الاستشراق الارهابي بعد الاستشراق الامبريالي

 

د. عبدالوهاب الأفندي

 

خلال اليومين الماضيين نشرت الـ نيويورك تايمز مادتين تشيران الي مرحلة جديدة من السجال الدائر حاليا حول الاسلام ودوره، اولي المادتين كانت مقالة للكاتب البريطاني ـ الهندي سلمان رشدي يسخر فيها من تصريحات المسؤولين الغربيين التي تبريء الاسلام من تهمة الارهاب، ويؤكد فيها ان الاسلام هو المشكلة، اما المادة الثانية فكانت تقريرا حول كتاب جديد للاكاديمي الاسرائيلي مارتن كريمر وتهجم فيه علي دارسي العالم الاسلامي في امريكا واتهمهم بالغفلة عن الخطر الاسلامي.

كتاب كريمر يمثل محاولة لاعادة الاعتبار للاستشراق التقليدي بعد ان تعرض لنقد مدمر في السنوات الاخيرة، ولا شك ان الهيستريا المعادية للاسلام في اعقاب احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) توفر مناخا ملائما لهذه المحاولة اليائسة لنفخ الروح في جثة الاستشراق الهامدة، ويصب هذا المسعي في استراتيجية طويلة المدي لاحياء التراث الاستشراقي واستخدامه سياسيا. ولا يعتبر هجوم كريمر والمدرسة التي يمثلها علي زملائه من خبراء دراسة الشرق الاوسط والعالم الاسلامي جديدا، اذ ان هذه المدرسة ظلت لسنوات تشن هذه الحملة المتمحورة حول الموقف من جماعات الاسلام السياسي، وتؤكد هذه المجموعة ان كل جماعات الاسلام السياسي هي متطرفة بالضرورة، ولا يوجد فيها معتدلون، وتقول ان الدارسين الذين يفرقون بين اطياف اسلامية معتدلة ومتطرفة هم واهمون او مغرضون، وقد جعل كريمر هذه التهمة محور كتابه الجديد، حيث اتهم الباحثين بانهم غفلوا تماما عن التنبؤ بالخطر الارهابي الاصولي الذي اصبح يشكل تهديدا مباشرا لامن الولايات المتحدة.

وسمي كريمر عددا من الاكاديميين المرموقين، علي رأسهم البروفيسور جون اسبوزيتو (جامعة جورج تاون في واشنطن) وريتشارد بليت (جامعة كولومبيا في نيويورك) باعتبارهم يمثلون التيار المتهم بالغفلة وخداع النفس فيما يتعلق بدراسة الاسلام السياسي، وقد نقل تقرير نيويورك تايمز بعضا من ردود هؤلاء الاكاديميين الذين حددوا مخالفتهم لنهج كريمر، واتهموه بدورهم بانه يخدم اجندة خاصة، كونه ينتمي الي المؤسسة الاسرائيلية (كان كريمر مدير معهد موشي ديان في اسرائيل ولا يزال باحثا فيه) كما ان ناشر الكتاب (معهد واشنطن) هو مؤسسة معروفة بانها غطاء لمصالح اسرائيلية. ونبه هؤلاء الي ان اطروحات كريمر تخلو من الموضوعية وتسعي عمدا لدعم الموقف الاسرائيلي عبر القاء الشبهات علي الكتاب الذين لا يوافقون هواه.

اطروحات كريمر القديمة ـ الجديدة، والتي تشاركه فيها مجموعة من الكتاب (من امثال جوديث ميلر ودانيال بايبس وستيفن ايمرسون وبرنارد لويس) يجمع بينهم الولاء الخالص لاسرائيل، سعت باستمرار لمعارضة الخط السياسي والاكاديمي الذي ظل ينادي بالديمقراطية في الدول الاسلامية وان يكون للحركات الاسلامية موقع فيها، ويدعم هؤلاء خطهم باطروحات فيها شيء من التناقض، فمن جهة يؤكدون ان الحركات الاسلامية ضعيفة ومعزولة ولا سند جماهيريا لها، وعليه فلا يجب ان تعطي اهمية زائدة، ومن جهة يقولون ان هذه الحركات قد تكتسح الساحة السياسية، مما يحتم تأجيل الديمقراطية الي حين القضاء عليها، ويبني هؤلاء حجتهم في تطرف جميع الحركات الاسلامية علي اساس انها كلها معادية لاسرائيل. ولكنهم يزينون هذه الحجة بالزعم ايضا بان هذه الحركات تعادي الغرب ولا تقبل بالتزام حقوق الانسان، وخاصة حقوق المرأة.

