غرور القوة والتسوية
المذلة
بقلم : عدلي صادق
مرة أخري، يعود الأمريكيون الي أقبح ما
في لغتهم، والي أسوأ ما في سياستهم، إزاء القضية الفلسطينية. وربما يكون قد استبد
بهم الغرور، لانتصارهم غير التام وغير المضمون، علي جيش الكهوف و دولة الطالبان.
وربما يكون الوهم، قد استبد بالرئيس بوش وادارته، فظنوا أن ضرب المربوط سوف يُخيف
السائب، وأن التوصيفات المُرسلة، من أوساط الإدارة والكونغرس، بحق البشر والأوطان
والأديان وسلوك الحكومات، سيعتمدها المتضررون قبل أن يعتمدها المستفيدون، وأن
العالم سوف يتشكل أو يتفصّل علي مقاس واشنطن، وأن كل شيء سيكون ـ بالنسبة لها ـ
علي ما يرام!
الإدارة
الأمريكية تؤدي ـ في هذه الساعات ـ دوراً إجرامياً، ولن يغضب أحد، إذا ما دارت
الدائرة علي الأمريكيين. فهذه الإدارة، ليست علي درجة من الخُلُق، تؤهلها لأن تقول
لحكومة القتلة الفاشيين والعنصريين الصهاينة، أن احتلالهم للأرض هو سبب المشكلات،
وأن انسحابهم المفترض، هو أقصر الطرق الي التسوية. وبقدر ما تسكت واشنطن عن قول
هذه البديهة، بقدر ما تصبح شريكة في جرائم شارون، ولا تغيّر هذه القاعدة، جملة
خافتة، أو جملتان، علي لسان كولن باول، وزير الخارجية!
الأمريكيون يعرفون، مثلما يعرف شارون،
أن لا علاقة للسلطة بأية عمليات ضد المحتلين، ويعرفون أن ما أخفقت فيه أجهزة أمن
الدولة العبرية، لن تفلح فيه أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، كما يعرف الأمريكيون أن
ياسر عرفات حريص علي استمرار عملية التسوية، وأن شارون ومن معه، هم الذين يفشلونها
بالعدوان المستمر، لأن رفضها الصريح لا يلائم دبلوماسيتهم. لكن الأمريكيين
يتجاهلون قناعاتهم نفسها، وبسبب هذا التجاهل تسيل الدماء، ويتشكل السلوك الإجرامي
للإدارة الأمريكية. وتتجاهل هذه الإدارة، كذلك، كراهية الشعوب لها، وما يتأسس علي
هذه الكراهية، من احتمالات بقاء الولايات المتحدة عدوة للبشرية، واحتمالات تعرض
سياساتها للمقاومة، بالوسائل المتاحة، ومنها ما سوف يسمونه إرهاباً!
ما يحدث اليوم، في الضفة الفلسطينية
وقطاع غزة، يؤشر سلباً، في اتجاهات عدة. فمن جهة، بات واضحاً أن لغة التودد العربي
الرسمي للولايات المتحدة، تطيح ببقايا أية قوة معنوية أو مشروعية أو كرامة،
للأنظمة الصديقة لواشنطن. ومن جهة أخري، يؤكد (ما يحدث اليوم) علي صواب المنطق
الذي رأي ـ مبكراً ـ أن لا جدوي من المراهنة علي أمريكا، أو التعويل عليها، في أي
شيء، أو لإنجاز تسوية ممكنة، تقوم علي استقلال الفلسطينيين في 22% من أرض وطنهم
التاريخي. وما يحدث اليوم، من عدوان إجرامي، يُظهر عجز النظام العربي ودبلوماسيته،
ويفاقم احتقانات لا بد أن تنفجر. فأمريكا المعادية، تتبني استراتيجية عنف،
واستراتيجية تفجير للمنطقة، وتتجاهل حتي قراءات ونصائح التيار الإسرائيلي المعارض
لحماقات شارون وجرائمه. فليس صعباً علي واشنطن، أن تعرف الطريق الي التسوية، والي
طي ملف العمليات الفدائية باقتلاع أسبابها (من احتلال وخنق للحريات وقتل يومي) لكن
أمريكا اختارت الأسلوب القهري، الذي لن يجدي نفعاً، وجاء الكلام المنقول علي لسان
الرئيس بوش، ليؤكد علي أن الإدارة الأمريكية، اختارت خط العداء للعرب وللمسلمين
وللقضية الفلسطينية. وها هي طائرات إف 16 تستخدم لهدم مراكز للشرطة، في سابقة
حربية مشينة، تبعث علي الإحتقان وتلامس الفضيحة!
إن بحراً من الدم، بات يفصل الأمريكيين
عن العالم العربي، لأنهم أصحاب مسؤولية عن كل جريمة، بل هم سبب ارتفاع منسوب الغضب
في نفوس الفتية الفلسطينيين الإستشهاديين، الي درجة الإنفجار. فهم رُعاة التسوية
المخادعة (من وراء الأمم المتحدة) وهم مؤيدو المنقلبين علي العملية السلمية في تل
أبيب، وهم المتغاضون ـ عمداً ـ عن وضعية الصراع المحتدم، بسبب تعنت الدولة
العبرية، ومحاولاتها فرض التسوية القهرية المذلة، التي يرفضها الفلسطينيون جميعاً.