مذكرات مجدى حسين فى السجن فى قضية يوسف والى

الحلقة 17

 

أصبحت مشغولا بسفاسف الأمور .. وهذا هو السجن !

 

السبت 22/4/2000

الساعة10 مساء

 

بالنسبة لى كان اليوم من الأيام المحورية فى حياة المسجون .. فقد كانت أول زيارة لأسرتى و هذه عادة ما تكون علامة فارقة .. بين فترة الاضطراب الأولى .. و بين فترة الانتظام و الترتيب .. ترتيب الأمور المعيشية و تنظيم المشاعر على حياة الأسر.

و رغم انه من الطبيعى أن يكون يوما سعيدا بالنسبة لى .. إلا ان المقادير شاءت أن يكون عاصفا ..

فقد استيقظت اليوم صباحا و فكرة تستولى علىّ .. و هى ان تأخر الزيارة أكثر من ذلك هو تعنت جديد من وزارة الداخلية .. و ان هذا مظهر جديد من مظاهر خرق القانون و اللوائح الذى ابتلينا به فى هذه القضية المنكودة .

و قلت لنفسى : يجب أن أفرق بين استهانتى بالسجن و اصرارى على ألا يكون لى مطالب خاصة .. و الازدراء بأى محاولة للتنكيل أو المضايقة .. يجب أن أفرق بين كل هذا و بين أى خرق واضح للقانون أو اللوائح فى التعامل معنا . فرغم ان القانون قد انتهك عرضه فى هذه القضية و فى طول البلاد و عرضها .. إلا اننا لا نمل - و هذا جزء من موقفنا المبدئى - من الدفاع عن فكرة القانون .. و القانون فكرة عظيمة .. و هو أبرع "ما اخترعته" البشرية .. و يعنى فى أبسط معانيه ان تكون هناك قاعدة تنطبق على كل الناس بلا استثناء .. و هنا عمق و أساس فكرة العدالة . و هذا فى الأصل قانون الله على الأرض و فى السماء ..

و فى بلادنا انتهكت فكرة المسجون السياسى و لا تعرف وزارة الداخلية كيف تتعامل مع المسجون السياسى ، فأنا و صاحبى السجن حالة فريدة ، نحن قيادات و أعضاء حزب شرعى ينكل بهم ، و هذا أمر لا شبيه له فى السجون المصرية ، فأنا حالة فريدة مع من يأتى معى من زملاء جريدة الشعب منذ عام 1998 حتى الآن .. طبعا هناك مايزال فى الأسر عشرات من أعضاء حزب العمل .. و لكن الداخلية تتدعى انهم ليسوا أعضاء حقيقيين .. و انهم ينتمون للجماعات الاسلامية !!

أما بالنسبة لى فان الداخلية لا تستطيع ان تزعم اننى لست عضوا قياديا بحزب شرعى ، و كذلك صلاح بديوى (عضو اللجنة التنفيذية) و عصام حنفى الذى أسعدنى انضمامه للسجن بريشته و قلبه الصافى .

المهم ان غياب اعتقال و سجن أعضاء و قيادات الأحزاب الشرعية الأخرى على مدار السنوات الماضية يجعل الداخلية ترتبك فى كيفية التعامل معنا .. و هى تصنفنا باعتبارنا جنائيين دخلوا السجن فى جريمة (سب و قذف) ، و من الطبيعى فى مثل هذه الظروف أن يلقوا بنا فى سجن القطا الجديد أو غيره من السجون التى لم تر بعد شكل السياسيين !

و عادة ما يتم هذا الاستهبال فى بداية فترة الحبس ، و رغم ما فى هذا الموقف (الخلط بيننا و بين الجنائيين) من صفاقة ، و علامة على تردى أوضاع مصر الحضارية ، إلا اننى أستوعبه سريعا و أقرر الجهاد لتحسين شروط سجننا كجنائيين .. فنحن - مع التعنت معنا - تصبح حقوقنا منقوصة أكثر من الجنائيين ..

