كلمة
مجدي أحمد حسين أمين عام حزب العمل أمام مؤتمر دعم الإ نتفاضة والمقاومة في بيروت
20- 21 ديسمبر 2001
بسم الله الرحمن الرحيم
يكتسب اجتماعنا اليوم أهمية قصوى .. ليس فقط
لتضامنه و دفاعه عن أبرز الظواهر الايجابية للأمة فى هذه الآونة العصيبة .. ألا
وهى المقاومة و الانتفاضة - ليس من أجل ذلك فحسب - و انما أيضا لارتباطه بظاهرة
الهجوم العدواني الصليبى الأمريكى الصهيونى على أمتنا العربية و
الاسلامية بامتداد الكرة الأرضية بأسرها و بشكل خاص على الأمة العربية و بالتركيز
بشكل أخص على معاقل القوة و الاستقلال فى هذه الأمة .
و هذه الحملة تشكل ذروة طغيان الاستعمار
الأمريكى ( بعد اندحار الموجة الاستعمارية الأوروبية ) الذى بدأ يأخذ سمت
الاستعمار التقليدى بعد ان عجزت وسائل الاستعمار الجديد عن احكام القبضة الأمريكية
على مصالحها العالمية .. و هذه الحملة تستهدف تجريد الأمة العربية و الاسلامية من
كل امكانيات القوة المعنوية و المادية .. و هى حملة سافرة - بلا حياء - على كل
معانى الاستقلال السياسى و الاقتصادى و كل أشكال تمايزنا الحضارى وصولا الى تهديد
العقيدة الدينية و التدخل فى اعادة صياغتها بمعايير أمريكية من خلال التدخل فى
برامج التعليم و التشريع و كل مناحى حياتنا الثقافية و الاجتماعية .
محور الحملة الصهيونية الأمريكية يتركز فى
فلسطين .. و حول فلسطين سيحسم هذا الصراع العالمى .. و فى مواجهة هذا الاصرار
العدوانى الأمريكى الصهيونى على تجريد الأمة من أبسط حقوقها بعد رفع شعار "
الحرب ضد الارهاب " كشعار عام لا معنى له الا اعطاء عنوان لكل ماهو معادى
لهذه الارادة العدوانية الشيطانية .
فى هذا الاطار لا يمكن لهذه الأمة ان تواجه هذا
الصلف العدوانى على طريقة محاولة النجاة بصورة منفردة - تجزيئية - فهذا أسلوب
تأباه المبادئ و الأخلاقيات و العقيدة .. و هو أسلوب علمنا التاريخ انه يبوء
بالخسران دائما .. و لن ينجو طرف عربى و اسلامى واحد من هذه الحملة الصليبية الا
بالوحدة و التكاتف و التآلف صفا واحدا .
لقد آن لنا أن نعيد الاعتبار لكل المعانى
الصحيحة و السامية فى تاريخنا المعاصر و على رأسها تشخيص ان أزمتنا الأولى و
الكبرى هى فى التجزئة القومية و نضيف اليوم التجزئة القومية و الاسلامية ..
فالمثير للدهشة و الاستنكار ان أعداءنا - أمريكا و الصهيونية - يتعاملون معنا ككتلة
واحدة - عربية اسلامية - بينما نرفض نحن ان ندرك اننا كتلة واحدة و يجب ان نتعامل
مع أنفسنا و مع أصدقائنا و مع أعدائنا على هذا الأساس .
ان أمريكا تلوح الآن بأنها ستضرب هذا البلد أو
ذاك .. تاركة مساحة من الغموض عن عمد .. حتى يبحث كل طرف على حدة عن خلاصه الخاص
.. وهذه لعبة ماكرة قديمة لقوى الطغيان .. ولكن يجب ألا نظل نلدغ من نفس الجحر
عشرات المرات .
لقد آن لنا ان نعيد الاعتبار لثوابت نضالنا و
جهادنا المعاصر .. فلا تفرقة بين أمريكا و اسرائيل .. أمريكا هى راعية هذا الحلف
الاستكبارى العدوانى الذى يضع أمتنا فى صدر أولوياته لأسباب استراتيجية معروفة .
