الحاج متولي وصلاح الدين
بقلم : احمد المصلح
سيتغلب مسلسل الحاج متولي على مسلسل صلاح الدين الايوبي
بالضربة القاضية اذا قامت احدى مؤسسات قياس الرأي العام باستبيان مغلق او مفتوح
حول الموضوع، وسبب ذلك في رأيي يعود الى المزاج الشعبي العام بالدرجة الاولى وليس
الى معايير النقد الفني، فالمزاج الشعبي العام قد كفر بالمعايير، بدءا بمعيار
الكيل بمكيالين، مرورا بمعيار الاقوال والافعال، وانتهاء بمعيار الأمة الواحدة ذات
السياسة الخالدة.
بمعنى آخر فقد استسلمت الأمة الى غرائزها بعد ان نجح
النظام العربي في مسخ ذاكرة الأمة التاريخية، والى حد تم فيه تعطيل زوايا الرؤيا والرؤية
للماضي والحاضر والمستقبل، بحيث اصبح الحاج متولي الحاضر الواقعي الوحيد في الحياة
العربية، وأصبح صلاح الدين الايوبي مطاردا في كل ارض عربية بتهمة الارهاب حينا او
المزعج الأبدي الذي لا ينفك عن هز سرير الحاكم العربي لمنعه من النوم المريح حينا
آخر، او المعكر ـ بتشديد الكاف ـ لصفو العلاقات العربية العربية او العربية
الاسرائيلية او العربية الأمريكية والاوروبية في كل الاحيان.
ان مشاهدة الحاج متولي ونسائه لا تحتاج الى ارهاق العقل
بالتفكير، فالحل جاهز سلفا وغير مكلف للمشاهدين وللحاج متولي على حد سواء، اما مشاهدة
صلاح الدين فترهق العقل والوجدان والسلوك، والحل غير جاهز بالاضافة الى ان عمليه
استحضار الحل مكلفة جدا كما قلنا قبل قليل، من هنا فقد
يذهب الظن بالمشاهد الى ان صلاح الدين قد حل في جسد شهيد او جريح فلسطيني، وهنا
يضاف مسلسل صلاح الدين الى المسلسل الدموي الذي يبطش من خلاله شارون بصلاح الدين
الفلسطيني على مدار الوقت، الامر الذي يزيح المشاهدة من مشهديتها التلفزيونية
الخيالية الى مشهديتها الدموية الواقعية، وهذا يجعل المشاهد كافرا بمجيء صلاح
الدين من رحم الخراب العربي والاسلامي الراهن، فيهرب الى الحل التعويضي الذي يوفره
الحاج متولي في الواقع الراهن.
ومع ذلك فقد حرصت شخصيا على متابعة مسلسل صلاح الدين
الذي كتبه الدكتور وليد سيف، وقد آلمني الحصار »الحصري« المضروب على المسلسل،
والذي يشبه حصار الحاج متولي لزوجاته، فتخيلت الاعلام العربي قد تقمص شخصية الحاج
متولي وبهذا حول المشاهد العربي الى قطيع من الزوجات المحاصرات، بل وقد ذهب بي
الخيال بعيدا فتخيلت النظام العربي حاجا متوليا آخر يتولى رعاياه او قطيع زوجاته
الذي هو المواطن العربي بالأوامر والنواهي والاغراق في متعة الغرائز.
خلاصة القول اننا شاهدنا مسلسلين حققا درجتين من التواصل
الفني مع المشاهدين، اولهما مسلسل صلاح الدين الذي خاطب عقولنا وعواطفنا بواقعية
وعقلانية متميزيتين، وثانيهما مسلسل الحاج متولي الذي خاطب غرائزنا بتشويق واغراء
ودغدغة للعواطف، ساهم حاملو الخطاب من الممثلين والممثلات في نجاح المسلسل الذي لا
خطاب فكريا عقلانيا فيه. فهنيئا لصلاح الدين والحاج متولي على نجاحهما في البداية
والختام.