جربوا عدم الاصغاء لوعود امريكا

 

بقلم:  منير شفيق

اثبتت التجربة الواقعية، بما لا يبقي مجالاً للشك، بأن السياسات الفلسطينية والعربية الرسمية التي استهلت بتوقيع اتفاق فك الحصار عن الرئيس الفلسطيني تعلقاً بوعود امريكية، بأنها خاطئة وعادت على الوضع الفلسطيني بنتائج في منتهى السوء. لأن تلك السياسات انقذت من خلال توقيع الاتفاق المذكور، كلا من حكومة شارون وادارة بوش من المأزق، خصوصاً، من جهة التبرير الذي اعطته لحل لجنة تقصي الحقائق. والانكى انهما بدلاً من تقدير هذه «الاريحية» المجانية، والتي لم تكن ثمة حاجة فلسطينية اليها، انتقلا الى الهجوم من خلال الاجتياحات التي لم تتوقف.

باختصار، الذي فعلته تلك السياسات انها اضاعت فرصة انتصار كانت قريبة من التحقق، وانقذت الدولة العبرية من ازمة مع الجيش الذي هدد جنرالاته بالاستقالة اذا لم تحل لجنة تقصي الحقائق. والاخطر انها كبلت ايدي الشعب الفلسطيني من ان يرد على الاجتياحات بالمواجهة المسلحة فيما اطلقت يد قيادة الجيش والموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية لتثخن اعتقالاً واغتيالاً واذلالاً واهانة، حتى نشأ وضع يمكن ان يقال له : «لا أسوأ».

هذا التقدير للموقف اصبح مستشعراً به حتى من جانب كل من مصر والسعودية والسلطة الفلسطينية حيث بدا خداع بوش الذي انهال بالوعود خلال شهر نيسان -شهر المواجهات. وما ان تحققت له التهدئة من جانب واحد - الجانب الفلسطيني والعربي- حتى اطلق الضغوط مرة اخرى -وفي ظل الاجتياحات- حتى على الرئيس الفلسطيني ومصر والسعودية وكأن كلام شهر نيسان اضغاث احلام او سراب خلّب.

لو طبقنا فلسطينياً وعربياً قاعدة «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» او «الذي يجرّب المجرّب عقله مُخرّب» لقررنا ان نصم اذاننا عن كل الوعود الامريكية بعد ان لدغنا من الجحر مرات ومرات، وجربنا المجرّب اكثر من ذلك. ولكن ما العمل وهنالك من ألفوا التعلق بحبال الهواء، ولا يريدون ان يواجهوا الحقيقة: أي عدم عقد ادنى امل على امريكا حتى لو اقسمت بالايمان المغلظة. فالمشكل اصبح في هذه الايام كامنا في العلاقات بين ساسة امريكا والحركة الصهيونية واليمين المسيحي المتصهين داخل امريكا نفسها. وهؤلاء الساسة مستعدون لبيع كل شيء والتخلي حتى عن الكرامة الشخصية، ولو اتخذ ذلك شكل فضيحة مجلجلة مقابل النجاح في الانتخابات القادمة، او في اخفاء ابتزاز هُددوا به.

ولهذا حتى لو وعدوا وكانوا صادقين وجادين في حينها، سرعان ما ينقلبون بعد ان يُذكروا بالانتخابات القادمة، او تخرج من تحت الطاولة معلومات اولية عن فضيحة تنتظرهم. فادارة بوش اخرجت لها مؤخراً معلومات عن تقرير حذرها من خطف طائرات مدنية من قبل اعضاء في تنظيم القاعدة، ولم تتخذ اجراءات تحول دون هجمات 11 ايلول سبتبمر 2001. ثم ذكرت ان انتخابات لاجزاء من الكونغرس قادمة في شهر تشرين الثاني المقبل، وان الانتخابات الرئاسية ستصفي حسابات كثيرة، الامر الذي يفسر كل تلك الفجاجة التي راح يتخلى فيها بوش عن وعود قطعها للسعوديين والمصريين.

ان الاقرار بهذه الحقيقة يفترض به ان تُنهج سياسات عربية وفلسطينية على ضوئه، او على الأقل تجرب معاملة امريكا على ضوء افعالها لا اقوالها، وعدم السماع لوعودها قبل تحققها. علماً انها وعود في منتهى الاجحاف ولا تستحق ان يسمع اليها اصلاً.