لصالح من توقيف الانتفاضة ؟!!*

 

بقلم دكتور مجدي قرقر

qorqor53@hotmail.com

      

بالقطع يكون من نافلة القول التأكيد على اتفاق المصالح والأهداف بين الطرفين الرئيسيين في الحلف الصهيوني الأمريكي .. أمريكا وإسرائيل .

       الفكرة الرئيسية في هذه المداخلة هي أن توازنات القوى في الصراع العربي الإسلامي مع الحلف الصهيوني الأمريكي يمكن أن تتغير باطراد لصالحنا إن نحن أحسنا استخدام إمكاناتنا .. حتى وإن أظهرت الأحداث الأخيرة غير ذلك !!!

       وعندما نتحدث عن ميزان القوى فإننا نقصد القوى بمفهومها الشامل ( الحضاري العقائدي الثقافي الديموجرافي الاقتصادي العسكري ……….الخ ) .

*****

توازنات القوى على مستوى الداخل الفلسطيني

       أبدأ من الدائرة الأضيق أو ببؤرة اهتمامنا اليوم " الانتفاضة والمقاومة في فلسطين والجنوب اللبناني" .. على مستوى الداخل الفلسطيني فإن توازنات القوى تتزايد باطراد لصالحنا رغم المعاناة والمكابدة التي يكابدها الأهل في فلسطين السليبة وفي جنوب لبنان المحرر .. وقد بلغت المقاومة ذروتها في حرب تحرير الجنوب اللبناني بقيادة حزب الله وانتفاضة الأقصى المباركة بمشاركة كافة الفصائل الفلسطينية بانتماءاتها السياسية المختلفة .

       الدليل على تزايد توازنات القوى باطراد لصالحنا هو سعي أمريكا وإسرائيل للجلوس على طاولة المفاوضات .. هذه الطاولة التي لا تظهر إلا عندما ينهك العدو مع كل انتفاضة .. مدريد وأوسلو تزامنت وأعقبت انتفاضة 1987 .. مؤتمر شرم الشيخ 1996 أعقب العمليات الاستشهادية في تل أبيب واجتمع العالم كله في 48 ساعة لوقف ما أسمته أمريكا بالإرهاب ورفض الرئيس اللبناني وقتها " إلياس الهراوي " حضور المؤتمر لاعتراضه على ربط حق المقاومة بالإرهاب .. ما أود أن أقوله أننا إذا كنا نألم فإنهم يألمون أكثر مما نألم .

       لقد قمت بعمل دراسة إحصائية عن حصاد انتفاضة الأقصى في عامها الأول لتحليل أبعاد وتداعيات الانتفاضة معتمدا على بيانات موقعي مركز الإعلام الفلسطيني ووزارة الصحة الفلسطينية على شبكة الإنترنت .. وفي حدود مساحة الوقت المتاحة أكتفي هنا ببعض الإشارات السريعة التي تؤكد ازدياد توازنات القوى باطراد لصالحنا :

¨        قدم الشعب الفلسطيني خلال العام الأول من الانتفاضة 675 شهيدا

مقابل 184 من القتلى الإسرائيليين

كما قدم الشعب الفلسطيني ما يزيد على الاثنين وعشرين ألفا من الجرحى والمعوقين

¨        نسبة القتلى الإسرائيليين في انتفاضة 87 = 2.50 %

مقارنة بنسبة الشهداء الفلسطينيين في انتفاضة 87 = 97.50 %

¨        هذه النسبة تعدلت في انتفاضة الأقصى 2000 كما يلي :

زيادة نسبة القتلى الإسرائيليين إلى = 22.00 %

انخفاض نسبة الشهداء الفلسطينيين إلى = 78.00 %

¨   أي أن نسبة القتلى الإسرائيليين تضاعفت ما يقرب من العشر مرات في انتفاضة الأقصى 2000 عنها في انتفاضة 1987 .

¨   إن 50.00 % من الشهداء الفلسطينيين في سن الشباب في المرحلة السنية ما بين 15 عاما & 25 عاما .. وهي نفس النسبة تقريبا بين الجرحى .

¨   في الأشهر الثلاثة الأولى كان أقصى معدل للشهادة هو يوم الجمعة ثم ينخفض المعدل على مدار الأسبوع ليعود فيتصاعد يوم الجمعة مرة أخرى ثم ينخفض باقي أيام الأسبوع وهكذا .. أي أن كل يوم الجمعة كان يحمل وقودا جديدا للانتفاضة .. ومن هنا يلاحظ ارتباط الانتفاضة بالمسجد وبالشباب .

¨   ولأن الشباب هو القوة الفاعلة في الانتفاضة فقد قامت إسرائيل بمنع الشباب من صلاة يوم الجمعة في المسجد الأقصى بهدف التخفيف من حدة الانتفاضة .

¨   ورغم أن إسرائيل دار حرب وكل من فيها من الصهاينة من المحاربين فإن نسبة القتلى من المجندين والمستوطنين ( المستعمرين ) 52.00 % بينما نسبة القتلى من الصهاينة ممن يلبسون ملابس مدنية 48.00 % .

¨   إن معدل الاستشهاد في انتفاضة الأقصى ضعف معدل الاستشهاد في انتفاضة 1987 بما يعني أن زخم هذه الانتفاضة ضعف انتفاضة 1987 .. وإذا كانت انتفاضة 1987 قد استمرت سبع سنوات في تقديرنا وعشر سنوات في تقدير الأعداء فإن هذه الانتفاضة بالقياس لديها قوة الدفع التي تضمن استمرارها سنوات وسنوات وبالتالي فإن توقيف الانتفاضة أو التفريط فيها جرم كبير ولا يخدم سوى الأعداء .

