غلالة السيادة

 

بقلم :   د. خالد عبدالله *

 

خلال الأسابيع الأخيرة رشقنا المسؤولون في السلطة الفلسطينية من خلال وسائل الإعلام  بوابل من شعارات السيادة ووحدانية السلطة في اتخاذ القرارات التي تنظم حياة الشعب الفلسطيني أتبعوها برصاص حقيقي في اتجاه أبناء هذا الشعب حتى يفقهوا مضامين هذه المقولة. وردد العديد في الإعلام العربي هذه الشعارات رجاء أن يكون في الترداد تأكيدا لمصداقيتها وإثباتا لمشروعيتها. بل كدنا نتوهم من الزبد الطافي على شفاه المسؤولين الفلسطينيين من قوة تيار الكلمات المتدفق حماسا أن سلطتنا الفلسطينية قد تمكنت مما يتاح للدول من استقلالية ممارسة سياستها الخارجية ومن أهلية اتخاذ القرارات المستقلة في كافة شؤونها الداخلية. وإن اعتور هذه السيادة بعض الشوائب فهو أمر اقتضته ضرورات موازنة التبادل الطوعي للالتزامات الدولية، واستدعته متطلبات التنازلات المتكافئة لإبرام المعاهدات والاتفاقات الثنائية والجماعية.

ولكن قاتل الله شارون وبوش اللذين أبيا إلا أن يزيحا غلالة التزويق والتزيين التي أحسن إسدالها على الوجه القبيح للتسوية السياسية كلا من بيريز وكلينتون. وأصرا بوقاحة زعر الحارة على إظهار الشناعة المخزية للتسوية السياسية بأجلى معالمها، ليس تلذذا بتسليط الإهانة على السلطة وتحقير رموزها فهذه مسألة عارضة قلما يسعى إليها لذاتها في العلاقات الدولية بل يتوسل بها للحسم والفصل في واقع الحال وما يرجى أن يؤول إليه في نهاية المسار. فأن يحبس رئيس السلطة الفلسطينية في غرفته ليس مرده فرق القوة بكل صورها حاليا بل ما أنجزته هذه القوة من وقائع وأحدثته من أوضاع ابتداء. فهذا الحبس تجيزه اتفاقات أوسلو نفسها التي قسمت الأراضي الفلسطينية إلى إقطاعيات مختلفة الصور القانونية، أصغرها، أي قطاع ألف يتجول فيه المسؤول الفلسطيني والمواطن الفلسطيني بدون إذن إسرائيلي مسبق. ولكن العبور من أحد أجزائه إلى أخريات منه من خلال أجزاء من القطاعين الآخرين، أي باء وجيم، يستوجب الإذن الإسرائيلي الذي تعبر عنه حواجز الحدود، حيث يمتلك الجندي الإسرائيلي الواقف عندها صلاحية أن يمنح التأشيرة أو يمنعها بل أن يعتقل العابرين إن ظهرت أسمائهم على قائمة المطلوبين الإسرائيلية. فأوسلو لم تضع الحدود الخارجية لفلسطين تحت السيادة الإسرائيلية فحسب بل كل الحدود الداخلية. ولذلك فالفلسطيني سواء أكان رئيسا أم بائع خضرة كما يحتاج للإذن الإسرائيلي حين السفر إلى بلدان العالم يحتاج هذا الإذن حين الانتقال بين الكانتونات الفلسطينية. ولكن استعيض عن الجوازات وتأشيرات السفر بأساليب أخرى تعمل عمل الجواز والتأشيرة، فبدلا من منحها في السفارات تمنح عموما عند حواجز الطرقات. وقد كانت حكومة العمل تميز بين صفوة أوسلو والشعب الفلسطيني حين منح التأشيرات، فتعطي الصفوة امتيازات الدرجة الأولى وتحرم بقية الناس، في كثير من الأحيان، من متطلبات المعاملة الإنسانية. لكن شارون ألغى، مؤخرا، الفروق الاجتماعية لأنه ظن أن الصفوة تتلكأ في القيام بما أسند إليها من واجبات وتتقاعس في تنفيذ ما يترتب عليها من استحقاقات. فهو لم يلغ حقا ولكن استرجع تفضلا. فهو سحب قطعة الحلوى من أفواه صفوة أوسلو التي تزبد وترعد تلقينا للفلسطينيين، حيثما ألقتهم سياسات الحكومات العربية والقيادات الفلسطينية في سقر الاحتلال الإسرائيلي أو في مهاوي الغربة الداخلية والخارجية، عن أهمية وحدة السلطة وخطر تعددها، كأن الشعب الفلسطيني لا يعرفها حينما يراها.

