المفارقة
العالمية في الموقف من أمريكا
بقلم : منير شفيق
منع الفيتو الامريكي قبل اسبوع مجلس
الامن من اتخاذ قرار يتناول ما يجري على الاض الفلسطينية في هذه الايام ثم اعيد
طرحه على الجمعية العامة للامم المتحدة فدعمت شقه الاول 124 دولة وعارضته كل من
امريكا والدولة العبرية وجزر جنوب المحيط الهادئ وهي جزر المارشال وميكرونيزيا
ونادرو وتوفالوا، وهي التي لا يسمع بها احد ويندر من يعرف عنها شيئاً كأنها اعطيت
استقلالها وقبلت عضويتها في هيئة الامم المتحدة لتزيد من عدد المصوتين الى جانب
امريكا والدولة العبرية في ما يتعلق بالوضع الفلسطيني او على الادق حتى لا تبقى
امريكا والدولة العبرية وحدهما عند التصويت.
اما من جهة اخرى فقد امتنعت 25 دولة عن
التصويت ومن ضمنها المملكة المتحدة بينما صوتت دول الاتحاد الاوروبي في مصلحة
القرار وكذلك روسيا والصين وجاء التصويت على شقه الآخر 133 «مع» و«15 امتناع» و«4
ضد» هي امريكا والدولة العبرية وجزر مارشال وميكرونيزيا وبالمناسبة لوحظ ان الدول
التي امتنعت عن التصويت هي النرويج واليابان واستراليا وكندا وهذه من اكثر الدول
ذيلية للولايات المتحدة في السياسات الدولية ومع ذلك لم تصوت ضد القرار الى جانب
امريكا وفعلت مثلها الدول المطالبة بالانضمام الى حلف الناتو «حلف شمال الاطلسي»
مثل البوسنة والهرسك وكرواتيا وبلغاريا وسلوفينيا ورومانيا.
بغض النظر عن تفصيلات محتوى القرار
بشقيه فان التصويت عليه يعكس حالة عالمية في الظروف الراهنة فبينما تحاول امريكا
فرض هيمنتها العسكرية على العالم وتبتز دوله للسير من ورائها او الاستجابة
لمطالبها نجدها غير قادرة في مجلس الامن على فرض القرار الذي تريد على بقية اعضائه
بل نجدها تتلقى قراراً ضد رغبتها لم تمتلك حياله غير تعطيله بالفيتو. ولم يكن
الحال مختلفاً في الجمعية العامة اذ وجدت نفسها معزولة بما يشبه الفضيحة ولكن
السؤال ما معنى هذه المفارقة؟ امريكا تفرض رأيها على العالم في حربها ضد افغانستان
وتتمكن من اعلان تشكل جبهة عالمية تدعمها في تلك الحرب ولا نستطيع في مجلس الامن
او الجمعية العمومية ان تفعل الشيء نفسه بل لا تستطيع ان تتجنب التصويت ضد موقفها.
ليس ثمة من تأويل لهذه المفارقة سوى ان
العالم في الحالة الاولى وضع تحت خيار المواجهة العسكرية او التأزيم حتى الحد
الاقصى اذا عارض الحرب او وقف ضدها وقوفاً صريحاً وهو ما لا يجد ضرورة له او لا
ترى اية دولة بمفردها حاجة الى بلوغ ذلك الحد من اجل قضية لا تعتبرها تستحق الدخول
في مواجهة ان لم تكن اغلب الدول راغبة في التخلص من طالبان وتنظيم القاعدة ومن ثم
فان المعادلة العالمية التي تشكلت في مصلحة امريكا في حربها العدوانية على
افغانستان لا تعكس المعادلة الحقيقية لمواقف دول العالم من السياسة الامريكية
عموماً وهو ما يفسر حرص امريكا على ادامة الحرب وابقاء العالم تحت احكام طوارئ لان
مجرد دعودة الوضع الدولي الى حالته الطبيعية او الى حياته العادية وخوض صراعاته
دون سقف الحرب العالمية» سيتبين ان امريكا لا تمتلك القدرة على فرض ارادتها وان
امتلكت القدرة على التعطيل او التأزيم حيث ترفض ان يفرض عليها ما لا تريد اي ما
يشبه الحالة التي ساءت في السنتين الاخيرتين قبل الحادي عشر من ايلول / سبتمبر
الفائت.
اذا كان الاستنتاج آنف الذكر صحيحاً
فيجب ان يترتب عليه امكان وضع حد للهجمة الامريكية العسكرية التي راحت تستهدف
فلسطين الآن بعد افغانستان وتتهيأ لتستهدف دولاً عربية اخرى فالعالم ليس طوع بنان
امريكا بل قد تكون الصورة التي عسكها التصويت في الجمعية العامة والمشار اليه
اعلاه احد التعبيرات ولو المتواضعة عن رفض السياسات الامريكية عموماً وليست رفض
موقفها في القضايا التي جرى التصويت عليها فقط. هذا يعني ضرورة التحرر من الحرب
النفسية التي راح يشنها البعض حول المتغيرات التي حدثت بعد 11 ايلول / سبتمبر وذلك
لاستدرار التراجعات تلو التراجعات في مواجهة المطالب الامريكية في الساحة
الفلسطينية كما في الساحات العربية والاسلامية الاخرى وذلك بمعنى ان من الممكن ان
يقال لها كفى تمادياً مع شارون -بيريز- اليعيزر. ففلسطين ليست مستباحة ولا البلاد
العربية والاسلامية مستباحة وان من الممكن وضع حد لهذا التمادي بموقف فلسطيني متحد
قوي ومن حوله تضامن عربي واسلامي وعندئذ ستواجه امريكا معادلة في الصراع غير تلك
التي واجهتها في افغانستان.