ننقل في هذا العدد
فصولا من كتاب الدكتور أيمن الظواهرى نشرتها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية،علي
حلقات . مع ملاحظة تدخل الصحيفة في الصياغة دون التمييز بين أقوال المؤلف و إضافة
الجريدة .
الشعب
«فرسان تحت راية النبي»
الوصية
الأخيرة
زعيم
«الجهاد» المصري:
حرصت على
أن أقول كل ما أريده ..
وقد لا
أتمكن من الكتابة بعد ذلك
في مقدمة
الكتاب يقول زعيم «الجهاد»: «لقد كتبت هذا الكتاب ايضا اداء للامانة الى جيلنا
والاجيال التي تليه، فلعلي لا اتمكن من الكتابة بعد ذلك في وسط هذه الظروف القلقة
والاحوال المتقلبة. وانا اتوقع ألا ينشره ناشر ولا يوزعه موزع». ويرصد الظواهري
بين صفحات الكتاب واسمه «فرسان تحت راية النبي» وقائع السنوات الأولى في التنظيم،
كما عاشها، بدءاً من التحاقه بأول خلية للجهاد في القاهرة سنة 1966 أي قبل أن يكمل
السادسة عشرة (الظواهري من مواليد 1951) ومروراً بأحداث هزت العالم. والكتاب تم
تهريبه مع اصولي مصري من اعوان الظواهري المقربين اسمه «ع. ص» من احد كهوف
افغانستان بمنطقة قندهار الى مدينة بيشاور الحدودية ثم لندن، وقد نشرت الشرق
الأوسط فصولا منه .
يختبئ زعيم جماعة «الجهاد» المصرية
الدكتور أيمن الظواهري، ثاني اكبر رأس مطلوب في العالم من جانب الولايات المتحدة،
بعد اسامة بن لادن، في كهف أو مخبأ ما في الجبال المحيطة بقندهار العاصمة الروحية
للملا محمد عمر حاكم طالبان او على مقربة من الحدود الباكستانية، ومن غير المستبعد
أن يكون دوي قنابل القاذفات الاميركية التي تدك أفغانستان على مقربة منه يقطع
علىه، حبال تفكيره في الكتاب المقبل الذي ربما يكون قد اقترب من الانتهاء من فصوله
الاخيرة عن احداث 11 سبتمبر (ايلول) الماضي، والغارات الاميركية التي ادت الى مقتل
العشرات من قيادات تنظيم «القاعدة»، وابرزهم ابو حفص المصري صهر بن لادن والمسؤول
العسكري الاسبق للمنظمة السرية، ونصر فهمي نصر المسؤول المالي لـ«الجهاد» وطارق
انور مسؤول العمليات الخاصة. وفي الكتاب الجديد الذي لم ير النور بعد حسب مصادر
الاصوليين في لندن، يتحدث الظواهري عن تنظيم «الجهاد» في مصر، واسباب هجرته
الشخصية، والدخول في معركة تحت امرة بن لادن «مع العدو البعيد،» وهي المعركة التي
اتت على الاخضر واليابس في افغانستان ، ومقتل نحو 15 من قيادات «الجهاد» وادت الى
ضرب حركة طالبان. وتعتقد مصادر الاصوليين ان كتاب الظواهري المقبل لن يقل اثارة عن
كتاب مفكر «الافغان العرب» ومنظرهم الاول ابا الوليد وهو اصولي مصري تطالب اميركا
بتسلمه، وهو من المقربين جدا من بن لادن والملا عمر، والكتاب يحمل مسمى «تأملات
تحت سقف العالم». والظواهري المتحدر من اسرة ثرية مصرية انضم الى صفوف معارضة
الرئيس المصري الراحل انور السادات وكان في عمر لا يتجاوز الستة عشر عاما، وقد سجن
بتهمة التورط في اغتياله. وشكل الظواهري مجموعة خاصة به، كان هو اميرها، من ضمنها
شقيقه محمد، الملقب بالمهندس (تسلمته مصر من الامارات) العام الماضي. وتعرف الظواهري
قبل اكتوبر (تشرين الاول) 1981، على ضابط المخابرات الحربية عبود الزمر، الذي
اقنعه بالانضمام الى جماعة عبد السلام فرج، واعتقل في قضية اغتيال الرئيس الراحل