والسؤال الذي ظل يواجه هؤلاء الخبراء كلما طرحوا اطروحاتهم هذه اذا كان الاسلاميون جميعا من المتطرفين، فما هو تعريفكم للمسلم المعتدل؟ وفي احدي اللقاءات العامة سئل احد هؤلاء العلماء هذا السؤال من المستمعين، فوجم لفترة طويلة قبل ان يقول سلمان رشدي . وبما ان سلمان رشدي أكد مراراً بأنه غير مسلم، فيكون معني هذا انه لا يوجد في ملة الاسلام معتدلون. ولكن التنكر العلني لملة الاسلام لم يمنع الأخ رشدي من الخروج علينا هذا الاسبوع في زي المسلم المعتدل حيث ذكرنا بأن الاسلام هو المشكلة، وانه يحتاج الي اصلاح. وقد قدم رشدي حجة بالغة علي علاقة الاسلام بالارهاب، بقوله: لماذا اذن يحتج مرتكبو الاعمال الارهابية بالاسلام؟

ولماذا تخرج المظاهرات المؤيدة للطالبان وبن لادن في الدول الاسلامية؟

ويبدو ان الخلوة الطويلة التي عاشها الشيخ رشدي قد اثرت في وقت واحد علي تتبعه للواقع وعلي سلامة منطقه، فهناك ارهابيون كثر في العالم يحتجون علي اثمهم بشعار حرية الشعوب او حق تقرير المصير او رفع الظلم والطغيان، فهل يعني هذا ان هذه الشعارات والمفاهيم والقيم المتعارف عليها يجب ان تنبذ او تصحح حتي نحارب الارهاب؟ من جهة اخري ألم يخبر احد رشدي في غيبته بأن مظاهرات خرجت في لندن وغيرها، ليس تأييداً لبن لادن كما زعم، ولكن احتجاجا علي التشبه به في الحملة علي افغانستان، وان ثلاثة ارباع الحضور فيها كانوا من غير المسلمين.

رشدي المعتدل في عرف الصهاينة له علاقة وثيقة بالاستشراق، اذ انه اغلق في كتاباته الاخيرة الدائرة الاستشراقية التي بدأت في اول امرها في الادب والفن، تخيلا للشرق الغامض والبعيد والمجهول علي هوي المتخيلين وتحيزاتهم، ثم تحول دراسة علمية بينها وبين الخيال المتحامل خيط رفيع، ثم عادت عند رشدي ادبا يبيع الخيال المتحامل صرفا لا تشوبه تهمة التلبس بزي العلم. فعبارة آيات شيطانية التي عنون بها رشدي روايته سيئة الصيت مأخوذة من نصوص علمية استشراقية أطلقت هذا الاسم علي نتاج قصة وهمية نسبت الي الرسول صلي الله عليه وسلم تلقي الوحي من الشيطان الرجيم. ولم يخطر لهؤلاء العلماء المدققين الذين يشككون في صحة نقل القرآن علي تواتره ان هذه الحكاية لا أصل لها ولا سند، وانها كانت مجرد اسطورة، بل هكذا زين لهم العلم والتثبت ان يثبتوا المشبوه وينكروا المعلوم. وقد اكمل رشدي الدائرة كما قلنا فأخذ هـــــذه القضية التي انتقلت من عالم الاساطير والاوهام الي صلب المؤلفات العلمية والموسوعات الموثقة، واعادها الي مكانها الصحيح: عالم الخيال المريض السقيم الذي يطفح بغضاً وتحاملاً.