غير أن حبس رئيس السلطة الفلسطينية في غرفته ليس مرجعه وحدة السلطة بل هرميتها التي أثبتتها اتفاقات أوسلو. فالشريك الأكبر في أوسلو غاضب على الشريك الأصغر لأنه لا يحسن الامتثال للقرارات ولا يتقن تنفيذها. فهو يقول للسلطة الفلسطينية لا مانع من تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر لكن في نهاية المطاف هناك مرجعية واحدة هي القرار الإسرائيلي. تماما كما تقول السلطة الفلسطينية للفصائل الفلسطينية أن هناك مرجعية واحدة هي قرارات صفوة أوسلو. ولذلك، لا ترى إسرائيل غمضا لبأسها أن يعرض قادة الأمن الفلسطيني وجهات نظرهم في كيفية التنفيذ لكن عليهم أن يرضخوا في النهاية للقرار الإسرائيلي. فحينما تقدم إسرائيل إليهم قائمة بأسماء الذين ينبغي اعتقالهم فينبغي القيام بذلك، وحينما تطلب إغلاق بعض المؤسسات فيجب فعل ذلك، وعندما تصر على وقف الانتفاضة فلا بد من الامتثال لذلك. وتسقط صفوة أوسلو المشهد نفسه على الفصائل الفلسطينية ، إذ تقول لهم لكم ما تشاءون من الحرية في أن تقولوا ما تعتقدون وأن تشيروا بما تريدون ولكن لا تمارسوا إلا ما نأذن به.

غير أن صفوة أوسلو تتجاهل أن الفصائل الفلسطينية لا تنازعها الحكم في أي شأن تركته لها إسرائيل لها، بل لا تخاصمها حتى في قبح إدارتها للأمور التي فوضت بها. فكل ما تفعله هذه الفصائل هو تحدي السيادة الإسرائيلية ومقاتلة السلطة الإسرائيلية. ومع ذلك تعتبر السلطة الفلسطينية أن ذلك إضعافا لسلطتها وهو حق. فطالما أن سلطتها مستمدة من التفويض الإسرائيلي فإن عدم تصديها للانتهاكات من الشعب الفلسطيني لأحكام اتفاقات أوسلو سيؤدي إلى أن يمنع الإسرائيليون عنها صلاحياتها وأن يحجبوا عنها امتيازاتها كلما تعرضت سيادتهم نفسها للتحدي وسلطانهم للمواجهة. ولا يمكن لنا أن نحاجج بأن الإسرائيليين لا يحترمون قواعد الاتفاقات ولا يحرصون على تنفيذها بل ينتهكوها. لأنه ما الذي تستطيع السلطة أن تفعله سوى أن تقول للإسرائيليين اسحبوا الامتيازات منا، وهذا يعيدنا إلى أس المشكلة التي من أجل هذه الامتيازات تقتل السلطة أبنائها حتى تحررهم.

فمقولة السلطة الواحدة غلالة رقيقة من التعليل الزائف تخترقها أية نظرة فاحصة ومدققة لما يختبئ خلفها. فليست هناك إلا سيادة واحدة هي السيادة الإسرائيلية كما تقرر أحكام أوسلو، ولكن هناك تفويض ببعض صلاحياتها لجماعة أوسلو. والتهديد الإسرائيلي لا يمس التفويض بل يمس الجهة التي أعطيت التفويض. فهو خطاب إلى جماعة أوسلو أنكم بفشلكم في منع التحدي للسيادة الإسرائيلية لا تستحقون الامتيازات الممنوحة لكم، ولذا فنحن في بحث جاد عمن يتصدى للمهمة من داخلكم أو من خارجكم. فلم الافتراض أن إسرائيل تريد العودة إلى المدن والقرى وتعيد إلى نفسها أعباء طالما تمنت الخلاص منها؟ فشارون نفسه يريد إقامة دولة فلسطينية في هذه المدن والقرى لا غير، دولة لا يهمه من يتولى أمرها من الفلسطينيين إذا ما أحكمت العلاقات بينها وبين إسرائيل بعلاقات التبعية القانونية. ومشكلة شارون مع بعض جماعة أوسلو أنهم وإن لا يعارضوا جوهر علاقات التبعية فإن مطالبهم تتجاوز مجرد المدن والقرى، وهو ما لا يقبله لأنه يفسد استراتيجيته الناظرة عبر الأفق إلى " الترانسفير" الهادئ والتدريجي للفلسطينيين إلى بقاع الأرض المختلفة.

