أمة تنهض من جديد

بقلم : محمد بن حامد الأحمري

 

قال البردوني:
"لكن موت المجيد الفذ يبدأه ولادة من صباها ترضع الحقب
وما يزال بحلقي ألف مبكية من رهبة البوح تستحيي وتضطرب
يكفيك أن عدانا أهدروا دمنا ونحن من دمنا نحسوا ونحتلب
سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا يوما ستحبل من إرعادنا السحب
ألا ترى يا أبا تمام بارقنا إن السماء ترجى حين تحتجب"


لا يليق بنا نحن المسلمين أن يدركنا الحزن، ولا أن نقف عند منزل واحد نتأوه له، دون أن نفكر في صناعة اللحظة القادمة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ويكره الطيرة، ويرتفع فوق لحظة الحزن ليري الأمة بوارق الخير المقبلة، ويعدهم فوز الدنيا والآخرة، ويعدهم قصور كسرى وقيصر، يوم قالها سخر به المنافقون أنهم لا يأمنون لقضاء حاجتهم، ولكنه الحق، والهمة العالية والثقة في نصر الله، ثم في عزائم رجال لا تفل، ولا يحدها إلا قدر الله، وما بيتت تلك القلوب إلا خير النيات،" رجال" رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. 
وعلينا أن نتجه لصناعة مستقبل أمة ترقب الهداية والتسديد من روادها، وكل مخلص فهو رائد لا يكذب أهله، ولا يخذل أمته. كلكم روادها وهداتها، فسابقوا إلى أن يسود في هذه الأمة الخير والعزة، والدين والكرامة، والأخوة والمحبة، والمساواة، ولا يبني هذه إلا عزائم صادقة متفائلة، تهب لخير تفعله وتتوقع روائع نتاجه، ومستقبله الأكيد المنير.
وعلينا أن ننشر الخير والسعادة والأمن لكل البشرية، فهم أحوج لكم مما تتوقعون، وأقرب لكم مما يعلمون، ولم يصلهم صوت السلم والحرية من عبودية الدنيا وقهر الطغيان.
إن صدق العزيمة، وصفاء الأخوة، وإخلاص العمل تصنع ما يراه العاجزون مستحيلا، إنهم يقيسون بمعايير الأرض، والمسلم يقيس بمعايير الأرض والسماء، ويعطي للكون والحياة قيمة أخرى أعلى وأبقى. إن إصرار المسلم على الرفع من شأن دينه وكرامته لأهم دور للرعاة في المحن. إن الإرهاب لا يخطف الإسلام ولا يرهب المسلمين، بل يشد عزائمهم على الحق ويبتعدون عن الإنحراف ولا تلتبس عليهم ضلالة ولا يستجيبون لغواية. 
إن لحظات الفجر في مسيرة الأمم حزينة مؤلمة، وأيام غسقها وغروبها مدوية صاخبة، يوم تغرب الحضارات وتنحدر يدوي خرابها، وتنبح كلابها، وتوحي بنهاية الوجود، ولكن المستقبل العظيم المشرق يصنع بأيدي رجال عازمين وصادقين، يبدو عليهم الثقة والهدوء والعزلة ولكن الرجال الذين يصدقون ما عاهدوا الله عليه لا يفل في عضدهم حدث، ويعملون لخير البشرية وهدايتها دون ملل ولا وجل.
إننا واثقون من بقاء الخير في الأمة وتجاوزها للمحنة. وأن تجعل الأمل مخرجا من الألم.

وإذا اشتد زمان لم تجد عاليا ذا رفعة إلا "الأمل"
لسنا بحاجة لأن يسود الحزن والألم حياتنا، ولا أن يغيب العزم والعمل، فهذا العيد مناسبة للتفاؤل والفرح والثقة أن الله لن يضيع الصادقين المخلصين، وإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. غير أن من المهم في مواسم الأعياد، ومواسم الحزن الكبير، أن نرى ملامح الخير، وبوادر نصر الحق، وهي حقائق نعيشها اليوم، وكل يوم، في أمة تنهض وتتمرد على ضعفها وقهرها وتخاذلها، رأينا حقائق الخير المشرق يلوح في كل مكان، فلا يجوز أن ننشر ثقافة اليأس والخذلان، والتيئيس.
إن المسلمين اليوم يصنعون تاريخ العصر، ويصنعون مستقبل البشرية، يرتكبون أخطاء كبيرة، ويمسهم الضر والقهر الشامل، ولكن عليهم ألا يستسلموا لطغيان، ولا لخطأ يكرروه. فهم نور هذا العصر ونور كل العصور، وهم صناع يوم العالم أو يجب أن يكونوا هداته، وهم شغل العالم اليوم، فهم صناع الخبر وأهل الرد، وومنهم الأمل والألم والموافقة والمعارضة، إنه عملاق ينهض، فيخطىء ويخطأ عليه، لكنه قائم سائد لا محالة. فهو الفكر الجديد، وهو الدين الجديد، وهو العهد الأخير، يوم ينتشر البغي والجور. إنكم أمة المستقبل العظيم مهما مررتم بآلام عريضة، أكتب هذا متيقنا قبل أن أقرأ محاضرة مهمة لجون أسبزيتو ألقاها قبل حادثة نييورك ونشرت بعد الحادث- يقول هذا القرن الجديد " قرن الإسلام" ثم يقول: "إن الإسلام يؤكد نفسه ويقوى ليس في بلاده بل في لندن وباريس ونيويورك وديترويت." ثم يعترف بأن التشويه وبن لادن والكلاشنكوف ستستمر وسائل لتشويه الإسلام. فكيف بعدما حدث ما حدث؟ 
ولكن الحزن والمجازر والتشويه والمجاعات قد تمنع البعض عن رؤية الخير والفجر القادم، وتحجب الأمل والرؤية الصادقة. وعلينا أن نعمل لفجر قريب عاجل، يرفع عنا المظالم، وينشر الخير للبشرية جمعاء. إننا أمة العدل والتوحيد والسلام، و نريد للبشر الخير والسعادة والأمن، ولم يمر بالأمة من محنة كان لها فيها موقفا واحدا كهذه المحنة، فالمسلمون أجمعون وبصوت واحد وقفوا ضد الظلم والفساد والعنف، وهم ضد قتل الأبرياء، من الأطفال والنساء والجوعى الخائفين من أي جنس.
ومنذ قرون لم يجمع المسلمين موقف واضح كما جمعهم هذا الموقف، وعلينا أن ننشر بعده اليقين بمستقبل أفضل وأن ينشروا الأخوة والتسامح بيننا وفي العالم، ولا ننشر ثقافة المماحكة على الجزئيات، ألا تفرحون بأن قل اختلافكم على القضايا الكبرى للأمة.