العجز العربي والاستخذاء الدولي

 

 

بقلم : الياس   سحّاب

 

" لو كنت مكان شارون، لفعلت ما يفعل" . بهذه العبارة البليغة لخص الرئيس الاميركي جورج بوش خلاصة مأساة العصر التي ترتكب على أرض فلسطين في العام 2001، تتويجا متأخرا (بعد نصف قرن ونيف) لجريمة العصر التي ارتكبت على الارض نفسها، وبحق الشعب نفسه، وسط عجز عربي متكرر ومتصل ومستمر، في ما بين الجريمة والمأساة، وموقف دولي متراوح بين التواطؤ الكامل (بالمشاركة او بالصمت) في المسؤولية عن الجريمة القديمة المتجددة، والاستخذاء الكامل أمام الجبروت الاميركي (بالمشاركة او بالصمت) في المسؤولية عن المأساة الجديدة المستمرة.

جريمة 1948 كانت مبنية على أساس تشريد شعب بكامله، بعد تبشير طويل ب<<عدم وجوده>>، حتى ينطبق الواقع على الشعار الدعائي التبشيري المرفوع. ولعل الفاعل كان يتصور ان يكون الشتات كافيا، فيتساوى بعد مرور الزمن مع الذوبان، الى درجة الاختفاء الكامل وعدم الوجود.

والفارق ليس قليلا ولا خفيا بين الجريمة القديمة، والمأساة الجديدة التي يحاولون بها كما يعتقدون محو آثار الجريمة. الفارق موجود ايضا في المسؤولية الوجودية للعجز العربي، والمسؤولية الاخلاقية للتواطؤ الدولي القديم، والاستخذاء الدولي الجديد.

أولا في العجز العربي: لم يكن العجز العربي ازاء تكامل واكتمال ملامح الجريمة التي حضّروا لها بدأب ومثابرة على أرض فلسطين ثلاثين عاما متواصلة (1918 1948) ناجما عن بخل العرب في بذل الجهد المطلوب والتضحيات المطلوبة (على الصعيد الشعبي بالذات)، ولكنه كان ناجما عن تكامل عنصرين سلبيين:

على صعيد قيادات الانظمة العربية، كانت معظم تلك القيادات قد أدمنت بين الحربين العالميتين الاولى والثانية <<مخدر>> استمداد القوة والاستمرار من مراكز القرار الدولي، لا من مراكز القواعد الشعبية المحلية. وهكذا وقع التطابق الكامل الكارثي بين مصدر قوة واستمرار الانظمة العربية الحاكمة، ومصدر قوة مشروع الجريمة التي يحضرون ويعملون لارتكابها على أرض فلسطين.

على صعيد القاعدة الشعبية العربية، من المحيط الى الخليج، برز الاحساس بأن خطرا ما يتهدد أرض فلسطين العربية، غير ان هذا الاحساس لم يرتفع في تلك الأيام الى مستوى الوعي بأن ذلك الخطر إنما كان جزءا من خارطة النظام الدولي الجديد الذي بدأت القوى الغربية المنتصرة في الحربين العالميتين ترسم خرائطه على أساس وحيد هو مصالحها المباشرة (القريبة والبعيدة) في هذه المنطقة من العالم. وبما ان الاحساس بالخطر لم يرتفع على الصعيد الشعبي العربي الى مستوى الوعي بمكونات هذا الخطر، وأبعاده القريبة والبعيدة، فإن الاندفاع العربي الى بذل الجهد والتضحيات ظل محصورا تحت راية <<النخوة والشهامة>> التي تتطلبها أرض فلسطين، ولم يقارب هذا الجهد أبدا الوعي المطلوب للمشروع الجديد للقوى الخارجية. وهو ما عبّرت عنه بعد ذلك قيادة جمال عبد الناصر عند وغداة قيام ثورة يوليو، في الكتيب الصغير الحجم الكبير الشأن (فلسفة الثورة)، وخلاصة هذا الوعي ان ما هو مطلوب اكثر من الاندفاع نحو أرض فلسطين بكل النخوة وكل الشهامة العربية، إعادة حراثة الارض العربية من حول فلسطين، لاستئصال عناصر التخلف والفساد التي تحكمها وتتحكم بها منذ قرون طويلة، وبذر عناصر التقدم التي تمنحها شرف الانتماء الى العصور الحديثة، والقدرة على حيازة متطلبات هذا الانتماء.

