" الأعدقاء "
في الإدارة
الأمريكية
بقلم : د.
خالد عبدالله *
التاريخ
السياسي
الأمريكي
حافل بشواهد
الخلاف بين
أقطاب
الإدارة
الأمريكية
الواحدة، سواء
بين وزيري
الدفاع
والخارجية،
أو الخارجية
ورئيس مجلس
الأمن
القومي،
وتخدم هذه الخلافات
السياسية،
التي تثير
حولها
الصحافة
الأمريكية
عادة جلبة كبيرة
أعظم من
دلالاتها،
أهدافا عدة.
فهي على صعيد
أول، نهج
اجتهادي يمنع
التصلب في
شرايين الآراء
كي لا تنفجر،
حيث أنها
مواجهة
متواصلة مع
المشاكل
المعروضة
والخطط
الجديدة
ببدائل متعددة،
إنقاصا
للكلف،
وتعظيما
للمغانم، وتقليلا
للأخطاء. فهي
طريقة فذة في
إغناء عملية
أخذ القرار
بمجالات
واسعة
للمناورة
والاختيار في
ظل المتطلبات
المستجدة، إذ
أنها تشجع ذوي
الخبرات
المختلفة
لتلقيح
الحوار
الجاري برؤاها
ومقترحاتها.
وهي على صعيد
ثاني، تنسجم مع
دعاوى
الديمقراطية
ومتطلباتها،
إذ تري الجمهور
أن قيادته لا
تقدم على أمر
إلا إذا
استوفته بحثا
ونقاشا. وهي
على صعيد
ثالث، ابتكار
بارع لحشد
التأييد
الشعبي وراء
خطط الإدارة بغض
النظر عن أي
مناهج
التنفيذ سيتم
تبنيه.
فالنقاش،
مثلا، حول
إسقاط نظام
حكم يخفي
الموضوع
الجوهري حين
يطرح على صورة
أي المنهجين
أفضل لإسقاطه
استخدام
القوة
العسكرية
مثلا أم الاحتواء
السياسي
والاقتصادي.
وفي خضم هذا
النقاش
المدوي تضيع
على الجمهور
حينذاك المسألة
الأصلية التي
هي لم تفرض
الولايات
المتحدة
ابتداء على
شعوب العالم
نوع حكوماتها
وأشخاصها.
ولو
تتبع المرء
الخلاف
الجاري بين
وزير الدفاع
الأمريكي
رمسفيلد
ووزير
الخارجية
باول لرأى أنه
لا يتعدى
الأمور
المذكورة.
فالخلاف لا
يدور أصلا حول
استراتيجية
الولايات
المتحدة
للهيمنة على
العالم، فهذه
في وجودها سابقة
على الإدارة
نفسها، بل على
الإدارات من
قبلها، وإنما
حول أنجع
الطرق
لتحقيقها. ولا
يمكن تصور ليس
فقط بقاء وزير
في الحكومة،
وإنما وصوله
إلى المنصب لو
لم يكن على
قناعة تامة
وتبني شامل
للاستراتيجية
الأمريكية.
فكل إدارة تصل
إلى الحكم
تتبنى خططا
وبرامج
لمواصلة إيجاد
استراتيجيتها
في حيز
الواقع، لكن
في ضوء الظروف
المحلية
الناشئة
والأوضاع
الدولية المستجدة،
وبالاستفادة
من خبرة من
سبقها في نجاح
أو فشل خططه.
فإدارة بوش
الجمهورية لم
تختلف مع
إدارة
كلينتون
الديمقراطية
حول الهيمنة على
العالم،
لكنها افترقت
عنها في أنها
لا ترى جدوى
سياسية بل
تتصور عبئا في
الاستمرار في
العمل من خلال
المؤسسات
الدولية
والاتفاقيات
الدولية ولو
لم يكن دائما.
حيث أنها تؤكد
أن الولايات
المتحدة ضيعت
سنوات طويلة
في مسيرتها
للهيمنة على
العالم التي
أتاحها سقوط
الاتحاد
السوفيتي. وقد
جاءت أحداث
الحادي عشر من
سبتمبر
لتعزيز دعاوى
الأكثر تطرفا
في الإدارة
الجمهورية،
من أن على
الولايات
المتحدة أن
تسارع في بسط
هيمنتها على
العالم من
خلال إجراءات
منفردة.
فالخلاف
بين رمسفيلد
وباول ليس
على الاستراتيجية
وإنما على طرق
تنفيذها. وهذا
يقع ضمن نطاق
تخوم الحوار
المطلوب.