*****

توازنات القوى على المستوى الإقليمي العربي الإسلامي

       على المستوى الإقليمي العربي الإسلامي فإن توازنات القوى بمفهومها الشامل ( الحضاري العقائدي الثقافي الديموجرافي الاقتصادي العسكري ……….الخ ) في صالحنا إن نحن أحسنا استخدام إمكاناتنا كما أشار الأخ الحبيب الأستاذ مجدي أحمد حسين .. إلا أن هناك أربعة عوامل يجب تجاوزها ليظهر ميزان القوى في وضعه الصحيح :

  1.   ألا ننخدع حكاما ومحكومين بما تبثه الآلة الإعلامية الغربية من تضخيم للمارد الأمريكي ومن ادعاء بأن الحروب التي تخوضها أمريكا حروبا نظيفة ولا تسبب خسائر لها .

  2.   أن نعمل المبدأ القرآني الخاص بعدم جواز موالاة الكافرين .. وأمريكا رأس الكفر والصليبية والعنصرية أهدافها واضحة في ضرب الإسلام والمسلمين .. وللأسف الشديد فإن باكستان الإسلامية ستكون أول من يكتوي بنار الأمريكان رغم خيانة رئيسها " برويز مشرف " ومساعدته لأمريكا في ضرب أفغانستان وكذا إيران الإسلامية التي أعلت خلافاتها المذهبية مع أفغانستان على ولائها العقائدي للإسلام .

  3.   أن نتجاوز أطر التجزئة التي فرضها علينا الاستعمار وأن تكون البداية في التنسيق المخلص للتصدي لأهداف الحلف الصهيوني الأمريكي وأن نتجاوز النظرة القطرية إلى النظرة الأمريكية الأشمل التي تستهدف الجميع لحسم الصراع العربي الإسرائيلي لصالح إسرائيل .. وهو ما أشار إليه الأستاذ مجدي أحمد حسين .

  4.   أن نعمل جاهدين أن تكون هناك مصالحة وطنية على المستويات القطرية بهدف مشاركة كل القوى حاكمة ومحكومة في هذه المعركة المصيرية مع الحلف الصهيوني الأمريكي .

*****

توازنات القوى على المستوى الدولي

       في الدائرة الأوسع .. إذا كانت أمريكا قد حاولت تأكيد هيمنتها وسطوتها وقطبيتها الوحيدة في العقد الأخير من القرن العشرين فإن أحداث 11 سبتمبر 2001 هي بداية هبوط المنحنى الحضاري الأمريكي بأبعاده المختلفة .. هذا الهبوط سيكون في إطارين .. داخل الحدود الأمريكية وخارجها .

في الداخل الأمريكي يتخوف الكثير من مفكري الغرب ومن أبرزهم " بريجينسكي " مستشار الأمن القومي الأسبق في كتابه " خارج نطاق السيطرة " على مستقبل أمريكا والغرب وأن أزمة الغرب القادمة هي أزمة الديموقراطية الغربية التي يتهددها خطر " كل شئ مباح " داخل المجتمع الأمريكي .. هذا الذي سيؤدي إلى إشاعة الفوضى داخل الولايات المتحدة .. وأظن أن هذا العامل كان عاملا فاعلا في أحداث 11 سبتمبر .. عوامل التحلل كامنة في المجتمع الأمريكي .. السماح للشواذ بالتجنيد في الجيش الأمريكي .. شيوع الجريمة والعنف .. سرقة الأموال .. إفساد أنظمة المعلومات وسرقتها عبر شبكات الإنترنت .. كل هذه مظاهر من مظاهر التحلل في الداخل الأمريكي .

       في الإطار الخارجي فإن هناك تراجعا نسبيا في قوة الولايات المتحدة وهذا ما يشير إليه "بول كيندي" في كتابه " قيام وسقوط القوى العظمى " .. هذا التراجع في قوة الولايات المتحدة نتيجة لتوسع التزاماتها ومصالحها الخارجية بما يفوق بدرجة أكبر إمكاناتها وقدرتها الفعلية في الدفاع عن هذه المصالح في آن واحد ولعل هذا هو السبب الرئيسي في تجزيء أمريكا لأهدافها في الحرب الأخيرة ضد ما يسمى بالإرهاب كما يرجع هذا التراجع إلى انصراف الحلفاء عنها .. ولنقارن عدد حلفائها وحجم تمويلهم لحرب الخليج الثانية بعدد حلفائها وحجم تمويلهم لحربها المزعومة ضد الإرهاب .

       إن دورة الحضارة حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها أو التصدي لها .. كما أن وجود قطب واحد يحكم العالم مخالف لسنة الله في الأرض دفع الناس بعضهم ببعض .

       ختاما فإن القضية الفلسطينية قضية كل العرب والمسلمين يجب أن تكون هي القضية الحاكمة في علاقتنا بالولايات المتحدة .. ثم أن هذه العلاقة يجب أن تبنى على تقييم صحيح لتوازنات القوى بمفهومها الشامل .. ثم أنها يجب أن تقوم على أساس من الاعتزاز بأنفسنا وأوطاننا وديننا وحضارتنا .

       وإذا كانت أمريكا توزع الاتهام بالإرهاب على الجميع فإنني أقترح وصم أمريكا والصهيونية بالإرهاب ليس في متن البيان الختامي للمؤتمر فقط ولكن في عنوانه أيضا والذي أقترح أن يكون :

" دعما للانتفاضة والمقاومة .. وتصديا للإرهاب الأمريكي والصهيوني "

 

* نص مداخلة ألقيت في المؤتمر العربي العام للدفاع عن المقاومة والانتفاضة - بيروت 20 & 21 ديسمبر 2001