انور السادات، وقضى 3 سنوات في السجن، وغادر مصر الى بيشاور في باكستان عام 1985،
وهناك استطاع ان يوحد جماعات الافغان العرب. ويتصدر حاليا الظواهري قائمة الـ14
الذين تطالب مصر بتسليمهم، لتورطهم في اعمال عنف، وضمن القائمة، ياسر السري مدير
المرصد الاسلامي في لندن (محتجز في سجن بيل مارش البريطاني بتهمة التورط في اغتيال
القائد الافغاني مسعود)، الصادر ضده حكمان غيابيان بالاعدام والسجن المؤبد من
محاكم عسكرية بالقاهرة، وكذلك عادل السيد محمد، ومصطفى حمزة، الذي تتهمه مصر
بالتخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اديس ابابا، وكنيته ( ابو
حازم)، وتصفه المصادر بانه قائد الجناح العسكري "للجماعة الاسلامية"،
وثروت شحاته، ورفاعي طه، وعصام الغمري، وحسين شاميت، ومحمد الاسلامبولي (شقيق قاتل
الرئيس السادات)، وعادل عبد المجيد عبد الباري (يحتجز حاليا في سجن بريكستون بجنوب
غربي لندن على ذمة الطلب الاميركي، لترحيله بتهمة التواطؤ مع بن لادن). ورغم ان
الظواهري ظهر في عديد من المناسبات على انه نائب زعيم منظمة «القاعدة» لكنه يبدو
انه هو القائد الأصل من وراء حجاب وحسب احد الاصوليين في لندن فان «الظواهري هو
وراء العداء المستحكم في قلب بن لادن ضد الولايات المتحدة والغرب». وعلى رغم كل
هذه الظروف ، فإن الظواهري الذي أراد أن يطل على الناس خلال الاسابيع الماضية
بـكتاب تم تهريبه من احد كهوف افغانستان الى بيشاور الحدودية ثم لندن يعرض فيه
تاريخه، ويرصد بين صفحاته وقائع، كما عاشها، بدءا من التحاقه بأول خلية جهادية في
القاهرة سنة 1966 أي قبل أن يكمل السادسة عشرة (الظواهري من مواليد 1951) ومروراً
بأحداث هزت مصر والعالم، من بينها اغتيال الرئيس السادات، وانتهاء بما جرى ويجري
على الأراضي الأفغانية، طارحاً وجهة نظره في بعض القضايا التي أثيرت طوال رحلته،
كالخلاف على اسلوب التعاطي مع السادات، والنزاع الذي تفجر بين أقطاب تنظيمي
«الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» داخل سجن طرة، بعدما ألقت السلطات المصرية القبض
علىهم اثر حادثة المنصة. والكتاب يتكون من ثلاثة اجزاء ويحمل عنوان «فرسان تحت
راية النبي» وعنوانا فرعيا آخر هو «تأملات في الحركة الجهادية»، ومن عنوانه يمكن
فهم محتواه، فالفرسان الذين قصدهم هم قادة وعناصر الحركات الاصولية. ويلاحظ ان
تسمية الكتاب هي رد على التسمية التي شاعت في القرون الوسطى لـ «فرسان القبر
المقدس» ابان الحروب الصليبية في الشرق الأوسط. ويقع كتاب الظواهري في 21 فصلاً
تحدث في بعضها عن زملائه القدامى، خصوصاً يحيى هاشم وكيل النيابة الذي كان اقنع
الظواهري في النصف الثاني من عقد الستينات بالانضمام إلي خليته الجهادية. وخصص
لرفيقه السابق عصام القمري ضابط المدرعات الذي قُتل عقب اغتيال السادات بعدما تمكن
من الفرار من سجن طرة، فصلاً خاصاً. وكل من تابع نشأة وتطور الحركات الاسلامية
الراديكالية يعرف الصلة الوثيقة التي كانت تربط الاثنين، الظواهري والقمري. وخصص
الظواهري في كتابه فصلا كاملا للعملية التي قادها عناصر «الجهاد» في تفجير السفارة
المصرية في اسلام اباد، وخصص فصلين لمن اسماهم «اعداء الاسلام من اليهود