ان التطورات الداخلية الأمريكية فى أعقاب أحداث
11 سبتمبر تطورات عميقة أظهرت الوجه القبيح للولايات المتحدة لمن لم يكن يراه ..
كما ان وجهها قد أصبح أشد قبحا .. وهى تتجه لعسكرة العولمة .. و تعميق اسس
الاستبداد الداخلى .
ان أمريكا لم يعد لها مجال للتشدق بعد الآن
بالحرية و الديموقراطية و حقوق الانسان التى داستها على الأرض الأمريكية أولا ثم
على الأراضى العربية و الاسلامية فى فلسطين و أفغانستان و العراق .
ان السعار الأمريكى الراهن لا يعكس لحظة صعود
هذه القوة العظمى .. كما ان الاستخدام المفرط للقوة المسلحة العدوانية لا يمكن ان
يخفى مظاهر التراجع الحضارى و الاقتصادى و الأمريكى .. أمريكا تأخذ أكثر من حجمها
بسبب السقوط المفاجئ للقطب السوفيتى دون ان تحل محله قوة عظمى متناطحة بصورة
حادة و فورية .. ولكن هذا لا يعنى اغفال صعود التعددية الدولية الاسيوية و
الأوروبية .. كما ان تماسك الكتلة العربية و الاسلامية من شأنه ان يجعلنا نستفيد
من القلق العالمى من الهيمنة الأمريكية .. ذلك ان الآخرين لن يخوضوا معاركنا نيابة
عنا .
كذلك فان توسيع جبهة العدوان الأمريكى من شأنه
ان يخلق معارضة أكثر اتساعا .. كما ان العدوان يولد القوة المناهضة له .. وهذه سنة
من سنن الله ولن تجد لسنة الله تحويلا .
ان نضالنا العربى و الاسلامى فى السنوات
القليلة الماضية برهن على بداية امتلاكنا لأسباب الانتصار و ان موازين القوى تتحرك
تدريجيا مهما كان ذلك بطيئا لصالح أمتنا .
لقد كان الانتصار اللبنانى الكبير - الذى قاده
حزب الله - فى مجال تحرير أراضى الجنوب اللبنانى أبرز ملامح هذه المرحلة الجديدة
التى اتجهنا اليها .. وكذلك تصاعد الجهاد الفلسطينى ضد الكيان الصهيونى .. أيضا
حيث نلاحظ ارتباط السعار الاسرائيلى ضد شعبنا الفلسطينى المجاهد بالخسائر التى
ألحقتها المقاومة الفلسطينية به وهى خسائر معنوية و مادية وضعت استقرار هذا الكيان
العدوانى على محك الاختبار أكثر من أى وقت مضى .
ان العمليات الاستشهادية ضد العدو الصهيونى
كانت ولا تزال بمنزلة القنبلة النووية العربية الاسلامية التى زلزلت أركان الكيان
الصهيونى و أعادت من جديد فكرة الهجرة المعاكسة لليهود الوافدين على أرض فلسطين و
ضربت مفهوم الأمن الاسرائيلى فى الصميم .
ان العمليات الاستشهادية من أعلى مراحل الجهاد
فى سبيل الله و ان من يسميها انتحارا يقدم سلاحا اضافيا للعدو الصهيونى .
ان الموقف الشرعى هو ان مجاهدة هذا العدو
الغاشم و انزال أكبر خسائر ممكنة به و اشاعة الرعب بين صفوفه هو أسمى آيات الجهاد
.. ونحن أمام استعمار استيطانى لا شرعية لوجوده علىأرض فلسطين ولا يوجد مدنيون فى
اسرائيل فكلهم محاربون فى الجيش الاسرائيلى بما فى ذلك المرأة .. ولااسلام لا ينهى
عن قتل النساء الا لأنهن غير محاربات فان حاربن فلا حصانة لهن .
ان الذى يريد ان يضيق على المجاهدين فى جهادهم
بينما هم يواجهون قصف الطائرات و الدبابات و المدافع و ان يضيق عليهم السبل بينما
هم واقعون أصلا تحت حصار لم يعرفه شعب آخر .. ان الذى يفعل ذلك دون أى سند من شرع
انما هو يقدم - سواء رضى أم لم يرضى - خدمة للعدو المستكبر .
