أرفض أن أؤرَّخ بيوم 11 أيلول

 

بقلم : الطاهر  لبيب*

 

كثر الحديث عن تغير العالم. وهو، عند العرب، يتضمن تساؤلا عن تغيرهم. ومهما كان ارتباك الاجابة فقد اوجد العرب ازدواجية التخفيف من وطأته: ان يستبشروا، فرادى، وييأسوا، مجتمعين. وإذا تركنا لكل منهم بشراه، فإنه يبقى ما يلي:

1 لم يتغير العالم وإنما تغير مفهوم التغير في العالم. فإذا اعتبرنا الانظمة والأنساق ولم نعط الاحداث وزنا اكثر مما تستحق فإن وضع العالم اليوم، ليس إلا مرحلة من مراحل تطوره المرصود. ليس هناك، من هذه الوجهة، ما يبرر اعتبار يوم 11 سبتمبر منعطفا تاريخيا. انه ليس اكثر اهمية من احداث اخرى كثيرة، سابقة او موازية. كونه مس قوة عظمى هي اميركا، تحديدا، فهذا هو الذي جعله <<يهز>> العالم. عندما اتذكر او ارى الكوارث والمآسي التي تتعرض لها شعوب مضطهدة في العالم ارفض ان اؤرخ بيوم 11 سبتمبر 2001.

على ان الاخطر من الحدث ذاته هو ان <<يتكيف>> العالم مع مفهوم التغير الذي أراد ان يفرضه هذا الحدث، من دون معرفة المضمون ولا الوجهة.

لم يعد التغير، كما كان في الفكر وأدبياته، محصلة صيرورة تاريخية خصوصية تمر بها المجتمعات وإنما اصبح، فجأة، موضوع قرار وإعلان. ولمعرفة ما اذا كنا تغيرنا، يكفي ان نسمع الاخبار: أخبارا تصاغ، بعيدا، في اعلى قمة من قمم العالم. وليس لنا ان نناقش المعايير لأن مناقشتها تعني عقابا <<احرش>>، فيه <<ضرب على البطون>>، حسب التعبير التونسي! لم تعد القواميس ولا مشاريع الحركات الاجتماعية ولا الارادة والمخططات الوطنية صالحة للإقناع بما تعتمده من انماط التغيير. القيم الكبرى، نفسها، ذات البعد الكوني كالتقدم والمساواة وحقوق الشعوب وغيرها استنزفتها تجارب التاريخ الغربي. حرام!

ان تكون المرحلة المعولمة بالفتح والكسر دفعت بالنظام الرأسمالي العالمي (مهما كانت تسمياته الاخرى) الى اقصى وأقسى تجلياته فهذا امر مفروغ منه. لكن الانزلاق في القول المتسرع بتغير العالم فيه افراط وخطورة لجهة انه لا يقدر عمق الاختلاف بين انتشار المفهوم الجديد وتراجع الواقع نحو مساوئه العالمية. لننتظر قليلا: عندما يهدأ مشهد البسيكودراما السياسية العالمية، وبعد ان يستنزف 11 سبتمبر كل وظائفه ويعود كل الى وضعه الموضوعي سالما او غير سالم سيكتشف العالم ان ما حدث لم يغير العالم وإنما رسخ طبيعة نظامه، وسيقول المتأملون والمحللون ان الحدث كان يصب في تخطيط مسبق. وطبعا، سيقول اصحاب القرار انه ما كان لهم ان يفعلوا غير ما فعلوا. المهم ان الجميع سيقتنعون بأن مفهوم التغير الذي صفعهم ذات ساعة من يوم 11 سبتمبر 2001، كان صرخة مراقب طلب منهم ضبط مواقعهم، داخل قطار تزداد سرعته ولكنه لا يغير من وجهته... الجميع سيقتنعون، ايضا بأن المشاكل التي عرفها العالم منذ زمن طويل كالحرب والجوع والتسلط لا تزال قائمة وانه كان من الخطأ اعتبار ان ضجة التغيير العالمي تعفيهم من سماعها.

2 العرب كثيرو الحديث عن تغير العالمم لأنهم بطيئو الحركة فيه. كان <<اللحاق بركب الحضارة>> تعبيرا بدائيا عن بطء اللحاق بقافلة من الإبل... السياق الجديد سمح باختصار الطريق. لذلك فهم يجمعون، في اغلب حالاتهم، بين اكثر المجالات والآليات تقدما وأكثر الاوضاع والظواهر تخلفا. لكن اذا كان اللحاق بركب الحضارة لا يخلو من سذاجة التفاؤل فإن الوضع الراهن تسوده واقعية الاحباط. واذا كان كل بلد عربي يقلص هذا الاحباط بالانكفاء على تجربته فإن العرب، مجتمعين وفي اعلى قممهم، لا يلتقون الا في ما يزيد الناس احباطا. وهذا حتى في ما هو اطول سوءا وأوسع ظلما وأوضح إجراما وتلبسا من حدث 11 سبتمبر، مثل المجازر المتلاحقة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. وهي مجازر استبطنها هذا التاريخ العربي المعاصر، دون خجل من سخف عجزه.

اما اذا كان لا بد من القول بأن العرب تغيروا، ولو لم يتغير العالم، فإن الجديد الذي أراه وراء شعاراتهم هو فقدان الخجل الفكري والسياسي. معلوم ان السياق الحالي قلص السلطات الوطنية الى حد انه لأول مرة اصبحت الدولة القوية مطلبا وطنيا، باسم السيادة الوطنية. ومعلوم ان مرجعيات التغيير الحاسم في الفكر السياسي تراجعت وأن الحركات الاجتماعية والسياسية الحاملة لها ضعفت. ولكن هذا لا يعفي اصحاب القرار العربي، مجتمعين، من الخجل. لا ادري كيف لهم ان يعبروا عنه سياسيا، ولكنه قد يكون آخر مطلب شعبي عربي، باعتبار ان الخجل، في مثل حالات العجز الراهن، قيمة اخلاقية عربية اصيلة!

----------------------

أستاذ جامعي من تونس