فالاثنان من معدن
واحد حينما
يتصل الأمر
بالإيمان
بالتوجهات
الثابتة
للسياسة
الأمريكية،
لكنهما من
طينة مختلفة
عندما يتركز
النقاش حول الأساليب
ومناهج العمل.
فرمسفيلد
تضرب جذوره السياسية
في اليمين
المتطرف، وهي
قاعدته، بينما
لم ينفصل باول
تماما عن
قاعدته
السوداء أو
تجربتها التي
تميل به إلى
الاعتدال. كما
أن باول يرأس
الخارجية
الأمريكية
التي تتعامل مع
بلدان العالم
ذات الأوزان
الاقتصادية
والسياسية
والعسكرية
المختلفة. وهو
حتى إن اقتنع بنهج
الانفراد
لكنه يعلم أن
على الولايات
المتحدة أن
تجري بعض
المقايضات
والمناورات،
وإلا فستجد أن
الصعاب قد
تضاعفت وأن
العراقيل قد
توالدت أمام
تحقيق
سياساتها.
فباول معرض لضغوط
تختلف عن تلك
التي يتعرض
لها وزير
الدفاع. كما
أن باول قد
أدرك، كما
يقول
المعلقون،
بحكم خبرته
المهنية أن
الولايات
المتحدة تسوق
نفسها إلى
الفشل إن بدأت
مغامراتها
العسكرية دون
أن تعد لها
سياسيا حتى
تضمن حشد
رأيها العام
خلف مسعاها،
وتضمن
التأييد أو
على الأقل عدم
المعارضة من
حلفائها
الرئيسيين.
وهو بالرغم من
ماضيه
العسكري إلا
أنه أقل تسرعا
في سحب مسدسه
حينما تواجه
أمريكا
المشاكل في
العالم.
فمعياره
الأساسي
يندرج في
مضمون سؤالين.
الأول، هل
هناك مصلحة
حيوية
لأمريكا كي
تتدخل؟
والثاني، هل
هناك حل
اقتصادي
وسياسي أقل كلفة
من الحل
العسكري؟ فهو
لا يريد الزج
بالقوات
الأمريكية في
أية مشكلة بغض
النظر عن مساسها
بمصالح
الولايات
المتحدة
الحيوية، ومن
دون اعتبار
ومناقشة
بدائل مختلفة.
وهو يرى أيضا
أنه إذا كان
لا بد من الحل
العسكري فلا
بد أن يكون
محسوبا
ودقيقا حتى لا
تحرج
الولايات المتحدة
كما حدث عندما
قصفت حكومة
كلينتون بصواريخها
قواعد خالية
في أفغانستان
ومصنعا للأدوية
في السودان.
فباول
أكثر عقلانية
ولا يعمي
بصيرته
التفوق العرقي
الذي يميز
غلاة الإدارة
الأمريكية، لكنه
يبقى جنديا
مخلصا
لاستراتيجية
الولايات
المتحدة
للهيمنة على
العالم. ولذلك
يبقى الخلاف
بينه وبين
رمسفيلد في
نطاق الخلاف
حول، ما أسماه
رنت سكوكرفت
مستشار الأمن
القومي
للرئيس بوش
الأب، المسار
الأفضل
للسياسة
الأمريكية (
بين أولئك
الذين يضربون
صدورهم
ويطالبون برد
قوي
وأولئك الذين
يملئهم الخوف
من فكرة إطلاق
العنان لرد أمريكي
يضرب في كل
اتجاه ). فباول
يرى في
السياسة التي تطلق
العنان
لشهوتها في
الحرب قصيرة
النظر، لأنها
سرعان ما
ستؤلب العالم
، الصديق
والعدو،
ضدها، وتجعل
كلفة ذلك
رهيبة كما حدث
في فيتنام.
وحينما
نتابع الخلاف
بين رمسفيلد
وباول في مسألة
العراق مثلا،
نجد أن الهدف
مشترك، لكن
الطرق
المقترحة
للوصول إليه
مختلفة. فكلاهما
يريدان تحطيم
القدرات
العراقية ومنع
البلد من
إعادة بناء
نفسه. ولتحقيق
ذلك اقترح
باول
العقوبات "
الذكية" التي
تبقي الحصار،
لكنها تظهر
كأنها غير
موجهة ضد
الشعب العراقي،
بل إلى
النظام. فهو
يرى أن ذلك
سيخفف عبء الانتقادات
الموجهة إلى
الولايات
المتحدة من
حيث كونها
مسؤولة عن موت
الأطفال في
العراق،
وتحميل إصرها
على النظام.