هذا الوعي هو الذي دفعت قيادة عبد الناصر ثمنه عربيا (قبل ان تدفعه عالميا) تحت ضربات المزايدة العربية من اليمين واليسار (راجع المقال التاريخي للمفكر الراحل ياسين الحافظ في العدد رقم 11 من مجلة شؤون فلسطينية)، وضربات الضغوط الخارجية (الفرنسية البريطانية في البداية، والاميركية في ما بعد، والاسرائيلية في البداية وفي كل وقت).

وللأمانة الموضوعية لا بد من ان تسجل بعد ثلاثين عاما ونيف على رحيل عبد الناصر، انه اذا كانت القيادة الناصرية قد قصرت وارتكبت أكثر من خطأ كبير في مجال استكمال متطلبات المطابقة بين الاهداف الكبيرة وأساليب العمل، فإنها لم تقصر في دقة تحديد الهدف المنشود، ودقة تحديد المعوقات المطلوب إزالتها، وهما ثمرة شرعية لدقة وعي الأخطار المزروعة على أرض فلسطين، لكن باستهداف شامل للارض العربية ومصيرها، من محيطها الى خليجها.

تلك كانت ملامح العجز العربي في ما بين 1948 و1970، اما بعد ذلك، فقد وقعت قيادات الانظمة العربية الحديثة في الحفرة التاريخية التي وقعت فيها أنظمة ما قبل 1948 (ولكن بعد تعمق الحفرة واتساعها) وهي حفرة استمداد الانظمة لأسباب قوتها واستقرارها من الخارج. أما عمق الحفرة واتساعها، فناجمان عن ان القوى الخارجية الفاعلة في النصف الاول من القرن العشرين كانت تتمثل في إمبراطوريتين استعماريتين مشرفتين على الزوال (فرنسا وبريطانيا)، أما القوة الخارجية الفاعلة في النصف الثاني من القرن العشرين (خصوصا في عقده الاخير بعد انهيار الاتحاد السوفياتي) فممثلة بالامبراطورية الاميركية، الزعيم الأوحد للعالم الجديد، بحيث ان مركز القوة الخارجية قد انتقل من الباب العالي في الاستانة، الى البابين العاليين في باريس ولندن، الى <<الباب الأعلى>> (والأوحد) في واشنطن.

وقد ظلت قيادات الانظمة العربية تتوهم ان طلب الحل (اضافة الى طلب القوة والسند) في واشنطن إنما هو صعود بطيء الى القمة، حتى جاءت عبارة جورج بوش الاخيرة <<لو كنت مكان شارون، لفعلت ما يفعل>>، لتبدد الوهم وتؤكد ان طلب الحل وطلب القوة وطلب السند من واشنطن، إنما هو انحدار سريع الى الهاوية.

لذلك فإن العجز العربي الراهن يبدو مأساويا وكارثيا، لأنه عجز موصد الأبواب والنوافذ (حتى إشعار آخر ليس قريبا على اي حال)، مقارنة بالعجز العربي السابق، الذي كان يبقي بعض نوافذ الأمل وأبوابه مفتوحة.

ثانيا في التواطؤ الدولي والاستخذاء: عندما كانت عناصر الجريمة تصنّع وتستكمل في ما بين 1918 و1948، وعندما كانت دائرة الجريمة تكتمل تماما في العام 1948، بطرد عرب فلسطين الى الشتات، وإحلال جموع المهاجرين اليهود من شتى بقاع الدنيا محلهم، كانت وسائل الاجهزة الاعلامية وقدراتها تعتبر بدائية، مقارنة بتطور تلك الوسائل والاجهزة في نهاية القرن العشرين. لذلك، كانت أكذوبة <<فلسطين أرض بلا شعب>> سهلة الترويج، في أوساط الرأي العام الاوروبي والاميركي، اضافة الى الاكذوبات المكملة الاخرى عن الجمال التي تسرح في المدن العربية (والفلسطينية) بدل السيارات، وعن الصحاري القاحلة التي تغطي تسعين بالمئة ونيفا من أرض فلسطين.

