يوم بلا حواجز

 

بقلم : ربيحة علان علان

 

اليوم تختفي تلك الصور المكررة لشبان تكدسوا قرب الحواجز العسكرية .. اليوم تختبئ صور الجرحى والمعتقلين والموقوفين فوق الحواجز .. اليوم قد لا يقول "عميد" عندما أصادفه عائدا من القسم الأول للحاجز وهو يستعد لإيصالي لنفس المكان " ابتعدي يا أختي .. وتعالي هنا بعيدا عن الدم .. كان ينزف شاب على الكرسي الخلفي" .. واليوم بامكان "صلاح" أن يريح عظامه التي خانته وهو يركض من جبل لآخر قرب الحاجز .. اليوم بإمكاني الكف عن التفكير بذلك الشاب الذي كان يسير أمامي مقتربا من خطيبته وأمها فرحا بما اشترى من جهاز لعرسه الذي يأتي بعد أيام .. يحمل ما اشترى من جهاز لعرسه على عربة صغيرة يجرها فتى بالأجرة ينقل فيها الأغراض من أول الطريق المقطوع لنهايته حيث لا يمكن لسيارة أن تتواجد هناك ؛ هنا فقط مكان للسير الإجباري .. ما زال المشهد يلاحقني ؛ فما كاد العريس يصل قرب الجنود حتى استدعاه أحدهم وبدون أي مبرر على الإطلاق أطلق الجندي الرصاصة تجاه العريس ليعود الأخير مجرورا على العربة بدل جهازه وللخلف باتجاه رام الله .. أنظر إليه كأنما كنت أرى مشهد تمثيليا .. متسمرة في مكاني لا أكاد أصدق ما أرى .. تركض أم عروسه بالاتجاه الذي جرّ إليه وهي كأنما تهذي .. وبدت لي الطريق طويلة .. أسأل نفسي : هل سيبقى من عقلها شيء عندما تصل نهاية الطريق .. آه .. ولن أرى اليوم أم شابة ترجوا الجندي أن لا يطلق الغاز لأن بين يديها رضيع .. لن أرى جارنا اليوم عائدا برجله التي كسرها الجنود .. رجله المجبرة وهو يسير يحملها رويدا رويدا من بداية الطريق الطويل لنهايته لا يملك الدراهم التي يدفعها لصاحب عربة يجره بها حتى نهاية الطريق ...

اليوم .. تختفي الصور من هناك .. لتظهر في مكان آخر .. اليوم لا حواجز عسكرية .. اليوم رام الله والبلاد كلها عسكرية مغلقة ..

اليوم تأتينا الصور مع طبق الفطور .. مع الغداء .. وفي العشاء يكونوا قد أكلوا نصفنا أو أكثر ..

اليوم الإثنين 24 / 6 / 2002م تُجتاح رام الله مرّة أخرى .. يا إلهي : ومتى كنا خارج الاجتياح ؟؟؟؟

عندما أعلنوا الاجتياح في المرّة الأولى كان كإعلان بمصادرة شراييني .. كأنما اغتصاب كل ما في الكون من طهارة .. كأنما إعلان باطلاق مخالب جرذان قذرة موبوءة في عيون أطفال رضع ..

في الاجتياح الأول اقترب الصغير مني وهزني في فراشي رافعا صوته غاضبا مستنكرا وقائلا : " أنا لا دخل لي ، أنا سأذهب للمدرسة وحتى إن كان هناك جنود أنا لن أغيب عن المدرسة .. قبل يومين بقيت في المنزل قلتم هناك جنود وقبلها كان .. أنا لن أغيب اليوم .. وليحصل ما يحصل .. أنا سأمر قرب الدبابة وأدخل للمدرسة .. أنا لا علاقة لي بالجنود" وبينما لم أرد على الصغير بأي كلمة أو إشارة وظنني لا مبالية بما يقول قال هو :" إن لم ترغبي بتحضير ملابس المدرسة أنا أختارها وألبسها بنفسي فأنا أعرف لوحدي وسأذهب لوحدي .." وبينما ظل الصغير يقدم مرافعته ودفاعه عن حقه بالذهاب إلى الصف الأول من مدرسته كنت أبتسم وأتأمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا بأن نعمل حتى آخر رمق في حياتنا بأنه حتى وإن أصبحنا فكان يوم القيامة وكان في يد أحدنا غرسة فليغرسها .. ابتسمت بسمة الرضا والتفاؤل كوني أصبحت وفي خاطري ذكرى نبينا الكريم الذي مع ذكره نستدعي ذكرى كل الطيبين .. كانت ذكرى كهدية من السماء .. كنسيم في الصحراء العربية .. كبسمة طفل نظر في عيون مجاهد أسير .. كانت كصباح بدر .. ونشوة الوقوف في عرفة .. كانت كيد ملائكية تحمل الشفاء لجسد أعياه دهر من المرض .. كانت كإعصار حميد هب لصد ريح عاتية ؛ وكنت كمن يسمع الحديث لأول مرّة ؛ كأنه قيل لنا ولأجلنا .. ومن يومها أصبح صباح كل اجتياح وإن كان صباح قيامة أحدنا هو يوم التحدي والعمل ..

اليوم يا بلادي تحت مقصلة الجلاد ؛ وقع العالم على وثيقة إعدامك .. بأيديهم وقعوا وبصمتهم وعيونهم التي تأكل من صورك ..

لكننا لن نستطيع الكف عن التحدي والعمل .. شيء ما ينتزعك من فراشك ومن مرضك يجبر كسرك ويعيد الضوء لعينيك .. شيء ما أشعر به وأشك أنه مخصوص بطبيعتنا وكأنه جاء من خارجنا ربما نبع من باطن الأرض أو أسقط مع مطر السماء أو أفرزه الزرع .. شيء يدفعنا لتجاوز ما ينهال علينا من صعاب يقذفنا حيث العمل .. حيث أولائك المخلصين الصادقين الطاهرين الذين يشعروك بالخجل من أقل وهن يصيبك ، ويدفعك وجودهم واتقانهم لأعمالهم لمزيد من الأمل والعمل ..