ومن هذا المنطلق، فان دعوة رشدي لاصلاح الاسلام، مثل دعوة كريمر لزملائه الباحثين لكي يتوبوا الي رشدهم تواجه المشكلة التي نبه اليها القرآن من يأمرون الناس بالبر وينسون انفسهم. الاسلام قد يكون في حاجة الي اصلاح، وكتابات دارسي الاسلام الغربيين لا تخلو من كثير من الاوهام والمغالطات. ولكن ما في عقائد المسلمين من نقائض وانحرافات لا علاقة لها بما يعنيه رشدي، كما ان اخطاء الباحثين الغربيين هي بعيدة تماما عما نبه اليه كريمر، فمشكلة رشدي مع الاسلام والمسلمين هي وجود الدين الاسلامي والمؤمنين به. وقد صرح بذلك في ايام محنته، حين اكد انه تعمد التهجم علي الدين الاسلامي ونبيه لانه الدين الوحيد الذي يتمتع بسجل تاريخي موثق. وعليه فان التهجم عليه هو تهجم علي جوهر الدين من حيث هو دين، واذا كان الاصلاح المزعوم للدين الاسلامي هو مطلب امثاله وفي حاجة الي دعمه ودعم من توسل اليهم من اصدقائه فلا شك ان اهل الايمان من كابول وطهران الي طنجة وداكار سيتقاطرون علي شقته في نيويورك زرافات ووحدانا طلبا للهداية والرشد.

موقف كريمر لا يقل اشكالا عن موقف رشدي الا في انه اقل جرأة فبخلاف رشدي لا يستطيع كريمر وعصبته ان يقولوا ان المشكلة هي في الاسلام، وان كان كريمر اقترب كثيرا من التصريح بهذا في مقولاته الاخيرة. ولا تقل جرأته هنا عن جرأته في مطالبة الدارسين الذين يتصدون لدراسة السياسة الاسلامية بموضوعية ان يشاطروه تحيزه واجندته المتحاملة، فهل هناك قلب للأمور اكثر من هذا؟ ابعد النقد العاصف الذي كشف قصور الاستشراق وفساد مسلماته وعقليته التي تجمع بين الجهل والتحيز والتعالي، ابعد كل هذا يري البعض ان الوقت مناسب لاعادة تسويق هذه البضاعة الكاسدة؟

ان من حق الاسرائيليين او العناصر المتطرفة بينهم، ان يروا في الاسلام السياسي خصوصا والاسلام عموما، خطرا ماحقا علي مصالح ومطامع اسرائيل. وقد يكون من الحكمة لمن هذه رؤيته ان يؤمن نفسه باقناع غيره بمعاداة عدوه، واثارة الضغائن ضده، واذا وجد مثل هذا الطرف فرصة مواتية، مثل الفزع الذي اثارته الهجمات الارهابية الأخيرة وما احيته من نعرات وعصبيات، فانه لا يكون مخطئا اذا سعي الي انتهازها، ومن هنا يمكن ان يقال ان محاولة احياء الاستشراق واعادة الاعتبار اليه هي الموازي الاكاديمي لسن القوانين المعادية لحقوق الانسان، واحياء الممارسات العنصرية التي تأخذ الناس بالشبهات، وكلاهما يجد في واشنطن مرتعا خصبا اليوم.

هنالك اكثر من اشكال يواجه هذا المسعي، اولها ان اثارة العنصرية في الغرب قد لا تطال العرب والمسلمين وحدهم كما يتوهم البعض، والثاني هو انه حتي بافتراض نجاح هذه الخطة فان تفجير العداوة المطلوبة بين الاسلام والغرب لن تحل مشكلة اسرائيل وانصارها، بل ستجعل العالم كله اكثر خطورة بكثير مما هو عليه اليوم، لاسرائيل ولغيرها، وبما ان المتطرفين الاسلاميين الذين تخشاهم اسرائيل اكثر ما تخشي لا يهمهم ان يتحول الوضع الي هذه الحالة، فان هؤلاء القوم قد يكونون كمن يحفر قبره بيده، ولعل الوقت المناسب لتذكير كريم وصحبه ان فائدة الموضوعية في العلم لا تقتصر علي العلم وحده. ولعل من فائدة كريمر العودة الي ما نصح به احد احبار اسرائيل القدماء انصاره، فيعطي العلم حقه واسرائيل حقها ولا يخلط بين مهمته كجندي احتياط في الجيش الاسرائيلي ومهنته كدارس وباحث.