ولذلك، كانت عملية تهجير جحافل اليهود من شتى بقاع الدنيا الى أرض فلسطين، تبدو كأنها عملية حضارية، القصد منها إعمار ارض فلسطين الخراب وإحياؤها من الموات، لا عملية هدم تواصل انساني حضاري عمره آلاف الاعوام، وإقامة كيان مصطنع بدلا منه.

والآن، بعد مضي نصف قرن على الجريمة، دعونا نصدق جدلا ان حقيقة أرض فلسطين وشعب فلسطين كانت غائبة ومغيبة عن القطاعات الاوسع من الرأي العام في الدول الاوروبية والاميركية والآسيوية الكبرى، فها نحن بعد نصف قرن، نعيش محاولة إخفاء معالم الجريمة القديمة بمأساة جديدة أشد منها بشاعة ووحشية، في تفاصيل دموية يشاهدها العالم كله يوميا على الشاشات الفضائية، يقوم بتنفيذها الجيش الاسرائيلي بقيادته السياسية والعسكرية، وبرعاية القوة العظمى وتشجيعها. ومع ذلك، مع كل ذلك، فحتى الصمت واللامبالاة غير مسموح بهما لأي شعب من الشعوب، عربيا كان أو أوروبيا أو أميركيا، موقف واحد تسمح به واشنطن: إدانة صريحة <<للإرهاب الفلسطيني>>، وضغط على السلطة الفلسطينية وبقية السلطات العربية لتفكيك فوري لمنظمات <<الارهاب الفلسطيني>>. ولدهشة كل الذين كانوا يراهنون على شيء من الاعتراض العربي (ولو الشكلي)، والتحرك الاوروبي (ولو اللفظي)، تكفيرا عن جريمة 1948 وتوابعها، او غسلا لليدين من الدم الذي لم يتوقفوا عن سفكه منذ نصف قرن ونيف، يؤثر بعض الانظمة العربية الصمت، ودفن الرؤوس في الرمال، ويندفع بعضها الآخر نحو طلب الرضى بمزيد من الاشادة بموقف الراعي الاميركي، وبناء مزيد من <<الآمال>> عليه.

ومن شدة تسلط الاضواء على العجز العربي الفاضح، وعلى الاستخذاء الكامل أمام الضغط الاميركي لعواصم كبرى في أوروبا وآسيا، نجد العاجزين والمستخذين يبحثون عن اي ورقة توت يسترون بها عوراتهم، فلا يجدون سوى الترويج لأهمية الرغبة الاميركية بأن لا تقوم إسرائيل بالتخلص الجسدي من ياسر عرفات، مع أنهم يدركون تماما ان لا علاقة لتلك الرغبة بالمحافظة على شيء من الحقوق الفلسطينية او العربية، وإنما هي تعبير عن الحاجة الى توقيع <<أبو عمار>> على عملية إسدال الستار.

في العام 1948، تمت جريمة تشتيت شعب فلسطين، لعله يذوب في الشتات، فلما اكتشفوا بعد نصف قرن ان فلسطينيي 2001 أعمق وعيا وأشد تصميما من فلسطيني 1948، صدرت الاوامر بسحقهم بأقسى درجات الوحشية.

ازاء هذا المشهد المأساوي الذي يفتتحون به القرن الجديد، يحاول الوضع العربي الرسمي الاختباء وراء ستار العجز الكامل، ويحاول المجتمع الدولي الاختباء وراء ستار الاستخذاء الكامل، لكن يبدو ان عرب فلسطين مصممون هذه المرة على المواجهة حتى تمزيق كل الستائر، مع ان ثمن المواجهة يبدو فوق الاحتمال.