اننا نحيي هذه النقلة النوعية فى الجهاد
الفلسطينى لحماس و الجهاد و الجبهة الشعبية و فتح و الديموقراطية .
ان التقدم نحو تعديل موازين القوى لصالحنا و ضد
هذا العدو استند الى :
أولا- هذه العمليات الاستشهادية و مختلف أشكال
المقاومة الأخرى باقتحام المستوطنات و اطلاق نيران الأسلحة الخفيفة و الهاونات و
العبوات الناسفة و الألغام بالاضافة الى الانتفاضة الجماهيرية الحاضنة للكفاح
المسلح .. حيث تحول العمل الجماهيرى لعمل استشهادى لا مثيل له و حيث تحول الشعب
بأسره الى شعب استشهادى .
ثانيا- وجود حالة من التوازن الاستراتيجى مع
العدو الصهيونى فى مجال أسلحة الدمار الشامل و الأسلحة الصاروخية اضافة لتوفر الحد
الأدنى من التسليح التقليدى لدى عدد من الدول العربية و ايران .
ان العدو الصهيونى - الأمريكى عاجز عن خوض
الصراع بنفسه لذلك فانه يعتمد أسلوب زرع الفتن و الشقاق و اشعال الحروب الأهلية أو
ازكائها .. هذا ما حدث فى أفغانستان و اليوم يحاول ذلك فى فلسطين عن طريق الضغط
على السلطة الفلسطينية لتقوم بدور حراسة الاحتلال ووقف الانتفاضة و دفع الأمور الى
نوع من النزاع الفلسطينى - الفلسطينى .
ان التقدم الذى حققه نضال الشعب الفلسطينى خلال
15 شهرا من الانتفاضة يرجع فى أحد أسبابه الرئيسية الى وحدة الصف الفلسطينى ..
وتماسك هذه الوحدة و الحفاظ عليها هو سلاح المقاومة الأول ..ولا يمكن ان يكون دور
السلطة الفلسطينية التى لم تحصل على أى مظهر من مظاهر الاستقلال - و وضعها لا يزال
أشبه بوضع حركة تحرير وطنى - اعتقال المجاهدين أو اغلاق الجمعيات الخيرية أو وقف
الصحف الوطنية أو الدعوة لوقف المقاومة المسلحة فى وقت لا يطرح العدو الصهيونى
الأمريكى الا العودة لطاولة المفاوضات .
ومع استمرار هذه الأوضاع فى فلسطين تواصل
الولايات المتحدة عدوانها على أفغانستان .. وقد تصورت بعض القوى العربية و
الاسلامية فى الحكم و المعارضة أنه يمكن التغاضى عن هذا العدوان الذى ضرب مثلا
أمريكيا جديدا فى سياسة الابادة و الاستئصال .. فى مقابل تحقيق مكاسب على الأرض الفلسطينية أو مقابل عدم ضرب أية دولة عربية و فى
مقدمتها العراق .
ان اعتداء الولايات المتحدة أو أية دولة أجنبية
على أى دولة اسلامية أمر مرفوض شرعا بالاجماع و يتطلب من كافة المسلمين التصدى له
و التضامن مع الدولة الاسلامية المعتدى عليها .. ولا عذر لمن وقف على الحياد أو
استكان الى الصمت .. أما من قدم أى عون مادى أو سياسى أو اعلامى لأمريكا فى
عدوانها فقد ارتكب اثما صريحا .. ومن الناحية العملية فان أى طرف عربى أو اسلامى
يتعرض لتهديدات أمريكية فانه لن ينجو منها مقابل تخاذله عن نصرة أفغانستان لأن
أمريكا تستهدف تركيع الجميع .. وان تركها تنفرد بكل طرف على حدة يسهل مهمتها و
يحولها بالفعل لقوة طاغية تبدو أكبر من حجمها .. ولو وقف العرب و المسلمون - حكاما
و محكومين - وقفة واحدة ضد هذا العدوان لما تمكنت أمريكا من ضرب أفغانستان بكل هذه
السهولة .. فهناك من قدم لها القواعد .. وهناك من فتح مجاله الجوى.. وهناك من قدم
المعلومات الاستخبارية .. وهناك من قدم العون الاعلامى لاعطاء مصداقية
لشعار أمريكا "الحرب ضد الارهاب " أو على الأقل باعتبار الأمر مجرد شأن أمريكى .
