معــادلة التوحـيد والوحــدة

 

بقلم: هاني فحص 

في سورة الضحى يرتب القرآن الكريم بعض العلامات الفارقة للرسول <<ص>> على النحو التالي: <<ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى>>.. إذن فهناك احتمال ان يرتفع به ومعه الوضيع ويتضع الرفيع. ومن صور هذه المقابلة، ان الصحابي عبد الله بن مسعود، اعتلى صدر أبي جهل عم الرسول في بدر ليحز رقبته اثناء المعركة، فكابر ابو جهل مشهد هذا الانقلاب وقال: <<لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم>> وكان المعيار قد تحدد نهائيا وعلى درجة من المرونة، لا الرخاوة، في الآية الكريمة <<وأنذر عشيرتك الاقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين>> ولعله مفارقة جميلة ان يخفض المتبوع جناحه للتابع، اي ان النبوة او القيادة او الامامة او المرجعية ليست امتيازاً.

مع محمد <<ص>> كان عالم ينهض وعالم ينهار، ومعايير تتوارى وأخرى تتقدم: <<هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم>> وعاد الاعرابي مندهشا الى اهله في البادية يحثهم على الاسراع في لقاء الرسول والاسلام وقال لهم <<والله لقد وجدت محمدا يعطي إعطاء من لا يخشى الفقر>> إذن فقد عراه اليقين، خاصة بعدما اضطر لأن يسأل الجمع حول الرسول: أيكم محمد؟ لأنه لم يجد له مميزا في مظهره او مجلسه.. ما أتاح لبعض الصحابة ان يقول: <<كان فينا كأحدنا>> ويقول المؤرخون: <<كان رسول الله <<ص>> يمشي في الطرقات حاسرا حافيا من دون حارس، على كثرة اعدائه، وكان يركب الحمار العاري، دون إكاف، ويُردف خلفه، وكان يقوم بوظيفة أهله، ويقطع اللحم معهن، ويقول: <<خيركم خيركم لأهله، وشركم شركم لأهله>> إنه يربط ربطا موضوعيا او سببيا بين الشأن الخاص والشأن العام، ولعله من نبل هذه اللغة العربية انها جعلت الزوجة ابرز معاني الأهل.. وهنا لنا جملة اعتراضية: أين نحن الآن، ومن قبل، ومن قبلِ القبل، من مشروع الرسول والرسالة في إتاحة الفرصة، الحق، للمرأة لتحقيق ذاتها؟ ألم نقطع الطريق على هذا المشروع بالجاهلية القديمة... والحديثة؟ وعندما نقول المرأة، نقول مجمل نظام القيم والأفكار، وإذا ما كان مطلوباً أو مقبولا علميا تفكيك النص، فإن تفكيك النهج أمر غير منهجي... هذا وعلماؤنا يضعون التوحيد في رأس أصولنا، وهو كأي فكرة او عقيدة اساس في بنيان عقدي، لا يقتصر على المستوى النظري، بل يتجلى في المشهد العلائقي والمسلك الفردي والجماعي، من هنا لا بد من التماس تجلياته في الاجتماع العام ومسلكيته، عدلا او جورا، ولعله من هنا يجعل بعض علمائنا العدل ثانياً للتوحيد في ترتيب الأصول ويقولون: وبه يتم التوحيد، بينما يكتفي آخرون بذكر التوحيد ويعتبرون العدل من مقتضياته ولوازمه، اي ان لا توحيد من دون عدل، إذن فالتجزئة جور وشرك، صراحا تواحا او مضمرا... واذن فما الوحدة؟

الوحدة هي الكون معاً في المساحة المحررة والمشتركة بين أطراف المتعدد المختلف.. هي تحقق نصاب الواحد في المتعدد وتحقق نصاب المتعدد في الواحد، على اساس ان الاختلاف قانون كوني وأن التماثل والتطابق موت او عدم، وأن البعد الواحد سكون مطلق، وأن الحوار الدائم بين الذات والذات، والذات والآخر هو شرط معرفي للذات والآخر وشرط وجودي. اذن فالعدل، او المساواة على اساس العدل، هو المتمم للوحدة والحافظ لها... منحازاً الى العدل بقول الرسول <<ص>> لمن بادره بالقول: <<إعدل يا محمد>> و<<يحك إن لم أعدل فمن يعدل؟>> بما يعني العدل من رعاية وعناية بالاكثرية موضع وموضوع الجور، جعل الرسول <<ص>> الفقراء والمحرومين من المعنى والمادة، عماد جماعته الاولى من دون حصر أو حصار.

