شلل الشارع العربى
بقلم : عبد الباري عطوان
تدهورت الاوضاع الاقتصادية في الارجنتين
بسبب الفساد واهدار المال العام وازدياد معدلات البطالة وضغوط صندوق النقد الدولي،
فانفجر الشارع في مظاهرات عامة واعمال شغب اجبرت رئيس الجمهورية علي الاستقالة
والفرار ايثارا للسلامة الشخصية وحفاظا علي حياته.
الاوضاع الاقتصادية في الارجنتين افضل
من معظم نظيراتها في الدول العربية، ومعدلات الفساد فيها تعتبر نعمة بالمقارنة مع
تلك الموجودة في دول مثل مصر وسورية والسعودية، وحتي السلطة الوطنية الفلسطينية،
فلماذا يتحرك المواطن الارجنتيني محتجا، ويجبر رئيسه علي الاستقالة، بينما يميل
الشارع العربي الي الخمول والسكينة والاستسلام الكامل؟
المواطن العربي يواجه البطالة والفساد
والديكتاتورية وقمع اجهزة الامن، وفوق كل هذا الاهانات الاسرائيلية والامريكية
المتلاحقة التي تستهدف جزءا عزيزا من مقدساته وارضه، ومع ذلك لم نعد نري مظاهرة
واحدة في اي عاصمة عربية تطالب بالتغيير، ووضع حد لهذا الوضع المهين.
اكثر التفسيرات شيوعا لهذه الحالة
الشاذة هي تلك التي تنحو باللائمة علي الاجهزة الامنية وادواتها، باعتبارها مسؤولة
عن قتل الحس الوطني والاخلاقي لدي المواطن العربي، واستخدامها كل الوسائل القمعية
للحفاظ علي النظام الحاكم ونسله وفساده، واذا افترضنا ان عمر احدث الزعماء العرب
في الحكم (قبل توريث الابناء) لا يقل عن عشرين عاما، فهذا يعني تراكما قمعيا لا
يقل عن هذه المدة، مضافا اليها ثلاثون عاما علي الاقل قبلها علي اعتبار ان الحديث
امتداد للقديم.
ولكن ما ينسف هذه النظرية ان
ديكتاتوريات تشاوتشيسكو في رومانيا، وسوهارتو في اندونيسيا، وميلوسيفيتش في صربيا
لم تمنع ثورات شعبية جارفة اطاحت بها بطريقة مذهلة فاقت كل التوقعات.
ان حالة الموات التي تسود الشارع العربي
حاليا تعود الي حالة مزيج من عدة عناصر، علاوة علي قمع الاجهزة الامنية، ابرزها
فساد النخبة السياسية والثقافية ونفاقها، وانحراف الاعلام عن دوره الرقابي
والتحريضي، وتخلف المناهج الدراسية والتربوية.
ومن الطبيعي ان تشجع الانظمة العربية
هذه الحالة، وتعمل علي تعميقها، لانها تحقق لها الاستمرار الذي تتطلع اليه في
الحاضر، والتوريث في المستقبل، وبما يحول دون حدوث عملية التغيير التي تقود الي
فتح الملفات واجراء محاكمات باثر رجعي مثلما حدث في اندونيسيا ورومانيا
ويوغوسلافيا.
الرئيس الارجنتيني يستقيل من الحكم وهو
مطمئن، لان بلاده تعيش حياة ديمقراطية، وتعددية حزبية، مضافا الي ذلك ان وجوده في
الحكم لم يزد عن عام ونصف العام تقريبا، ولم يمارس الفساد والسرقة بعد، وورث
الازمة الاقتصادية من الذين سبقوه، ولكن ماذا سيكون حال زعيم عربي قاد بلاده الي
حافة الانهيار وفتح خزائنها لابنائه واصهاره لكي ينهبوا المليارات بينما لا تجد
الغالبية الساحقة من ابناء شعبه لقمة الخبز او حبة الدواء.
البطالة في الارجنتين وصلت الي 18 في
المئة، والدين العام بلغ 132 مليار دولار، بينما فاقت البطالة في المملكة العربية
السعودية المنتجة للنفط ضعف هذا الرقم (النساء لا تعمل) وبلغ الدين العام رسميا
160 مليار دولار، وهناك تقديرات غير رسمية تقول انه فاق الثلاثمئة مليار دولار.
اما في لبنان الدولة الصغيرة التي يمثل عدد سكانها اقل من عشر سكان الارجنتين، فان
ديونها تقترب من ثلاثين مليار دولار، والعجز في ميزانيتها حوالي اربعين في المئة،
وخدمة فوائد الديون تصل الي نصف الناتج القومي السنوي.
لقد اثبتت المجازر التي يرتكبها شارون
في الاراضي العربية المحتلة، والاهانات التي يلحقها، بالفلسطينيين سلطة وشعبا، ان
الرأي العام العربي غير موجود، وباتت الولايات المتحدة مطمئنة الي هذه الحقيقة
وتعمل علي اساسها، ولهذا تبارك خطوات شارون هذه وتدعمها، وتستعد لتغيير المناهج
العربية، وتكليف خبراء اسرائيليين باعداد نصوص القراءة واختيار القصائد الشعرية
الملائمة، وحذف الآيات التي يعتبرونها تحريضية من القرآن الكريم، وتعيين خطباء
المساجد، وربما ادخال تعديلات علي تركيبة الجينات العربية تكرس الوضع الراهن،
وتقبل بتكوين تكتل شرق اوسطي يكون مقره القدس عاصمة الدولة العبرية الابدية
والموحدة.
الشيء الوحيد الذي لن يتغير هو تركيبة
قوات الامن العربية، وان كان سيصبح لها قيادة مركزية في تل ابيب، تتولي اعمال
التنسيق فيما بينها، علي غرار عمليات التنسيق الحالية بين قيادة قوات الامن
الفلسطينية ونظيرتها الاسرائيلية حول كيفية وقف الانتفاضة واعتقال رموزها.
فهل من قبيل الصدفة ان تنقلب قوات الامن
الفلسطينية من الاحتماء بالشعب هربا من قصف الطائرات الاسرائيلية، والهيام في
الشوارع بعد تدمير مقراتها، الي اسد هصور يطلق النار علي هذا الشعب ويقتل ستة من
ابنائه ويصيب مئتين، وفي فترة زمنية قياسية لا تزيد عن يومين، وبعد اجتماع امني
تنسيقي واحد!
ربما يعتبر البعض هذا الكلام نوعا من الهذيان، او مسرح اللامعقول، ولكن هذه هي الحقيقة التي يعرفها الجميع ويهربون منها، حتي وصلنا الي هذا الوضع المهين.