من فقه الأولين : انه لص!!

 

بقلم : عبدالله فرج الله

 

مما يروى عن الامام القدوة سعيد بن المسيب رحمه الله، أنه كان يقول «اذا رأيتم العالم يغشى الامراء فاحترزوا منه فانه لص».

 

واكد هذا عالم اسمه سمنون، كان قد جرب الدخول على الامراء، وتمن لو انه لم يفعل، بقوله: «وكنت اسمع انه يقال: اذا رأيتم العالم يحب الدنيا، فاتهموه على دينكم، حتى جربت ذلك، اذ ما دخلت قط على هذا السلطان، الا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرى عليها الدرك، وانتم ترون ما القاه به من الغلظة والفظاظة وكثرة مخالفة لَهْواه، ولوددت ان أنجو من الدخول عليه كفافاً، مع اني لا آخذ منه شيئاً، ولا اشرب له شربة ماء».. ثم قال، مبيناً حال العلماء مع السلطان في زمانه: «وعلماء زماننا شر من علماء بني اسرائيل يخبرون السلطان بالرخص، وبما يوافق هواه، ولواخبروه بالذي عليه، وفيه نجاته لاستثقلهم، وكره دخولهم عليه، وكان ذلك نجاة لهم عند ربهم».

 

رحم الله الاولين، ماذا عساهم يقولون لو عاشوا زماننا، ورأوا حال علمائنا.

 

اذا كان علماء السلف يَغْشُون مجالس السلاطين محاسبين لهم، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر متعففين عما عندهم، زاهدين فيما بين ايديهم.. وبالرغم من ذلك كانوا يجدون في انفسهم ويتهمونها، اذ قد مسها وادركها بعض ما عند القوم!!

 

فكيف يكون حال العلماء الذين يتدافعون على أبواب السلاطين، وعيونهم ناظرة، وايديهم ممدودة، واكفهم مفتوحة، والسنتهم لاهجة؟!

 

أيستأمنون على دين؟!

 

أوصى ابو ذر رضي الله عنه، سلمة قال: «يا سلمة لا تَغْشَ ابواب السلاطين فانك لاتصيب شيئاً من دنياهم الا أصابوا من دينك افضل منه».

 

وحدث الامام الحسن البصري رحمه الله، اصحابه عن رجل قال فيه: «كان فيمن كان قبلكم رجل له قدم في الاسلام وصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يغشى السلاطين ، وينفر عنهم، فقال له بنوه يأتي هؤلاء من ليس هو مثلك في الصحبة والقِدَم في الاسلام، فلو أتيتهم، فقال: يا بني آتى جيفة قد احاط بها قوم، والله لئن استطعت لأشاركهم فيها، قالوا: يا أبانا اذن نهلك هزالاً قال: يا بني: لان اموت مهزولاً احب الي من ان اموت منافقاً سميناً».. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله، عنى به سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه ويؤكد الامام الغزالي رحمه الله ان هذه المسألة فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم، لا سيما من له لهجة مقبولة، وكلام حلو، اذ لا يزال الشيطان يلقي اليه: ان في وعظك لهم ودخولك عليهم، ما يزجرهم عن الظلم، ويقيم شعائر الشرع، الى ان يخيل اليه ان الدخول عليهم من الدين، ثم اذا دخل لم يلبث ان يتلطف في الكلام ويداهن، ويخوض في الثناء والاطراء وفيه هلاك الدين.

 

باختصار شديد يتضح لنا من مواقف السلف الصالح، رضي الله عنهم، ان العلماء الذين يغشون ابواب السلاطين هم لصوص، قد اصيب دينهم بثلمة وعكر ايمانهم بلوثة وما أسوأ العالم الذي عرف ثمنه! لانه امتهن علمه، واحتقر نفسه،و ضيع الرسالة وفرط بالامانة.

 

وما اكثراللصوص في زماننا!! الذين يبيعون آخرتهم بدنيا غيرهم.. اذ قد نجح سلاطين ذا الزمان، في تحويل كثير من علمائه الى لصوص.. فأمنوا جانبهم.. ذلك ان اللص لا يقوى على الكلام، ولا يملك حجة او بيان.. بل يعمد اللصوص في العادة الى ما يستر فعلهم، ويواري سوأتهم،ولايجدون الى ذلك سبيلا غير تزيين فعل اسيادهم، والدعاء لهم، وان فسدوا وافسدوا وضلوا واضلوا وفرطوابالمقدسات، واعانوا على ضياع البلاد بهدر الكرامات، وهتك الحرمات، ومصادرة الحريات.

 

ومنهم من يكتفي بالسكوت، او يختار من الحديث ما لا يثير الشكوك، فما العيب في الحديث عن نواقض الضوء، اوكيفية غسل الميت.. فالامة الميتة في نظر هؤلاء الاموات بحاجة الى هذا الفقه، حتى لا تفوتهم اركانه، او بعض فروعه، عندما يجهز عليها عدوها، الذي اشهر سلاحه وبدأ في تنفيذ مخططاته.