وأبقى باب الجماعة مفتوحاً حتى لذوي المال والجاه والنعمة، شرط ان يكونوا مالكين لأموالهم لا مملوكين لها، واتسعت الجماعة الاسلامية الاولى لتصبح منطلقا رساليا للأمة، بكل اطيافها ومشاربها ومناشئها وحساسياتها، بحيث أمكن للمتغير الاجتماعي والعلمي والجهادي، ان ينهض الى مستوى الشرط الاجتماعي والسياسي، من هنا نهض العبيد والفقراء والغرباء من عمار بن ياسر الى صهيب الروحي الى بلال الحبشي وسلمان الفارسي، إلى زيد بن حارثة الى ابي ذر الى عبد الله بن رواحة الخ جنبا الى جنب وكتفا الى كتف، مع علي والعباس بن عبد المطلب وأبي بكر وعمر وعثمان وحمزة وجعفر الخ... وتبلورت كتلة تاريخية شكلت حاملا ورافعة للمشروع الحضاري الاسلامي التوحيدي التعددي الوحدوي. على اساس ان المتحولات العظمى في تاريخ الأمم، إنما تبنى وتقوم على هذا التمثيل الواسع للحيويات المختلفة، لا على الطبقة او الفئة او الطائفة الواحدة، او الحزب او المذهب او الزعيم الواحد او الأوحد، وعلى أطروحة مركّبة ومثال ممكن، لا بالاختزال او الشمولية التي لا تشمل شيئا حتى ذاتها.

من هنا نلتمس اساس المعادلة الموضوعية بين التوحيد والوحدة. حيث نقرأ أو نعاين الواحد في المتكثر والمتكثر في الواحد. <<إن في خلق السموات والارض، واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا، وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والارض، ربنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك فقنا عذاب النار>>.. اذن ضمن الكثرة، اي التعدد، شرط الوحدة، الى الوحدة شرط التعدد، الى التوحيد والاقرار فالتسبيح، اي قراءة عظمة المدبر والتدبير في الاختلاف والمختلف، الذي ينهض في النص القرآني المتكرر والملحّ الى مصاف الدليل على عظمة الخالق وحكمته.

ويضع القرآن معيارا للتعدد، ليرقى به الى مستوى الاطروحة الحضارية الجامعة <<يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى. وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم>>. ويقرأ الراغب الأصفهاني في <<المفردات>> الآية على اساس المشترك اللفظي <<شعب>> فيقول شعبت اذا جمعت وإذا فرقت.. فإذا المنشعب من جهة الاجتماع رأيت واحدا يتفرق (يتعدد) واذا أتيته من جهة الافتراق رأيت اثنين او اكثر يجتمعان.. اذن فنصاب الوحدة محفوظ في المتعدد، ونصاب المتعدد محفوظ في الواحد او المتوحد او المتحد.. والتعارف والتثاقف هو جدل الحياة الجميل، والتقوى هي عماد نظام القيم الحافظ للذات والجماعة ومجموع الجماعات.

هذا التوحيد الصافي (قل هو الله أحد، الله الصمد) (ليس كمثله شيء) بما هو فضاء ومصدر معرفي جوّاني للوحدة، لا يقدمه القرآن فصاما او فصالا عن الانسان، اي عن المحدود الشاخص شوقة الى المطلوب. <<يا أيها الانسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه>> و<<نحن اقرب اليه من حبل الوريد>> <<إن للله عباداً إذا ارادوا اراد>> <<عبدي اطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون>>... هذا التوحيد اين نحن منه الآن؟. أنا لا أشك او أشك في عقيدة الناس، ولكني ابحث عن تجليات التوحيد فينا، ابحث عن الدليل عن توحيدنا في وحدتنا، من غير ان يدخل في وهمي ان من الممكن او المرغوب ان يفرض احد او جماعة، الوحدة فرضا على احد او جماعة. ولكن... ألسنا شتى... <<تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى>> نجتمع في الجامعة العربية وفي نهاية الاجتماع نعود كما كنا شتى.

والقدس في حصار قاس، بمبناها ومعناها التوحيدي والوحدوي، الروحي والدنيوي، والقمة الاسلامية كأنها متوازيات لا تلتقي، وتحسبنا جميعا في الشارع العربي، على ايقاع الانتفاضة ورائحة دمنا في فلسطين، وفي نهاية المظاهرة نعود شتى، <<كل حزب بما لديهم فرحون>> ولكم استقوينا، كما الآن، على بعضنا بعضا وعلى فلسطين بفلسطين، فلم نقوَ لها او بها ولم تقوَ بنا، وإلا فلماذا لم يتحول هذا المشهد التضامني الواسع الى فعل سياسي وجهادي واجتماعي؟ لماذا لم يتحول الشارع العربي والاسلامي الى رأي عام ضاغط؟ اين الأطر التنظيمية التي تحمل المشروع الى غايته المنطقية؟ فنقول وحدة، حسناً.. ماذا نقصد؟ لقد شاركنا، الا بعض النبلاء النابهين منا، في اسقاط الدولة العثمانية، اسقطها الغرب لأنها دولة الوحدة، وأسقطناها طمعا بالعدل والتقدم والمعاصرة على اساس قومي، فهل أقمنا دولتنا القومية القوية العادلة والتقدمية؟ إن دولنا القطرية او الوطنية، قد هرمت وهي ما تزال في طور التأسيس، ولعلنا الآن قادمون على مرحلة (كوما) وطنية متنقلة من قطر الى قطر، ورائحة التقسيمات الإثنية، اي قسمة المنقسم او المقسوم او المقسم، تفوح من إهاب العولمة المؤمركة.