فزياراتنا مضيق عليها أكثر من الجنائيين ، و نتعرض للتفتيش أكثر من الجنائيين .. الخ الخ

و سرعان ما تستهوينى فكرة الالتحام بهذا القطاع الشعبى ( الجنائيين) فنحن جزء منهم و هم جزء منا .. و كلنا ننتمى الى هذا الوطن .. و كثير من هؤلاء "الجنائيين" أشرف من كثير من حكامنا و ممن أصدروا تعليمات بحبسنا .. و ليس فى ذلك أى كلام عاطفى .. فالجنائى واحد من ثلاثة : (1) مظلوم  .       (2) أخطأ و تاب  

(3) مُصر على الإجرام . و كثير من الجنائيين من القسم الأول و الثانى ، أما القسم الثالث فهم ليسوا أسوأ من حكام البلاد . بل ان حكام البلاد يرتكبون ما هو أشنع و أعم و أخطر من الجرائم ، إلا انهم يظهرون فى التلفزيون فى ملابس أنيقة .. و يتحدثون عن الطهارة و العدل و الديموقراطية و الوطنية !

و لذلك فاننى أبدأ كفاحى فى السجن بالمطالبة بمساوتنا بالجنائيين و الارتفاع بمستوانا جميعا نحو الأفضل ، و ليس هناك أروع و لا أجمل من ان تكون جزءا من المجموع ،ترتفع معه و تهبط معه بتضامن و تلاحم أكيد .. و أكثر الأمور التى تسعدنى ان مطالبتنا بتحسين أوضاع المياه فى سجن مزرعة طره فى الحبسة الماضية ، هى التى أصلحت الأمر و حققت الحد الأدنى من حقوق الانسان (حق الحصول على الماء ) فى هذا السجن .

و فى هذا الصباح قلت لنفسى ان من حق المسجون الجنائى ان يزوره أهله فور حبسه و تسمى هذه (زيارة الترحيلة ) .. و هى فكرة لها مغزى فالمسجون فى بداية حبسه يكون مخطوفا من الناحية النفسية ، و يكون فى حاجة لترتيب شئونه و استكمال احتياجاته .. فلماذا أصمت على هذا الحق ؟ و لماذا يعود مسئول العنبر بخفى حنين كلما ذهب للسؤال على هذا الأمر ؟

اذن فقد آن الأوان لخوض إحدى معاركى (الهايفة) داخل السجون .. سأصر على حقى فى زيارة الترحيلة .. و على إرسال برقية للأهل توضح مكان وجودى .. و تطلب منهم المجيئ فورا !! ( و هذه بالمناسبة من الحقوق المكفولة للمسجون الجنائى ! ) .. بمجرد اتخاذى لهذا القرار وجدت دماء الغضب تتجمع فى شرايينى .. و كأننى سأخوض معركة تحرير القدس !

فى البداية سألت عن مسئول العنبر (المسير : و هو التعبير الذى يطلق على أقدم مسئول يتولى تنظيم العلاقة بين المساجين و ادارة السجن فى كل عنبر ) فلم أجده .. فهو يواصل التهرب منى طوال الأيام الماضية بسبب هذا الموضوع ..

طبعا كان من الممكن أن أذهب للمأمور رأسا ( و هو انسان دمث الخلق و لم أر منه مكروها ) و لكن باعتبار اننى أتقمص دور الجنائى فكيف أذهب للمأمور رأسا ، و كيف أتعامل مع الضباط مباشرة ؟!

و هذا ما حرمته على نفسى منذ بداية هذه الحبسة .. و قبل أن أصعد ثورتى تشاورت مع عدد من المساجين الخبراء و أكدوا لى حقى فى زيارة الترحيلة ، ثم سرت فى طريقى وفقا للتراتب الهرمى لجهاز القمع البوليسى .. و توجهت للصول مفتاح و شرحت له مشكلتى و تعاطف معى و قال انه سينقل رأيىّ للضباط .. و طلب منى أن أقف على باب العنبر و لا أدع أى مسجون يخرج منه و فجأة شعرت بسعادة غامرة فها آنذا سأصبح (مسير) و سأقف على باب العنبر لاذلال المساجين هذا يخرج و هذا لا يخرج ، و قد كنت حازما فلم أسمح لأحد بالخروج إلا لمسجون واحد يعمل فى المطبخ و يلبس مريلة و قلت له : اننى لن أسمح له بالخروج مرة أخرى لانه يجب أن يضع على صدره بطاقة توضح انه من العاملين بالمطبخ فالمريلة ليست اثباتا كافيا ، و قد تكون وسيلة منه للتهرب من العنبر .. و ضحك الفتى و أدرك أننى أمزح معه .

