بقلم :د. نورة السعد
المجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي
يهيمن عليه إله واحد.. وهو المجتمع الذي يتحرر فيه الإنسان من سيطرة وطغيان العباد
إلى عبادة الله وحده.. هو المجتمع الذي تجتمع فيه مكونات العقيدة عندما تكون منهج
حياة تخضع له التشريعات والتعليمات وتوجه السلوكيات وتضبط العادات والتقاليد بكل
جزئياتها (دقّها وجلّها، سرها وعلانيتها).. وبالتالي كان ينبغي أن يكون هناك
التطابق بين جوهر التشريع وتحقيقه على الواقع الاجتماعي.. كي تتحقق عملية التوازن
بين حقوق الأفراد وواجباتهم تجاه بعضهم البعض.. بل وتجاه البيئة الطبيعية التي
يعيشون فيها وما فيها من كائنات ونباتات وجماد.
وقبل اتفاقيات وبيانات الأمم المتحدة
بقرون، جاء الإسلام ليقدم تشريعات حقوق الإنسان جنيناً وطفلاً وشاباً وشيخاً رجلاً
كان أم امرأة.. وقنن تعاملاته وعلاقاته وحركته في دوائره المتعددة الأسرية
والمجتمعية على المستوى القطري أو العالمي.. لم يترك هذا الدين جزئيات صغيرة أو
كبيرة في النسق الثقافي والاجتماعي والبيئي إلاّ ووضع لها قانوناً يسيِّرها
وتشريعات تحميها..
لهذا.. فما يسن حالياً من تشريعات
وبيانات لحقوق الإنسان، وحقوق النساء، وحقوق الطفولة، وحقوق للبيئة وللحيوان
وسواها.. جاءت لاحقاً وبسنوات طويلة لذلك المصدر الرباني الذي أخفقنا نحن المسلمين
في تطبيقه كما هو مطلوب.. وأخفقنا في حمله رسالة عالمية.. وبكل طواعية انسقنا في
هذا الحاضر الذي نعيش. وراء ما تنادي به منظمات الأمم المتحدة من مواثيق واتفاقيات
وضعية من اجتهاد البشر وفق المنظور العالمي الدنيوي بعد إقصاء للدين من المنظومة
التشريعية.. قد تحمل هذه البنود إيجابيات وحقوقاً ينبغي أن تصان ويدافع عنها..
ولكن في الوقت نفسه قد تتناقض في بنود أخرى مع ما ينص عليه التشريع الإسلامي الذي
هو منهج حياة المسلم والمجتمع المسلم..
إن الانخراط في منظومة هذه الاتفاقيات
دون الوعي بما تبطنه بعض بنودها ودون رفض لها.. هو ما ينبغي أن يكون من ضمن
أولويات العمل الإسلامي في تلك المنظمات التحذير منه.. بل والعمل الجماعي على
رفضه.
** حالياً.. وفق تداعيات الإرهاب الدولي..
نجد أن أفغانستان كمجتمع يمثل النموذج الذي ستعاد صياغته وفق فلسفة الغرب سواء على
المستوى العسكري والاقتصادي والاجتماعي.. وسأتوقف عند الجانب الاجتماعي وما يخص
(المرأة) على وجه التحديد، فالنداءات الغربية لا تمل الحديث عن ضرورة تدخل
المؤسسات الغربية في إعادة صياغة هؤلاء النساء الأفغانيات المسلمات اللواتي يرتدين
الحجاب الأزرق اللون!! الذي يمثل في ذهنية الغرب رمزاً للتخلف والإقصاء من الحياة
الاجتماعية. وعشرات التقارير الصحفية والتلفازية تعمق هذا التوجه وتهلل لدور
السينما ومحلات التزيين وقص الشعر والتجميل.. وكأنما محاور الحياة تكمن في هذه
المواقع الثانوية والتي لا تمثل أولويات الحياة في أي مجتمع.
ومن خلال إجابة الطبيبة الأفغانية سهيلة
صديقي التي شغلت وظيفة وزيرة الصحة في الحكومة الانتقالية التي شكلت منذ أيام وفق
رغبة الإدارة الأمريكية!! التي وضحت فيها لصحيفة الغارديان البريطانية رفضها للنمط
الغربي لتصرفات النساء ورفضها أن تكون المرأة الغربية هي النموذج الذي يفترض أن
تحذو حذوه النساء الأفغانيات.
بل وقالت:
(الغربيات يُستخدمن لأغراض إباحية)، أيضاً في مقابلة أخرى لها مع مجلة التايمز
قولها: (خلع البرقع ليس حلاً بحد ذاته، بل يجب أن تعطى الأولويات للتعليم وبناء
الاقتصاد وإعادة إعمار البلاد..)
هذه هي النقاط التي تدور حولها توجهات
الغرب في نشر ثقافته وفلسفته في الحياة.. وهي حلقة من منظومة طويلة سوف لا يمل
القائمون على منظمات الدفاع عن حقوق المرأة!! من ترديدها والتحدث عنها بفوقية..
وهم يعتقدون أنهم القادمون بعصا موسى لإحداث الأمن والرخاء للعالم المتخلف ـ وفق
مفهومهم ـ !!
ونسوا أو تناسوا أنه لا رخاء في طاغوت
وطغيان يجتث البشر ويحرق الأرض ويدمر القيم والمعتقد..
.. المرأة الأفغانية سواء من دفنت مع
أطفالها وزوجها وإخوتها أو التي تعيش لاجئة في الحدود أو التي تجول تائهة في سفوح
جبال وطنها.. أو من هللت لدور التجميل.. هن الحلقة الأولى في تجارب فرض فلسفة
وعولمة هذا الغرب وسوف تلحقهن نساء أخريات في مجتمعات أخرى.. السؤال المصيري.. هل
سنقف في طابور المتفرجين.. أو نصمت كالنعاج في القطيع؟ أم سنترك المناخ للطابور
الخامس بيننا من (الرويبضة)؟؟