اشكالاً عدة ، وأمريكا تعتبر كل الوضع العربى
معارض لها ، وبوش أقر ورخص لمخابراته قتل المعارضين العرب والمسلمين بأى طريقة وفى
أى مكان ، إنها ستكون حرب نظامية وشعبية وحرب فى الصحراء والوديان ، حرب فى
الريف والمدن ، فى المزارع والمصانع
، فى الشوارع والمنازل ، حرب سيخوضها ا الشيوخ والأطفال والنساء والشباب ، باختصار
إنها حرب كل الأمة ماعدا المنافقون والقاعدون منها ، أنها حرب كل الشعب العربى ،
إننا فى حاجة إلى ان تبدأ فوراً الدول العربية المستعدة للدفاع عن نفسها قبل
استعدادها للدفاع عن أمتها بتشكيل حلف قومى مع العراق للدفاع عن الإسلام والأمتين
العربية والإسلامية ، للدفاع عن وجود وشرف الأمة ، وعلى المستوى الشعبى ، نحن فى
حاجة فورية لتشكيل جبهه من كل الأحزاب والقوى السياسية والنقابية المستعدة لمحاربة
العدوان ، على أن تتفق هذه الجبهة مع الدول العربية المستعدة للمواجهة والدفاع على
هدف محدد لدحر العدوان ، ويكون ذلك بتشكيل لجان وطنية فى كل أرجاء الوطن العربى
لمقاومة ومحاربة العدو وضرب مصالحة فى الأمة العربية بإختصار ، إننا فى حاجة فورية إلى جبهة وطنية قومية
تضم الدول والأحزاب والقوى السياسية العربية المستعدة لخوض غمار الحرب ضد العدوان
الأمريكى الصهيونى على الأمة وفى كل شبر من الأرض العربية .
----------------------