و الآن و بعد الشوط التخريبى الكبير لأمريكا فى
أفغانستان - رغم ان حربها لاتزال بعيدة عن ان تكون قد انتهت باعتراف المسؤلين الأمريكيين - قد بدأت حربها
"على الارهاب"
فى فلسطين بأيدى شارون الذى تلقى كل الدعم من
أمريكا و التى قامت بحملة فعلية بتجميد الأموال و المؤسسات المالية التى تظن انها
تمول الجهاد الفلسطينى أو تدعم صمود الشعب الفلسطينى ووجهت تهديداتها وممارستها
العملية ضد لبنان و حزب الله و سوريا و الصومال .. و تصعد أمريكا تهديداتها للعراق
- وهى تهديدات جدية - و لكنها لا تحظى بموافقة أوروبية و عالمية و لكن هذا لا يعنى
انها ستحيد عن هدفها بسهولة .
اذن عدم التصدى للعدوان الأمريكى على أفغانستان
- وهو عدوان لم تقدم أمريكا له أية أدلة رسمية لأى حكومة عربية أو اسلامية بخصوص
دور بن لادن لأحداث 11 سبتمبر - سهل مهمة أمريكا فى أفغانستان و لم يقدم أية ضمانة
لأى طرف عربى أو اسلامى .. اللهم
الا اذا ركع هذا الطرف للتهديدات الأمريكية .
أما تلويح الادارة الأمريكية بدولة فلسطينية هو
تكرار سقيم لمؤتمر مدريد أثناء حرب الخليج الثانية .. و الدولة الفلسطينية فى
المفهوم الأمريكى الاسرائيلى لا تمت بصلة الى أوصاف الدولة فى القانون الدولى ..
انها دولة بلا حدود أو سيادة أو جيش أو استقلال حقيقى عن الكيان الصهيونى .
ان عدم التضامن مع أفغانستان يسهل مهمة الخطوة
التالية فى المخطط العدوانى الأمريكى .. ولكن لايزال الوقت فى ايدينا لتصحيح مسار
الأحداث .. وهذا يعود بنا الى النقطة التى بدأنا بها حديثنا .
ان مشكلاتنا مع هذه الحملة الصليبية الممتدة لا
يمكن معالجتها بالقطعة ولكن بأسلوب العصبة أولي القوة .. ولا قوة بدون اتحاد .
اننا نقترح على المؤتمر بعد التبنى الكامل
لوسائل و أهداف المقاومة و الانتفاضة .. تدشين حركة شعبية متواصلة من أجل اعلان نوع من التحالف أو الائتلاف
العربى الايرانى ضد الحلف الصهيونى الأمريكى تكون نواته الأولى ( سوريا - لبنان -
ايران - العراق - المقاومة الفلسطينية )
.. وأن يتوجه مؤتمرنا هذا بأكبر عدد ممكن من أعضائه الى هذه العواصم داعيا
مسئولى هذه الدول الى أعلى درجة من درجات التنسيق و ان ننقل لهم نبض الشارع العربى
و الاسلامى باعتبار ان ذلك هو طريق التصدى الاساسى لهذه الحملة الصليبية الممتدة
.. وان الاعلان عن هذا التجمع سيكون من شأنه تعبئة القوى الشعبية
وراء أمل حقيقى و سيدفع مزيدا من الأنظمة و القوى للانضمام اليها .. و يمكن اختصار
الاقتراح لأسباب عملية فى تشكيل وفد شعبى من هذا المؤتمر الذى يضم نخبة من الأمة
العربية للقيام بهذه المهمة .. وفى اعتقادنا أنه بدون هذا التحالف فان الحلف
الصهيونى الأمريكى سيزداد طمعا فى النيل من أمتنا العربية الاسلامية .
لاشك لدينا فى أن النصر سيكون حتما لأمتنا ..
ولكن مع الأخذ بأسبابه .. ولا يمكن أمام حرب عالمية بهذه الضراوة أن نواجهها
متفرقين .