فلسطين .. ليست حياً زنجياً!

 

بقلم: رشاد أبوداود 

واضح ان الرئيس الاميركي يتعامل مع فلسطين وشعبها كما لو كانت حياً زنجياً في نيويورك أو هيوستن أو محطة قطارات تحت الارض تؤوي مشردين.. جياعا. تنتهي مشكلتهم بتوفير فرص عمل ومساعدات مالية. واعادة تأهيل من نوع خاص!

ومرة اخرى يصر الرئيس بوش على التشخيص الخطأ لحالة الشرق الاوسط. لا يسمع ولا يقرأ الا لليمين الاسرائيلي المتطرف، ولذلك جاء خطابه الاخير كما لو انه كتب له بالعبرية ففاض أمنا لاسرائيل وتعاطفا مع الشعب الذي »لم يعد يأمن الركوب في الباصات والذهاب الى المدارس والتمتع بالتسوق«!

لقد بدأ بوش خطابه بتدخل سافر في الشؤون الفلسطينية بدعوة الشعب الفلسطيني الى اختيار قيادة جديدة بديلة للقيادة الحالية التي هاجمها بعبارات فجّة لا علاقة لها بالدبلوماسية متهما اياها بالفساد وتشجيع ما يسميه بالارهاب. ولم يسلم المجلس التشريعي الفلسطيني »البرلمان« المنتخب شرعيا وبرقابة دولية من هذه الاتهامات. وبدعوى الديمقراطية كاد بوش ان يحدد للشعب الفلسطيني من ينتخب بالاسم وكيف ينفذ الاصلاحات التي يريدها بنداً بنداً، في حين لم يتطرق للممارسات »الديقمراطية!« الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية.

اللافت ان الرئيس الاميركي وضع اقصاء القيادة الحالية كشرط اساسي لكل ما طرحه في خطابه، ما يعني ان كل الافكار اللاحقة لا قيمة لها: دعوة اسرائيل للانسحاب والافراج عن الايرادات الفلسطينية ومدة الثلاث سنوات لاقامة دولة فلسطينية مؤقتة، ذكره للقرارين 242 و338 اللذين نسفهما بعبارة »حدود آمنة«... الخ.

نكاد نجزم ان علاقة سيد البيت الابيض بتاريخ القضية الفلسطينية بدأت بعد فوزه الضعيف بالرئاسة وانه ينظر اليها من المنظار الاسرائيلي المعلق فوق اطلال البرجين التوأمين منذ 11 ايلول. لذلك تراه يتعامل مع الوضع القائم الآن في الاراضي الفلسطينية باعتباره الاساس لا الاستثناء. فوجود القوات الاسرائيلية ضروري للقضاء على »الارهابيين الفلسطينيين« وقيادتهم. ويبدو ان ثمة من علّم درس الشرق الاوسط للرئيس بوش على اعتبار ان فلسطين جزء من اسرائيل وليست اسرائيل جزءا مزوّرا من فلسطين.. وان الشعب الفلسطيني »أقلية« تسعى للانفصال والتمرد على »الوطن الام«. لكأن المستعمرات هي ابنة التاريخ ومهد الديانات والمدن الفلسطينية طرأت على المشهد في غفلة من الزمن.

ان ما هو قادم اخطر من الرؤية المشوهة التي طرحها الرئيس الاميركي. ذاك القادم الذي بعضه في ادراج صقور ادارته وبعضه الآخر في حساباته لرئاسة ثانية.. نعني طبعا اثبات الولاء للصوت اليهودي في الانتخابات.

لقد عقّد بوش الازمة اكثر مما قدم حلولا لها. ولطالما حذّر قادة ومسؤولون عرب من الخطر القادم اذا لم يحل الصراع حلا عادلا وشاملا وجذريا. خطاب بوش لم يمس جذر القضية بل اكتفى بالاغصان الاسرائيلية التي شوهت الشجرة كلها. لقد اعطى شارون مزيدا من الوقت لمزيد من التشويه في الحقائق وتمادى في تجاهل النداءات والمصالح العربية ونحّى جانبا مبادرة السلام العربية وكأن العرب مطلوب منهم ان يقيموا علاقات مع اسرائيل فقط ويخضعوا لهمجية شارون.

والسؤال الذي يطرح نفسه الان: ماذا لو انتخب الفلسطينيون مجددا عرفات والقيادة الحالية؟ نتذكر في هذا السياق حكاية السائق الاهوج الذي كاد يطيح بالركاب. وعندما اشتكوا اوقف الحافلة وابرز عضلاته قائلا: هل تقولون انني لا اجيد السواقة؟! خافوا.. فقالوا: ابدا.. يبدو اننا نحن الذين لا نتقن الركوب.

ربما.. ربما يأتي يوم يقرر فيه بوش ان الفلسطينيين شعب لا يتقن الحياة ولا مبرر لوجوده!!