جنون امريكا الى اين؟

 

بقلم :  فرج شلهوب

 

الادارة الامريكية عازمة، كما يبدو، على ان تجعل من نفسها «شرطي العالم»، فقد اغراها النصر المفاجئ في افغانستان، بأن تنقل خطاها الثقيلة في كل اتجاه، وربما في اكثر من اتجاه في نفس الوقت، فالصومال تحت المجهر، واليمن حتى تسلم يجب ان تنزع شوكها بيدها لا بيد عمرو القادم من تكساس، والقائمة آخذة بالتوسع، فالعراق قاب قوسين اوأدنى من سياسة البطش الامريكية، ولا نجاة لسوريا ولا للسودان وايران وليبيا ودول اخرى كثيرة، حتى من تلك المسماة بالمعتدلة.

 

والعمليات ليست بالضرورة ان تكون على شاكلة واحدة، فهناك من ستترك له امريكا فرصة ان يلبي مطالبها بحرب «الارهاب» بنفسه تحت رقابتها، وهناك من سترغمه على فعل ماتريد عبر وسائل التهديد والوعيد، وهناك من سيكون هدفاً مباشراً لانتقامها، وآخرون، ستضع لهم شروطاً ليعيدوا ترتيب اوضاعهم على مقاسها. ومن المشكوك فيه ان يسلم احد، هنا في منطقة الشرق، من شر امريكا، حتى الافراد والمؤسسات الاقتصادية، كلهم سيطاله نصيبه من التقريع والعقاب، والسلامة، لن تكتب لاحد، الا لاولئك الذين يتقمصون ادواراً كتلك التي اداها تحالف الشمال، وحتى في هذا فالامر منوط باستمرار الدور، لمنع العقوبة، فشركاء امريكا في حربها ضد طالبان، لم يسلموا من عقوبتها واقصائها وخذلانها، باستثناء اولئك الذين لا يزال لهم دور يلعبونه لصالح امريكا، ومهمة يؤدونها لعيون واشنطن.

 

وعندما تبلغ الامور هذا المبلغ، وتخرج علينا وسائل الدعاية والاعلام الاسرائيلية والغربية كل يوم بتقارير حول نوايا واشنطن، واستعدادتها وما تفكر فيه، بالنسبة لكل قطر في منطقتنا، منذرة بالويل والثبور، وعظائم الامور، لمن لا يفكر بمصلحته ويؤثر مصالحة امريكا على كل ما تريد، فان الصمت حينئذ يصبح كفراً، وصاحبه شيطان اخرس، فضلاً عن الانحياز لسوط امريكا وعصا عقوبتها.

 

ان التهديد الامريكي، وكثرة الرسائل التي يتم بثها وفي اكثر من اتجاه، من المؤكد انها ليست جميعاً، تحمل الصدقية ذاتها في امانية التحقق، او الكشف عن نوايا «العم سام» لكن المؤكد في كل ذلك امران اثنان. اولهما: ان التهديد وتوسيع دائرته، مقصود لذاته، وانتهاج سياسة الغموض في ذلك، وتوسيع دائرة الظنون، مقصود ايضاً، ليتحسس الجميع في منطقتنا رأسه، ويباشر بدفع الثمن، الذي يضمن سلامته، قبل ان تصله العقوبة الامريكية.

 

وثانيها: ان امريكا فعلاً ركبت رأسها، واستحكم الهوى اليهودي في صنع قرارها، وانها لم تعد تفكر كثيراً بما يمكن ان يجره عليها «جنونها»، وما يدفعها اليه سماسرة الحرب من اليهود. ولهذا ليس ثمة مراهنة على ان تعاود امريكا مراجعة سياساتها التي جلبت عليها عداءالشعوب في اقطارعديدة، ليست منطقتنا الا مساحة يسيرة ضمنها، وقد لاتستفيق امريكا من «جنونها» قبل ان تدفع العالم كله الى طريق الجنون الذي لن تجني منه امريكا سوى المزيد من الهجمات واعمال الانتقام. وجعل العالم كله على شفير هاوية من الدمار.

 

ان الخدمة التي يمكن لمنطقتنا العربية ان تقدمها، لنفسها اولاً وللادارة الامريكية ثانياً، ان لا تنصاع لدعوات التهديد والتلويح بالبطش والتدمير، وان تسعى، في الهامش المتاح، لبلورة موقف موحد، وبالتوازي مع قوى دولية، يسوؤها المسلك الامريكي، يكون بمثابة ضوء أحمر بين عيني الادارة الامريكية، ورسالة قوية، ليتوقف السيل من التهديد، ونزعة الشر والتدمير التي تضمرها او تستثمرها الادارة الامريكية، ولعل تقارباً سوريا عراقياً ايرانياً يسنده تأييدٌ مصريٌ سعوديٌ وماليزيٌ وباكستانيٌ بدرجة اقل، قادر على وضع حجر الاساس، لحالة توازن دولي، سيجد التشجيع من روسيا والصين وفرنسا وربما اقطاب دولية اخرى.

 

ان الصمت لن ينفع في مواجهة النزوة الامريكية للبطش، واذا كان احد لا يفكر بتدمير امريكا ولا حتى هزيمتها في المنطقة، فليس هناك ما يمنع ان يدافع الناس عن وجودهم، وعن المساس ببلدانهم برفض التغول الامريكي على العالم ولمصالح ضيقة وأهداف ما عادت تخفى على احد.