والاميركيين». وربما كان انشغال الظواهري في العمل التنظيمي واعادة احياء جماعة
«الجهاد» بعد سفره الى أفغانستان بعد ضرب التنظيم إثر اغتيال السادات، والظروف
التي عاشها في أفغانستان سبباً في ندرة كتبه. لكن احداث 11 سبتمبر ادت الى رواج في
مبيعات كتبه بالمكتبات الاسلامية في لندن مثل كتابيه الشهيرين «الحصاد المر»
ويتعرض فيه لعلاقة الاخوان المسلمين، بالسلطة خلال عهود الملك فاروق وعبد الناصر
والسادات، وفيه نقد شديد لرموز حركة الاخوان المسلمين، و«الكتاب الأسود» وكتاب اخر
تحت مسمى «شفاء صدور المؤمنين»، وهو يتعرض للحكم الشرعي في «العمليات
الاستشهادية». ولم يفت الظواهري التعلىق على مواقف بعض الحركات الأصولية الأخرى،
مثل الجماعة الإسلامية التي أحدثت تحولاً استراتيجياً حين أصدرت في مارس (آذار)
1999 قراراً تاريخياً قضى بوقف شامل للعمليات العسكرية داخل مصر وخارجها، استجابة
لمبادرة سلمية كان القادة التاريخيون للتنظيم اطلقوها في يوليو (تموز) .1997 * طبيب بن لادن * وفي فصل خاص تحت عنوان «افغانستان
الهجرة والاعداد» تحدث زعيم تنظيم «الجهاد» عن أسباب اقتحام الاصوليين عموماً
وعناصر «الجهاد» خصوصاً غمار الحرب في أفغانستان، اضافة بالطبع الى الأسس التي
استندوا الىها مع بن لادن ضمن «الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين في عام
1998»، وتحويل عمليات الجهاد الى استهداف المصالح الاميركية. وفي مقدمة الكتاب
يقول الظواهري: «لقد كتبت هذا الكتاب ايضا اداء للامانة الى جيلنا والاجيال التي
تليه ، فلعلي لا اتمكن من الكتابة بعد ذلك في وسط هذه الظروف القلقة والاحوال
المتقلبة». ويضيف: «لقد كتبت هذا الكتاب وانا اتوقع الا ينشره ناشر ولا يوزعه
موزع». ولذلك اعتبر البعض الكتاب/المذكرات بمثابة «وصية اخيرة». ويعتبر مكتب
المباحث الاميركي (اف بي اي) ايمن الظواهري، اليد اليمنى لابن لادن، العقل المدبر
لتفجير السفارتين الاميركيتين في نيروبي (كينيا) ودار السلام (تنزانيا) في اغسطس
(آب) .1998 وتصدر ايمن الظواهري وشقيقه محمد ( المهندس)، قضية «العائدون من
البانيا» التي نظرتها المحكمة العسكرية بالقاهرة في ابريل (نيسان) 1999 وحكم علىه
بالاعدام غيابيا، وكان هناك اسلاميون آخرون رحلوا من عدة عواصم عربية، ومن
اذربيجان وبلغاريا والبانيا، على لائحة الاتهام في تلك القضية. وتشير مصادر
الاصوليين في لندن الى ان الظواهري على ما يبدو ملأ فراغا كان يعانيه اسامة بن
لادن في حياته، حتى انه حين اعتقل في القاهرة في العام 1996 كان بن لادن هو الذي
دفع كفالة اخلاء سبيله. ومن هناك توجه الاثنان معا ثانية الى افغانستان حيث هناك
خططا على ما يبدو لتفجير السفارتين الاميركيتين في نيروبي ودار السلام في العام
.1998 وفي كتاب «فرسان تحت راية النبي» يتعرض الظواهري لفتوى قتل الاميركيين، التي
تخالف مبادئ الشرع الاسلامي، وكذلك تخالف استراتيجية منظمة الجهاد وادبياته، التي
ترى (ان مقاتلة العدو القريب خير وافضل من العدو البعيد)، وتلك الاستراتيجية هي
المنهج الرئيسي لفكر جماعة الجهاد الذي تضمنه كتاب «الفريضة الغائبة»، لمؤلفه
المهندس الكهربائي محمد عبد السلام فرج، والذي اعدم في قضية اغتيال السادات.
