انهم يتذكرون المستقبل!

 

 بقلم: خيري منصور  

 قدر كل جيل ان يلعن حظه، ما دام الفردوس قد مضى، او ان الحاضر دائما من قصدير اذا قيس بالماضي الذي كله من ذهب خالص، وحين صنف »هزيود« الازمنة دفع الناس في عصره الى الاحساس بأنهم سيئو الحظ لانهم ولدوا متأخرين، وانا لن ادافع عن زمننا وجيلنا، لان مثل هذا الدفاع لا يستطيعه محامو العالم مجتمعين، ما دمنا متورطين بهذا القدر من الاخطاء، والغواية، لكن هل كان للوفاء ان يترسخ كقيمة في حياة الناس لولا الخيانة التي تتربص به من كل الجهات.

وهل كان للصدق معنى ان لم يكن الكذب يحاصره وهل كان للفروسية ان تظفر بكل هذا الثناء لولا ان النّذالة كانت تفقس بيوضها في كل الشقوق؟

العربي الان، يلعن طالعه السيىء لانه ولد في هذا الزّمن، ناسيا ان تاريخه قدم له امثولات لا تحصى عن البطولة والخيانة، والكرم والبخل والنصر والهزيمة.

ولا اظن ان أبا رغال او العلقمي او الغساسنة والمناذرة افسدوا علينا الانتشاء بصلاح الدين والمعتصم، بل هم النقيض الضروري الذي يتضح من خلاله البياض البكر، فقد تعايش الطائي مع بخلاء الجاحظ في ذاكرة واحدة، في كل زمن هناك ابطال وجواسيس وصيارفة وقديسون.

لكن النسب قد تختلف، وان كان المبدأ واحداً، وانني لاتحدى أي عربي ان يقدم لنا عينة من الماضي كلها من ذهب، أو أن يعثر على حقبة من تاريخنا لم يولول فيها الناس ويهجوا زمانهم.

لكن حجم البلية التي لم تعد تضحك أحداً منا هو المسؤول عن هذه العدمية الفكرية والأخلاقية وحتى السياسية، فنحن لم نعد نقرأ التاريخ لأننا محكومون، اما بالقفز الى الأمام أو الاستغراق في اللحظة الراهنة، كالحيوان الذي يتأمل أظلافه ويجتر، الماضي به قدر كبير من القصدير، وليس كله من ذهب، والحاضر لمن يريد أن يقرأه بعينيه لا بعيون الكلبيين والفريسيين به قدر من الذهب الذي غمره الغبار، فنحن الآن ننتصر في عز هزيمتنا، وندافع عن حقنا في المعرفة في ذروة التجهيل ونشهد ونستشهد في أقاصي الاستسلام والفرار.

والمطلوب من لاعني حظهم وجيلهم والباكين على الفراديس الغاربة ان يعيدوا النظر وأن يبحثوا في هذه »الحاويات« عن الجوهرة التي تم تهريبها واخفاؤها، فما مضى لم يمض بعد، بخيره وشره وأبطاله وخونته، فنحن باختصار الماضي الذي يتشكل دون ان نعلم بالنسبة للقادمين من أحفادنا.

أما من يوسعون ثقوب الغربال كي يختلط القمح بالزؤان، ويساوون بين المقاول والمقاوم وبين بيضة الحمامة وبيضة الأفعى، فعليهم أن يستقيلوا من هذه الوظيفة التي لا تعيش فيها الوطاويط الا على جراح البقر والحمير!