هل بإمكاننا ان نتساءل عما اذا كان مفهوم الأمة العربية يتمتع بدلالة مطابقة؟ ام انه تعبير فرضي او افتراضي ينتمي الى ذاكرة ذاهبة في الغياب؟ وفي الأصل، هل نحن الذين انتجناه او اخترعناه او ابتدعناه من سياقنا على قياسنا ومثالنا؟ ألا نرى ان المسار منذ تكوين الدولة القطرية او الوطنية، هو تسخير القومي من أجل القطري؟ وإلا فلماذا صرفنا ثمانين بالمئة من اسلحتنا الكثيرة على حروبنا الداخلية؟ ولماذا تستقوي إسرائيل بهزالنا المتفاقم؟

إن هذه الاشكالية المرة، تدعونا الى الحذر من الوقوع في وهم اعتبار مفهوم الأمة الاسلامية مفهوما ناجزاً او متحققاً وجاهزا لأن يترتب عليه منجز تاريخي جذاب هو الوحدة الاسلامية، في حين ان الحدود الجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والفقهية والحزبية والمذهبية، تزداد استشراء ورسوخاً.

هل هذه دعوة الى الاستقالة؟ انها دعوة الى الواقعية، الى الاعتصام بالتوحيد والركون الى ان الوحدة متحققة في الاجتماع او الاجتماعات العربية والاسلامية، من دون ان يكون هناك ضرورة للمطابقة المتعسفة، على الطريقة الألمانية، بين الأمة المفترضة والدولة غير المحددة او غير المتعينة، واذا ما كانت الأمة، اي الاجتماع او الاجتماعات، التي يمكن ان تسمى امة او لا يمكن، هي الثابت، والدولة هي المتغير، فإن الدولة لم تزد في دورها وموقعها حتى الآن، على كونها ضرورة اجتماع انساني، تتغير وتتعدد بتعدده الكياني، الأصيل او المصطنع العائد الى الرسوخ او الترسخ من دون ان تلغي نصاب الوحدة فيه، (الدولة) بل يكون من شأنها ان تحفظ هذا النصاب على موجب التعدد كخاصية حياة وحيوية.

على أنه من غير المنهجي ان ننسى ان التجزئة قد جعلتنا كأقطار او اوطان، ننمو بشكل غير متكافئ او متناظر، حتى كدنا نصبح أمما في الأمة؟ وهذا لا ينفع معه استعجال وحدوي (وحدة مصر وسوريا مثلا) على جمالياته الوجدانية، بل لا بد له من علاج تنموي وثقافي وسياسي بعيد المدى والأمد، يمكن ان يكون في محطة متقدمة من محطاته مقدمة حقيقية وضرورية لوحدة ما من دون وصفات مجربة او غير مجربة.

اذن فلا مبرر الى الاستقالة من الهم والشغل القومي او الاسلامي من اجل القطري، لأن القطري بذلك يصبح اشد عرضة للخطر، كما هو الآن، ولا مبرر للاستقالة ثانية من القطري من اجل القومي والاسلامي، الذي لم يرق حتى الآن الى مستوى مشروع مدروس، وبقي عبارة عن سلة من المشاعر تتعاورها الفجوات والثقوب باستمرار. ومن هنا فإن إنجاز لبنان، مثلا، على موجبات التعدد والوحدة الوطنية والوفاق ودولة الحق والقانون والحرية والعيش المشترك، هو تأهيل للبنان من أجل الاسهام في معركة الاستقلال الفلسطيني، كما ان الاستقلال الفلسطيني المفتوح على المستقبل، هو اسهام في ترسيخ الكيان اللبناني وحمايته على طريق أداء دوره المميز في محيطه العربي والاسلامي، بكل من فيه من اهل التوحيد الابراهيمي والإيمان الكبير، وما فيه من حيويات وحساسيات وحوارات، على اساس الاعتدال والتوسط والتسوية الدائمة، وإلا فإن العصفور الوطني الذي في يدنا سوف يصبح العصفور الحادي عشر من رف العصافير العشرة، التي سوف تطير عن شجرة الأمة لتحلق وتزغرد بعيدا عن موجبات التوحيد والوحدة. <<وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا>>.

ويطلق الوسط ايضا على الخيار والعدل، يقول الزمخشري: <<وقيل للخيار وسط لأن الاطراف يتسارع اليها الخلل والاعوار، والأوساط محمية محموطة.. او عدولا، لأن الوسط عدل بين الاطراف ليس الى بعضها اقرب من بعض>> ان المكان الأثير لرسول الله <<ص>> والمكانة الحميدة لنا ان يكون وسطنا يطل علينا جميعا ونطل عليه جميعا، يرعانا جميعا ويكون اسوة لنا نراعيه جميعا.