وتعتبر مصادر الاصوليين ان «توقيع الظواهري على بيان «الجبهة العالمية لقتال
اليهود والصليبيين» في فبراير (شباط) 1988، كان نذير شؤم على جماعة الجهاد، لانه
تسبب في السقوط السريع الذي اطاح بابرز رموز الجماعة الموجودين خارج مصر، في
عمليات تسليم عناصر التنظيم، التي شهدتها العواصم العربية باتجاه القاهرة. ويقول
الاصوليون في لندن ان توقيع الظواهري على البيان الشهير جعل السلطات الاميركية
تصعد محاربة اعضاء التنظيم الموجودين في اوروبا، (تطالب السلطات الاميركية حاليا
بترحيل اثنين من قادة التنظيم يحتجزان في سجن بريكستون، وهما عادل عبد المجيد عبد
الباري وضابط المدفعية المصري السابق ابراهيم عيدروس وكلاهما ينتظر مع خالد الفواز
حكم مجلس اللوردات خلال ايام). وتضيف المصادر ان ملاحقة السلطات الاميركية لقادة
التنظيم بعد تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام في اغسطس (اب) عام 1998، ادى
الى انهيار قواعد التنظيم السرية في العواصم الغربية، بعد اعتقال عدد من ابرز قادة
تنظيم «الجهاد» في البانيا، وترحيلهم الي مصر، ضمن قضية «العائدون من البانيا»،
كذلك الظهور المفاجـ للقيادي احمد سلامة مبروك ابرز قادة التنظيم والساعد الايمن
للظواهري، في محكمة هايكستب العسكرية بشمال القاهرة، والذي صدر ضده حكم غيابي
سابقا بالاعدام، زاد من محنة التنظيم، لما افشى به من معلومات عن قياداته. * التفاتة الى الماضي * وقبل الجزء الاول من الكتاب الذي حمل
عنوان «التفاتة الى الماضي» يقول الظواهري يهمني ان اجيب على اسئلة ثلاثة عن هذا
الكتاب من كتبه ؟ ولماذا كتبه ؟ ولمن كتبه ؟ اما من كتبه فيقول الظواهري عن
نفسه:«هو رجل يزعم انه ينتمي الى المجاهدين بصلة، ويقترب منهم بوشيجة، ويرجو ان
يقضي ما بقي من عمره في خدمة قضية الاسلام، في معركته الضروس ضد طواغيت الحملة
الصليبية الجديدة». وقد كتبه وهو مطارد مطلوب. اما لماذا كتب هذا الكتاب؟ ولماذا
في هذا الوقت بالذات؟ وما الفائدة التي تجنى من قراءاته ؟ وماذا يمكن ان يضيف الى
سيل الكتب المتدفقة كل يوم؟ فالجواب: ان هذا الكتاب قد كتب في محاولة لاحياء وعي
الامة المسلمة بدورها وواجبها، وما يفترض علىها واهميتها، ومدى عداء الصليبيين
الجدد لها وضرورة تفهمها للفيصل بين اعدائها واوليائها. ويضيف الظواهري «علىنا ان
نعترف ان هذه المحاولات نجحت في اختراق صفوفنا، وانها اجتذبت عددا من الاسماء
اللامعة بيننا، فاضافها اعداؤنا الى ما لديهم من حشود مسخرة لخدمتهم، من كتاب
التزييف وتجار المبادئ وبائعي الفتاوى». وفي مقدمة الكتاب يستشرف الظواهري احداث
11 سبتمبر (ايلول) الماضي، وما تبعها من غارات على افغانستان فيقول: «هذا الكتاب
كتب نذيرا لقوى الشر المتربصة بهذه الامة، ونقول لكم ان الامة تقترب من هزيمتكم
يوما بعد يوم، وتوشك على استيفاء قصاصها منكم، خطوة بعد خطوة، وان معركتكم معها
محكوم علىكم بالهزيمة فيها، وان كل محاولاتكم لا تعدو ان تكون محاولات لتأخير نصر
الامة، لا لمنع هذا النصر». ويصف الظواهري هذه المرحلة بانها «عالمية المعركة، بعد
ان توحدت قوى الكفر ضد فئات المجاهدين». ويقول «ان المعركة اليوم لا يمكن ان تخاض
اقليمية دون النظر الى العداء العالمي» ويقول الظواهري «أردت بهذا الكتاب ان اوضح
بعضا من معالم هذه الملحمة الدائرة، وان انبه قراء الكتاب الى الاعداء المتوارين
والظاهرين، ذئابهم وثعالبهم، حتى لا ينتهبهم قطاع الطريق». ويصف الظواهري كوادر
التنظيمات الاصولية وربما كان يشير خصوصا الى الافغان العرب بقوله: «يتمتعون بميزة
لا يطمع اعداؤهم في ان يتمتعوا بها، فهم اكثر الناس شهودا لقدرة ربهم الذي اعانهم
بقوته، حتى تحولوا من شتات لا يملك الا يسيرا ، ولا يعلم الا قليلا ، الى قوة
مرهوبة ، تهدد استقرار النظام العالمي الجديد». ويقول الظواهري : «لقد كتبت هذا
الكتاب ايضا اداء للامانة الى جيلنا والاجيال التي تليه، فلعلي لا اتمكن من
الكتابة، بعد ذلك في وسط هذه الظروف القلقة والاحوال المتقلبة، كما قال المتنبي
غريب من الخلان في كل بلدة اذا عظم المطلوب قل المساعد» * لمن كتب الظواهري ؟
* اما لمن كتب هذا الكتاب ؟ يقول الظواهري: «هذا الكتاب كتبته لتقرأه
طائفتان، الاولى هي الشريحة المثقفة. والثانية هي الفئة المجاهدة، ولذا فقد حرصت
ان اكون واضحا وبسيطا في كتابتي بعيدا عن اساليب المتخصصين واستدلالاتهم». ويقول
الظواهري «انه لم يستطع ان يجمع كثيرا من الوثائق والاسانيد الضرورية لهذا النوع
من الكتابة التحليلية، بسبب افتقاد الكاتب للاستقرار الذي يعيشه في افغانستان،
بالاضافة الى ان الكاتب لا يملك الا شهادته التي لا يستطيع ان يقدمها مفصلة لان
الكثير من ابطالها ما زالوا في خضم المعركة وكثير من احداثها لا زالت تتفاعل في
الميدان». ويصف الظواهري نفسه في الكتاب قبل ان يختتم المقدمة: «بانه مهاجر مطارد
يشد على ايدي المهاجرين والمجاهدين ويشحذ من عزمهم ، ويذكرهم برحمة الله الواسعة».
ويقول زعيم «الجهاد» ان تسمية الافغان العرب مغرضة، لانهم لم يكونوا عربا فقط، بل
مجاهدين من ارجاء العالم الاسلامي كافة، وان كان العرب عنصرا متميزا. ويضيف ان
«هؤلاء الشباب احيوا فريضة طالما حرمت منها الامة، بالقتال في افغانستان وكشمير
والبوسنة والشيشان». ويقول: «في معسكرات التدريب وجبهات القتال ضد الروس تكون لدى
الشباب المسلم وعي واسع وادراك اعمق بالمؤامرة المحاكة، وفهم شرعي تجاه اعداء
الاسلام والخارجين وعملائهم». ويمضي قائلا: «بالطبع لم يكن النظام العالمي ليقبل
بوجود هذه الظاهرة المتنامية من الافغان العرب المتمردة عليه المهددة لوجوده، بعد
ان بذل الاحتلال الغربي والشيوعي جهودا متواصلة على مدى قرابة قرن من الزمان
لاخضاع الشعوب المسلمة بالانظمة والقوانين والانتخابات المزورة، وحالات الطوارئ
وقوانين الهجرة والجنسية». ويشير الى ان رد الفعل ضد الافغان العرب بدأ بطردهم من
باكستان من بداية التسعينات، وبلغ اوجه عام .1992 ويقول «لسخرية القدر فان حكومة
باكستان العلمانية طردت من دافع عن حدودها الى المجهول». وعلى الجانب الافغاني من
منفذ طورخم الحدودي بين باكستان وافغانستان توجد مقبرة تحوي رفات اكثر من مائة من
المجاهدين العرب في افغانستان، تقف دليلا على موقف الحكومة الباكستانية ضد من دافع
عن حدودها ضد التهديد الشيوعي». ويذكر الظواهري: «اما الان فقد تشتت جمع الافغان
العرب في اصقاع المعمورة ما بين لاجئ او مهاجر او متخف او اسير او قتيل او مقاتل
حمل سلاحه لجبهة اخرى من ثغور الاسلام، او يائس يحاول ان ينخرط في حياة الناس
العادية، بعد ان رأى شراسة العداء، وشدة المطاردة ضد المجاهدين». ويقول: ان
الاعلام العربي والغربي مسؤول عن تشويه صورة الافغان العرب بتصويرهم في صورة انصاف
المجانين المهوسين الذين تمردوا على اميركا التي دربتهم ومولتهم من قبل. وزاد
ترديد هذه الفرية بعد العودة الثانية للأفغان العرب الى افغانستان في النصف الثاني
من التسعينات بعد تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام. وحسب زعيم
«الجهاد» المصري فان الهدف من حملة التشويه الموجهة ضد الافغان العرب واضح وجلي،
وهو ان تحاول اميركا حرمان الامة المسلمة من شرف البطولة، وكأنها تقول: ان من
تعدونهم ابطالا هم في الحقيقة من صنيعتي ومرتزقتي تمردوا علي عندما اوقفت دعمهم.
ويقول: «هذه الفرية تحمل في طياتها التناقض، فاذا كان الافغان العرب من صنيعة
اميركا، فلماذا اصرت على مدى سنتين على طردهم». ويقول: «الحقيقة التي يجب ان
يعلمها الجميع هي ان اميركا لم تدعم المجاهدين بقرش واحد». ويستشهد بقول حليفه
الاول بن لادن: «ان الدعم العربي الشعبي للافغان بلغ 200 مليون دولار خلال عشر
سنوات». ويوضح: «اذا كان الافغان العرب، مرتزقة لاميركا، تمردوا عليها، كما تفتري،
فلماذا تعجز عن شرائهم الآن؟.. أليس شراؤهم اوفر واقل كلفة من ميزانية الامن
والوقاية التي تدفعها دفاعا عن نفسها».
* كان ايمن محمد ربيع الظواهري ، نجل عميد كلية الصيدلة السابق انضم الى
احدى جماعات «الجهاد» عام 1966، بمنطقة المعادي التي ضمت رائد سلاح المدرعات عصام
القمري، الذي هرب من الخدمة العسكرية في ابريل (نيسان) 1981، عقب اعتقال سلطات
الامن المصرية لعدد من الضباط العسكريين. والظواهري خريج الطب من جامعة القاهرة في
العام 1974 هو الطبيب الشخصي لأسامة بن لادن حاليا، وكان الاثنان التقيا في مطلع
الثمانينات حين انطلق الجهاد الأفغاني ضد الغزو السوفياتي، وكان عبد الله عزام
البروفسور الفلسطيني (الأب الروحي لابن لادن) هو وسيلة تقاربهما. غادر الظواهري
الطبيب الجراح وابن العائلة الميسورة مصر اواسط الثمانينات بعد ان امضى عقوبة
السجن لثلاثة اعوام بسبب تورطه في مقتل السادات. وتنقل الظواهري بين السعودية
والسودان والولايات المتحدة قبل ان يستقر في افغانستان مع بن لادن.
الشرق الأوسط» تنشر حلقات من
كتاب الظواهري أو الوصية الأخيرة (2) ـ الأخوان المسلمون تركيبتهم عجيبة واستخدمنا
أفغانستان كحاضنة لاكتساب الخبرات
لو كنا
عملاء لأميركا فلماذا تعجز الآن عن شرائنا * بن لادن: الدعم العربي الشعبي للأفغان
بلغ 200 مليون دولار خلال عشر سنوات * اخترنا تفجير السفارة المصرية في إسلام آباد
بدلا من الأميركية بسبب قلة الإمكانيات * أفغانستان جاءت على طبق من ذهب بعد تعرض
التيارات الأصولية في مصر لضربات أمنية متلاحقة * أبو عبيدة البيشيري المسؤول
العسكري لـ«القاعدة»: لقد زاد عمري في أفغانستان مائة عام
لندن:
«الشرق الأوسط»
يقول ايمن
الظواهري زعيم تنظيم الجهاد المصري وحليف اسامة بن لادن في تنظيم القاعدة في كتابه
الذي يعد بمثابة وصية اخيرة تحت عنوان «فرسان تحت راية النبي» الذي تنشره «الشرق
الاوسط» في باب «افغانستان الهجرة والاعداد» ان ذهابه الى البلاد البعيدة كان
بترتيب قدري، عندما كان يعمل مكان احد زملائه بصفة مؤقتة في مستوصف بالسيدة زينب
في القاهرة يتبع الجمعية الطبية الاسلامية، وهو احد انشطة الاخوان المسلمين، عندما
عرض عليه مدير المستوصف، وهو من الاخوان الذهاب الى افغانستان للمشاركة في مشروع
اغاثي. ويضيف انه كان واحدا من اول ثلاثة من اطباء يصلون الى مدينة بيشاور
الحدودية صيف عام 1980 للمشاركة في العمل الاغاثي للمهاجرين الافغان.
ويخصص في
كتابه فصلا كاملا للحديث عن تفجير السفارة المصرية في اسلام اباد بعد حملة مطاردة
للافغان في باكستان، وقال: «ان الهدف الاساسي كان ضرب السفارة الاميركية في اسلام
اباد، فان لم يتيسر فلنضرب احد الاهداف الاميركية في باكستان، ولكن بعد الاستطلاع
المكثف والمفصل تبين ان تفجير السفارة الاميركية فوق امكاناتنا».