ولقد بدأ التهديد الشاروني يقلق الطرف الأكثر " اعتدالا" في معسكر أوسلو الشديد الاعتدال خشية أن تزول الصلاحيات وأن تغيب الامتيازات، ولذا بدءوا يراودن شارون على مستويين. المستوى الأول، التحريض على لجم الفصائل الفلسطينية وعلى إسكات الانتفاضة بذريعة وحدة السلطة التي لا يهدد صلاحياتها أحد، وبحجة عدم إعطاء التبريرات لشارون كي لا يواصل عدوانه، وكأنه في كل ما يقوم به ينتظر الفرصة ويهتبل المناسبة، بل هو في حقيقة الأمر يوسع مجال العدوان تخطيطا وتنفيذا حتى يتبين حدود التحمل الفلسطيني، طلبا لخنوعه لممارساته وانتهاكاته تماما كما فعل في زيارته للأقصى وفي عمليات الاغتيالات وفي اقتحام المدن وفي غيرها. فسياسة شارون اختبار متواصل للفلسطينيين وللعرب وللمجتمع الدولي لمعرفة المدى الذي يستطيع الذهاب إليه في تنفيذ استراتيجيته. ومن هنا فإسكات المقاومة خطأ فادح لأن في ذلك إغراء له لمواصلة سياساته. المستوى الثاني، التفاوض مع شارون لتعديل بعض مقترحاته بشأن التسوية النهائية، بل لا يستبعد أن هذا البعض من أعضاء نادي أوسلو يفاوض على أقل مما عرضه باراك. ولن تنقصهم المبررات لاقتراف الإثم الجديد تماما حينما لم يفتقدوها حينما أبرموا اتفاقات أوسلو. فحينما دبروا أمر أوسلو في ليل حالك كان العرب أفضل حالا ينتظرون رد الجميل من أمريكا على مشاركتهم لها في ضرب العراق، أما الآن فلم تنحن منهم الرؤوس لعاصفة البطش الأمريكية بل اختفوا تماما تحت رمال الصحراء هلعا ورعبا. وأصبح المجتمع الدولي أقل اكتراثا، ما بين دول ضعضعها الخوف وأخر أغرقها الطمع وكلها ترى غيبوبة الموقف العربي وتهالك السلطة الفلسطينية، فما أغنى عنها متاعب يهرب منها من واجبهم التصدي لها. ولن يهتم هذا البعض من نادي أوسلو بالرأي العام الفلسطيني فقد أبلغوا رسالتهم إليه صارخة في جباليا.

ولا ينبغي أن تشدهنا إمكانية أن تضيع الحقوق الفلسطينية في غفلة منا. فالظنون لا تقتصر على ما حصل من رواد أوسلو حينما اختزلوا الشعب الفلسطيني بخمسة منهم بخسوه ذكائه حينما لم يعلموه بما يدبرون، بل أنهم لم يثقوا فيمن كلفوهم بالدفاع عن حقوقه. ثم ظلموه حينما عقدوا تلك الصفقة الجائرة. والشكوك تتدافع في عقول الناس تمليها ممارسات السلطة على مدى السنوات التي أداروا فيها بعض أموره. فكانت سنوات عجاف في الذمة المالية والمسؤولية السياسية والتنكيل الأمني. وتتعاظم الريب من إرهاصات سلوك السلطة الراهن في كيفية إدارة مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي الذي تتعالى فيه امتيازات السلطة على ما عداها. بل أنها أصبحت تستعين بالعرب الرسميين ضد الانتفاضة تطلب منهم مناشدتها أن توقف فعاليتها، بل أن العرب تحت ناظريها وبرضاها ومشاركتها تجاهلوا الانتفاضة إن لم يكن بطلب منها. هذه سنوات عديدة كان شغل نادي أوسلو زراعة الشوك فيها فما عسى أن يكون حصاد الشعب الفلسطيني منها؟

 

* الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن