كيف
نهزم الصهيونية الأمريكية
بقلم
: محمد عبد اللطيف حجازي
mehegazi@yahoo.com
مازالت بعض الدوائر الرسمية بالدول
العربية تجهل أو تتجاهل ميكانيكية اتخاذ القرار الأمريكي، وكيف يمكن لي ذراع
أمريكا للتخلي عن المساندة المطلقة للعدو الصهيوني.
القرار الأمريكي تتخذه الأغلبية
الحكومية اليهودية ومن يدور في فلكها من السياسيين المنتفعين، لكن هؤلاء اليهود
الأمريكيين إذا ما تعارضت مصالحهم الأمريكية مع مصالحهم الإسرائيلية فإنهم يفضلون
الحفاظ على المصالح الأمريكية، على عكس ما يؤمن به البعض من أن مساندة أمريكا
لإسرائيل شيء راسخ ومطلق لا يمكن زعزعته. لن يفيد مع القادة العرب استمرار الإذعان
لأمريكا ومحاولة إرضائها. ولن يمنع قيام رؤساء اليمن أو الصومال بإبداء كل مظاهر
الذل والتبعية من ضربهما مستقبلا، لأن أمريكا اليوم لا يهمها أمر الأذناب لأنها
موقنة من أن أي حاكم قديم أو جديد بالوطن العربي - بل وبأي جزء من العالم – لا بد وأن يقدم فروض الولاء والطاعة للقوة العظمى. وقد أعلنت أمريكا عن نواياها من حيث
المبدأ، وترددها الحالي هو فقط بشأن متى تبدأ وبمن تبدأ. وقد أعلن رامزفيلد بكل
تبجح ووضوح أن "القائمة جاهزة".
هناك عشرات الإجراءات الني يمكن بها
إرهاب أمريكا الإرهابية وإرغامها على تغيير سياستها، لكن كل تلك الإجراءات تتطلب
من المسئولين العرب قدرا من الحصافة والمعرفة - إلى جانب الحزم والشجاعة - أراه
غير متوفر لأي منهم باستثناء الرئيس السوري بشار الأسد الذي صدرت عنه في أكثر من
مناسبة آراء واقتراحات جريئة واعية لم تجد لها صدي لدى بقية الرؤساء العرب، الذين
تتراوح ميولهم كألوان الطيف ما بين عميل متبجح إلى جاهل أحمق إلى جبان متخاذل إلى
عاجز فقد الذاكرة.
على سبيل المثال: ماذا يمكن أن يحدث؟ لو
قامت الحكومات والأفراد – بالدول العربية التي لا تتسول المعونة الأمريكية – بنقل أرصدتها من الدولارات الأمريكية تدريجيا من أمريكا إلى بنوك
فرنسا أو إلى أي دولة يختارونها بطريقة منظمة ودون تهديد أو وعيد، حتى لا تجمد
أمريكا تلك الأرصدة ،ثم بعد ذلك يتم – في عمل جماعي فجائي سريع وموحد ومنظم – تحويل تلك الأرصدة من الدولار الأمريكي إلى اليورو في يوم واحد.
النتيجة الحتمية هي ارتفاع قيمة تلك الأرصدة لأن زيادة الطلب على اليورو ترفع من
سعره وفي المقابل تتدهور قيمة الدولار الأمريكي نتيجة الغمر المفاجئ للسوق. ومع
ضعف قوة الدولار الأمريكي تضعف أمريكا وتصبح أقل تبجحا في إعلان نواياها ضرب دول
عربية بحجة مطاردة الإرهاب. من الطبيعي أن تقاوم الدول المتسولة مثل تلك النوايا
لأن قيمة ما تتسوله من الدولارات الأمريكية تنخفض عندما تتم سرقتها بمعرفة النخبة
الحاكمة وبطانتها من اللصوص والمرتشين والمنتفعين وتحويلها إلى الحسابات الخاصة
بالخارج.
تلك هي نفس اللعبة التي لعبتها أمريكا
وضربت بها اقتصاد بعض دول جنوب شرق آسيا. إن مثل هذا العمل الذكي يكون له من الأثر
ما هو أبعد من ضرب بنايتي رموز الاحتكار والهيمنة التجارية بنيويورك والعربدة
العسكرية بواشنطون والذي تم بأيد ما زالت مجهولة في 11 سبتمبر 2001، والذي اتخذته
الآلة السياسية الصهيونية من بعد ذلك ذريعة لضرب أفغانستان بهدف تأمين مصالحها
البترولية بمنطقة بحر قزوين. ووضعت ستارا كثيفا على البحث في إمكان تورط إسرائيل
في هذا العمل باستخدام سلاح إلكتروني جديد يتحكم من على الأرض في أجهزة قيادة
الطائرات رغم أنف ملاحيها ويوجهها حيث شاء إما إلى البحر كما حدث في حالة
الطائرتين المصرية والبحرينية أو إلى المباني في حالة الطائرات الأمريكية.
تعتمد أمريكا على القوة المصطنعة
لعملتها وزيادة الطلب العالمي عليها فتطبع من تلك الدولارات ما شاءت وتكون النتيجة
أنها تستطيع الخروج من أزماتها الدولية بطبع المزيد من الدولارات الورقية ذات
الغطاء الوهمي التي يؤمن العالم بقوتها ويستمر في شرائها والحفاظ على مكانتها التي
لا تستحقها. القوة الاقتصادية الأمريكية الحقيقية تكمن فيما تنتجه من السلع
والخدمات الهامة كالمحاصيل الزراعية والحيوانية والمنتجات الصناعية مثل المكونات الإلكترونية
عالية القيمة. أما إنتاجها الغزير من منتجات الدمار – التي يعمل بالمصانع المتعلقة بها 15 مليون
أمريكي - فإنه عبء على اقتصادها من زاوية التقييم الاقتصادي السليم إذا ما أصابها
الكساد، ومن المفروض أن تخفض من القيمة الوهمية للدولار الأمريكي الذي يجب نظريا
أن ينهار في ظل المغامرات العسكرية المتكررة التي قامت وتنوي القيام بها آلة
الدمار الأمريكية الصهيونية.
مثال آخر لما يمكن أن تقوم به الدول
العربية الغنية - التي لا تتسول المعونة - هو تحويل قوتها الشرائية الهائلة من
السلع والخدمات - ودون إنذار – إلى السوق الأوربية والآسيوية. يومها تركع الشركات الأمريكية
وتمارس الضغط على الآلة السياسية لمحاولة إرضاء العرب. يمكن لتلك الدول أيضا سن
قوانين تمنع ملكية الأجانب (اليهود الأمريكيين عادة) للشركات التجارية والحد من
نشاطها الذي لا يفيد البلاد ويحول الأرباح والثروة إلى الخارج. هناك الكثير الذي
يمكن عمله لحماية الثروة العربية من العبث الأجنبي ولا تعدم تلك الدول العربية
خبراء من بين أهلها بعضهم على مستوى راق من العلم والمعرفة. وأهم من هذا وذاك أن
تحد تلك الدول من سطوة المخابرات المركزية الأمريكية التي تمارس نشاطها الضار
بالبلاد تحت واجهات تجارية وثقافية معروفة مثل مراكز الدراسات الاستراتيجية المشبوهة
وغيرها من وسائل تستر النشاط الاستخباراتي الأمريكي الصهيوني الذي يشكل خطرا جسيما
على أمن تلك البلاد العربية ودول الجوار الصديقة التي تعمل الاستخبارات الأمريكية
الصهيونية على بث بذور الفرقة معها باختلاق الخلاف ونشر الرعب منها بأسباب مختلقة،
وأوضح مثال على ذلك هو العلاقات المتوترة بين إيران وجيرانها العرب.
أما
الدول العربية المتسولة وعلى رأسها دولتان فقط تتبادلان العلاقات الدبلوماسية مع
العدو الصهيوني ولا تستطيعان الفكاك من ذلك الالتزام بسهولة فإن أمرها مؤجل
وفاعليتها لن تبدأ إلا بتغيير نظم الحكم الدكتاتورية بها وتمكين القوى الوطنية
الأمينة من إدارتها. تدل المؤشرات التاريخية على أن هذا أمر واقع لا محالة في
المستقبل المنظور، وربما في توقيت أبعد ما يكون عن خيال وكلاء الصهيونية بالمنطقة
العربية. تلك هي سنة التاريخ التي لا يملك العملاء لها تبديلا.
في نوبة من نوبات التجلي بين الأب
والابن ذات يوم سألت ابني الذي تجاوز الثلاثين "ما هو مقياسك للنجاح في هذه
الدنيا" فأجاب دون تردد "ألا أشعر يوما بالرغبة في البصق على الوجه
الماثل أمامي حينما أنظر في المرآة كل صباح" . تنهدت في حسرة وقلت له
"أنت إذن سوف تعيش فقيرا وتموت فقيرا". ابتسم وقال لي "وهل ندمت
أنت على ذلك؟". شردت ولم أرد لأنني فعلا لم يكن لدي رد، فاستأنف الفتى حديثه
"هل نسيت أنني ابنك؟" قلت له "كلا، ولهذا تجدني مشفقا عليك…الأيام
قاسية والناس لا ترحم…قد تتهم يوما
بالمثالية والسذاجة". قال "مالي والناس…المهم هو من
أنا وهل أنا أمين مع نفسي أم لا"…تأملت وجه
الفتى مليا فشعرت لوهلة وكأنني أنظر في المرآة…شعرت أنني
ربما أكون قد ظلمته، لأنني ربيته على خلق وغرست فيه بعض المبادئ التي لا تتواءم مع
العصر، لكن شعوري الحزين كان أيضا ممزوجا بشيء من الرضا. قال الفتى وكأنه يقرأ
أفكاري "كل إنسان يحدد طريقه في الحياة بنفسه… وقد حددت طريقي". قلت له "يبدو أنك قد
اخترت الطريق الوعر" فأجاب "إذا كبوت سأكون قادرا على رفع هامتي وسأبذل
جهدي حتى لا أنحني لأحد"… أنقذتني أمه وهي تنادينا للعشاء.