ويعتبر
زعيم «الجهاد» المصري ان فرصة الذهاب الى افغانستان جاءت على طبق من ذهب لانشغاله
الدائم بايجاد قاعدة آمنة للعمل الجهادي في مصر، بسبب تعرض ابناء الحركة الاصولية
لضربات امنية متلاحقة. ويستشهد بقول صديقه القديم ابو عبيدة البنشيري المسؤول
العسكري السابق لـ«القاعدة» الذي غرق في بحيرة فيكتوريا عام 1996، وهو يقول: «لقد
زاد عمري في افغانستان مائة عام».
ويخصص
الظواهري جزء كبيرا من هذا الباب للحديث عن كمال السنانيري مسؤول «مجموعة النظام
الخاص» التابعة للاخوان المسلمين، وقصة وفاته داخل سجون مصر تأخذ حيزا كبيرا من
ذاكرة الظواهري، ويزعم فيها الظواهري انه مات تحت تعذيب حسن ابو باشا مدير مباحث
امن الدولة وقتها والذي اصبح وزيرا للداخلية في وقت لاحق.. ويقول «رغم انني لم اكن
اعرف السنانيري، لكن بصماته في بيشاور وافغانستان، كانت تسبقنا حيثما نذهب».
واستشهد الظواهري برواية لابو طلال القاسمي طلعت فؤاد قاسم، المتحدث باسم «الجماعة
السلامية»، الذي يقول عنه ان اميركا اختطفته من كرواتيا وسلمته الى مصر منتصف
الثمانينات، في رواية تعرض السنانيري للتعذيب. وابو طلال كان يشغل الزنزانة
المجاورة للسنانيري في مصر. ومكث الظواهري 4 شهور في بيشاور، ويقول انه ادرك مدى
ثراء هذه الساحة (للحركة الجهادية)، ويعود الى مصر، ويسجن في قضية السادات لمدة
ثلاث سنوات، ويخرج من السجن اواخر .1984 ويعود مجددا الى افغانستان عام .1986 يقول
الظواهري «بدأت صلتي بأفغانستان صيف عام 1980 بترتيب قدري حينما كنت اعمل بصفة
مؤقتة مكان احد زملائي في مستوصف السيدة زينب التابع للجمعية الطبية الاسلامية وهي
احد انشطة الاخوان المسلمين. ففي احدى الليالي كلمني مدير المستوصف ـ وهو من
الاخوان المسلمين ـ عن رأيي في السفر لباكستان للعلم في المساعدة الجراحية
للمهاجرين الافغان، فوافقت على الفور، اذ وجدت في هذا العرض فرصة ذهبية للتعرف على
ميدان من ميادين الجهاد التي يمكن ان تكون رافدا وقاعدة للجهاد في مصر والعالم
العربي، قلب العالم الاسلامي، حيث تدور معركة الاسلام الاساسية».
ويتابع
قائلا «وكانت مشكلة ايجاد قاعدة آمنة للعمل الجهادي في مصر تشغلني كثيرا، بالنظر
الى الملاحقات الامنية التي نتعرض لها والطبيعة الجغرافية السهلة التحكم، حيث يجري
نهر النيل بواديه الضيق بين صحرائين ممتدتين لا زرع فيها ولا ماء، تلك الطبيعة
التي جعلت نشوء حرب عصابات في مصر امرا غير ممكن، وبالتالي فرضت على سكان هذا
الوادي الرضوخ للسلطة المركزية، الى السخرة والتجنيد الاجباري».
ويزعم ان
«المتنفس هو الانفجارات المتباعدة كالبركان الخامد الذي لا يدري احد متى سيقذف
بحممه، او كالزلزال الذي لا يعلم احد متى ترتجف الارض ـ بما عليها ـ من ضربته، لذا
لم يكن غريبا ان يكون تاريخ الحركة الاسلامية المعاصرة في مصر هو تاريخ حملات
القمع المتعاقبة منذ الاربعينات حتى اليوم».
(لذلك جاءت
هذه الدعوة (للمشاركة في العمل الطبي للمهاجرين الافغان)، على قدر، ووافقت رغبة جادة
في التعرف على الميادين المناسبة لاقامة قاعدة آمنة لاستمرار العمل الجهادي في
مصر، وخاصة في عهد انور السادات حينما ظهرت ملامح الحملة الصليبية الجديدة واضحة
لكل ذي رأي، بادية لكل مهتم بشؤون أمته).