و لكن ما هى الا دقيقة و عاد الصول مفتاح ليحرمنى من هذه المتعة ، و معه الرائد مصطفى و هو ضابط دمث الخلق ( و يبدو ان هذه سمة معظم أو كل ضباط هذا السجن  ) و هو الذى استقبلنا و أحسن وفادتنا .. و رغم ضعفى إزاء هذا النوع من الأشخاص .. إلا اننى تحدثت معه عن مشكلتنا بعصبية شديدة.. و قلت له اذا لم تحل هذه المشكلة فورا أو يُسمح لنا بارسال برقية لأهلنا .. فاننى سأنفجر بكل ما أملكه من أسلحة الضعفاء . و وعدنى الرجل بالحل السريع للأمر .. و اتجه لفوره الى ادارة السجن .. و وقفت بين المساجين ألعن وزارة الداخلية و اليوم الذى ولدت فيه .. و دخلت زنزانتى لتطوير هجوم الضعفاء .. و بدأت أكتب مذكرة احتجاج للمأمور فكتبت :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد المحترم / مأمور سجن مزرعة طره العمومى :

تحية طيبة و بعد :

فى اطار استمرار المعاملة غير القانونية معنا نحن (صحفيو الشعب ) امتثالا لأوامر عليا لا ندرى ما مصدرها فان الزيارة لاتزال ممنوعة علينا و يحال بين أسرنا و بين زيارتنا منذ 8/4/2000 .. ]

و عند هذه الكلمة .. دخل علىّ الرائد / مصطفى و قال لى : أسرتك جاءت لزيارتك الآن !! و نحن لا يمكن أن نحول بينهم و بينك و لكنهم لم يأتوا سوى اليوم . فقلت له سأسألهم و أنا لا أريد أن أتجنى على أحد .. و أعلم أنكم غير مسئولين فى السجن عن أى توجيهات عليا فد تصلكم .

و هكذا ذهبت لملاقاة زوجتى و ابنى هشام و أنا فى حالة لا توصف من الكدر و سلمت عليهم و على هدى و هيام زوجتى صلاح و عصام بمنتهى الفتور و كأننى قادم من غرفة تعذيب .. و حقيقة أنا آسف جدا لهذا اللقاء الفاتر و ما حيلتى و قد جاءوا و أنا فى ذروة الغضب ، و لم أهدأ إلا بعد ربع ساعة .. و لم يسعدنى أكثر من معرفتى بانتظام هشام و أحمد فى الصلاة .. و أنا آسف على هذا الاستقبال الفاتر لزوجتى .. التى قامت خلال الأسابيع الماضية بدور بطولى و هى تستحق منى كل التكريم ، و تضاعف حبى لها ، و لكن هذا هو حظها معى !!

تبادلنا الأخبار .. و قلت لها اقتراحاتى الخاصة بالعمل الحزبى التى لن تنفذ !! و ثبت ان لثورتى محلا من الاعراب .. فقد جاءت لعصام حنفى زيارة عائلية فى اليوم التالى لترحيلنا الى سجن القطا الجديد .. و لكن الزيارة مُنعت بغير حق . و مُنع دخول الأكل .. و ان كان الأكل لا يعنينى، و انما يعنينى منع الزيارة لانه حق أصغر و أقل مسجون جنائى .. كذلك فان الدور السلبى لمباحث سجن مزرعة طره .. أنها أصرت على تضليلى و عدم الرد على طلبى الودى الشفوى (من خلال المسير) فيما يخص حقى فى زيارة الترحيلة . بينما دور ادارة السجن ان تبصر المسجون بحقوقه كما تأخذ هى حقوقها ..

أما زيارتهم فقد جرت لان زوجتى و قد أعيتها الحيل فى الحصول على تصريح من النيابة ، تذكرت انه فى الحبسة الماضية جاءت لزيارتى و منعت من الدخول و قالوا لها تعالى بعد 21 يوما .. و لم يقولوا لها شيئا عن زيارة الترحيلة ، و أنا لم أكن أعرف هذا الحق فى الحبسة الماضية .. أما الآن فأنا مسجون "قرارى" أعرف حقوقى جيدا !!

و هكذا كما ترون فأنا مشغول بسفاسف الأمور .. وهذا هو السجن !