ثم سيخلق هذا
مناخا في
الرأي العام
العالمي مؤيد
لفكرة إزالة النظام
بحكم أن
استمراره
يعني تواصل
موت الأطفال
في العراق.
كما سيساعد
على توفير
المبررات
المغطية
للبعض في
النظام
العربي
للمشاركة في
عملية إزالة
النظام. لكن
رمسفيلد
يعتبر أن هذا
تزيين لا حاجة
له، بل يطيل
في أمد النظام
وبالتالي
يعرقل مساعي
الإدارة لبسط
سيطرتها
تماما على
المنطقة
العربية بل
والإسلامية،
لأنه يرى
ككثير غيره من
الغلاة أن
النجاح في العراق
سيمكنهم من
مواصلة الزحف
إلى إيران وسوريا.
كذلك
الأمر
بالنسبة
للصراع
العربي
الإسرائيلي.
فباول يرى أنه
لا بد من
مواصلة
الاتصالات مع
عرفات، حتى
يقتنع أولا
بضرورة
القيام بإجراءات
حاسمة لإنهاء
الانتفاضة،
ومن ثم القبول
بما سيعرض
عليه من حل،
أسماه الدولة
" المؤقتة ".
وهو يعتبر أن
قبول عرفات
بذلك بديل ذو
كلفة
اقتصادية
وسياسية
وعسكرية
ضئيلة، حتى
ولو أدى إلى
ثورة شعبه
عليه، لأن
الاقتتال حينذاك
سينتقل إلى
صفوف القوى
الفلسطينية. إذ
أن الإطاحة
بعرفات من قبل
شارون قد
تقود، في
نظره، إلى
احتمال فوضى
عارمة تتجاوز
الأرض
المحتلة،
وبالتالي
تؤثر على
تنفيذ خطط وبرامج
الإدارة
الأمريكية
للهيمنة على
المنطقة كليا.
لكن رمسفيلد
ذو الوجه
الكالح يستخف
بهذا المنطق،
ويرى أن على
الإدارة
الأمريكية أن
تطلق يد شارون
ليفعل ما
يريد. فهو
يتصور أن نجاحه
المؤقت
والناقص في
أفغانستان
الذي مكنه من
أن يفرض على
شعبها
حكومتها أمر
يمكن تكراره
في العراق وفي
فلسطين، بل
وفي كل أرض لا
تستجيب
لمطالب
الولايات
المتحدة.
وما
يهدي فكر باول
في تعامله مع
الأحداث والمشاكل
الدولية التي
تواجه
الولايات
المتحدة هي "
البراجماتية
"، أما
رمسفيلد فهو
مسكون بأيدولوجية
اليمين
المسيحي،
التي هي مزيج
من العنصرية
الباطنية
عموما،
والظاهرية
أحيانا،
ومشاعر الاستقامة
التي ترى أنها
على حق لا ريب
فيه، وأحاسيس
القوة
العسكرية
الباطشة. فهي
بمجموعها مزيج
يشكل بارودا
سريع
الالتهاب
ينتظر زندا يقدحه.
ولذلك يلتف
حوله كل
الغلاة داخل
الإدارة وخارجها
الذين حين
يرون الدم
جاريا يقولون
هل من مزيد.
ولقد
كان مسار
سياسة بوش
خلال الأشهر
التي تلت
أحداث سبتمبر
تراوحا بين
اقتراحات
رمسفيلد
ومشورة باول.
والذي حدد
الاختيار بين
هذا وذاك
الظروف التي
أحاطت
بالولايات
المتحدة داخليا
وخارجيا.
وسيبقى
مستقبل
الاختيار بين
الاثنين رهنا
بالتطورات
داخل الولايات
المتحدة
والأحداث
خارجها. فإذا
رأى بوش، مثلا،
أن الحرب ضد
العراق
تتطلبها
انتخابات الكونغرس
القادمة في
نوفمبر،
فسيكون
حينذاك رمسفيلد
رأس الحربة،
أما إن وجد في
الحرب مخاطر
سياسية
واقتصادية
داخلية
وخارجية،
حينذاك سيوكل
إلى باول مهمة
الاستمرار في
بناء التحالفات
المؤقتة
لمواصلة
تحقيق أهداف
الهيمنة الأمريكية.
*
الرئيس
السابق لبعثة
الجامعة
العربية إلى
واشنطن