قرية أمريكية!
بقلم : خيري منصور
الآن، يستطيع من تبقوا على قيد العذاب
من جيل بلغ رشده في الستينات، وفقده في مطالع هذا القرن، ان يعترفوا بأن نبوءة
السيد ماك لوهان قد تحققت،، وان العالم قد اصبح قرية، لكنها قرية امريكية من ألفها
الى يائها، ومن قمحها الى قمعها، ومن حرفها الى سيفها!
هذه القرية، لا تشكو من ظلام أزقتها،
فالكهرباء السخية عناقيد تتدلى من سقوفها ولا تشكو من الطرقات الوعرة، فكلها معبدة
جوا وبحرا وبرا.
وقد تحققت فيها عدة عدالات دفعة واحدة:
عدالة الفقر والتجويع
وعدالة القتل والترويع، وعدالة الخوف
الذي شمل القارات الخمس وفاض حتى أصبح قابلا للتصدير الى المجرات والكواكب!
في البداية، كانت امريكا وعدا لمن ضاقوا
بالنظم الشمولية، فتحولت الى نظام شمولي يشمل الارض كلها.
انها الآن كلية القدرة، تستطيع تربيع
المثلث وتدوير المربع، وتحويل التابوت الى سرير والمهد الى ضريح.
لا يمنعها من اجتراح ما تريد، واقتراف
ما تشتهي احد، حتى الرادع الذاتي لم يعد مدرجا في كتابها.
هذا الكتاب غلافه خوذة، وفهرسه أسراب
طائرات، وقراؤه هم الأميّون الذين ضاق بهم ظاهر الارض فلم يعد لهم من ملاذ الا
باطنها.
تقاويمها هي ما تضبط عليها ساعات الذهب
والرّمل وهي حين تفرح على هذه البلايين الستة ان ترقص، حتى لو اضطرت الى المباعدة
بين الجثث التي تملأ القاعة.
وهي حين تغضب على الجميع ان يقطبوا،
ويدمعوا حتى لو كانوا في زفاف ابنائهم.
ومن لا يتأقلم مع هذه القرية عليه ان
يرحل وامامه خياران، الفضاء او باطن الارض، ولان الفضاء محتل، فان باطن الارض هو
ما تبقى ان كان حقا قد تبقى، بعد ان اصبحت حتى الاطلال قابلة لاعادة التدمير،
والقتلى لاعادة القتل!
بقي على من ورطهم التاريخ قبل بلوغ هذه
النهاية غير السعيدة ان ينتفوا لحى مكتباتهم كتابا كتابا.
ما دامت الكتب كلها والنواميس كلها،
والتقاويم كلها قد حشرت في خوذة.
وانتهى عهد الانسان!