(وبالفعل
سافرت الى مدينة بيشاور الباكستانية بصحبة زميل متخصص في التخدير، ثم ما لبث ان
لحق بنا زميل آخر متخصص في جراحة التجميل، وكنا نحن الثلاثة اول عرب يصلون للعمل
الاغاثي للمهاجرين الافغان).
(وكان قد
سبقنا الى بيشاور الاستاذ كمال السنانيري، رحمه الله، وكانت بصماته تسبقنا حيث
نذهب، فالمستشفى الذي بدأنا العمل فيه كان هو الرائد في انشائه، وقادة المجاهدين
الذين قابلناهم كانوا يحدثوننا عن مساعدته لهم وعن مجهوده في التوحيد بينهم. وكمال
السنانيري رغم اني لم التق به، الا ان اعماله وانشطته كانت تدل على بذله وعطائه في
سبيل الله).
ويقدم
الظواهري رواية عن السنانيري يقول فيها «لم يكن غريبا ان يقتل كمال السنانيري في
حملة الاعتقالات التي بدأت بقرارات التحفظ في سبتمبر (ايلول) 1981».
ويزعم
الظواهري (ان كمال السنانيري قتل تحت التعذيب الذي كان يمارسه عليه حسن ابو باشا
مدير ادارة مباحث امن الدولة ثم وزير الداخلية ـ بنفسه). ويعتبر ان قصة قتل كمال
السنانيري (رحمه الله) لا بد لها من وقفة.
وحسب رواية
الظواهري في كتابه «فقد اعتقل كمال السنانيري في سبتمبر (ايلول) 1981، وبعد اغتيال
انور السادات في اكتوبر (تشرين الاول) ادرك النظام ان اجهزة مباحث امن الدولة
والمخابرات الحربية والمخابرات العامة كانت آخر من يعلم عما يدور داخل مصر من غضب
مكتوم» على حد قوله.
«بل بلغ
الامر بجهل مباحث امن الدولة بما يدور في مصر انها طمأنت السادات بأن حملتها ـ
لاعتقال المعارضين في سبتمبر 1981 قد امنت البلد لصالحه من المعارضة السياسية عامة
والاسلامية خاصة».
* تحقيق جديد
* ويقول
الظواهري في كتابه «لذا سارعت المباحث الى بدء تحقيق جديد مع الاخوان المسلمين رغم
قناعتها السابقة انهم مسالمون، وركز التحقيق على مجموعة من الصف الثاني والثالث
وكان من اهمهم الاستاذ كمال السنانيري لعدة اعتبارات، منها ان المرشد عمر
التلمساني كان كهلا لا يحتمل التعذيب، بالاضافة لوضعه المعنوي كمرشد عام للاخوان،
الامر الذي قد يورط النظام في مشاكل، كما ان النظام كان يعلم ان مفاتيح الامور
وتفاصيل انشطة الاخوان لم تكن بيد عمر التلمساني، ومنها النشاط الكبير الذي كان
يقوم به كمال السنانيري في تحقيق الاتصال بين الاخوان في مصر والتنظيم الدولي في
الخارج، ورحلاته المتكررة في هذا الصدد، ومنها تبنيه لقضية افغانستان وريادته في
دعم الجهاد الافغاني والاتصال بقادته، ومنها موقع كمال السنانيري داخل تنظيم
الاخوان المسلمين».
ويقول
الظواهري «ان تركيبة الاخوان المسلمين عجيبة، فالقيادة الظاهرة كان يمثلها المرشد
العام (عمر التلمساني) امام الناس والنظام، اما القيادة الحقيقية فقد كانت في يد
مجموعة النظام الخاص من امثال مصطفى مشهور، والدكتور احمد الملط رحمه الله،
والاستاذ كمال السنانيري رحمه الله. ومن هنا اقتنعت مباحث امن الدولة ان الاخوان
المسلمين لو كان لهم تنظيم سري فسيكون سره عند الاستاذ كمال السنانيري.
ويقول
الظواهري «وبدأ التحقيق مع كمال السنانيري وحشيا، وحكى لي الدكتور عبد المنعم ابو
الفتوح ـ وكان زميلا لي في كلية طب القاهرة ـ اثناء حديث بيننا عبر نافذتي
زنزانتينا في معتقل القلعة، كيف ان كمال السنانيري ـ اخذ من بين اخوانه ـ ومنهم
منعم ابو الفتوح ـ من احد الزنازين في سجن استقبال طرة، وكان يرتدي جلبابا وعباءة،
ثم لم يره عبد المنعم ابو الفتوح بعد ذلك الا في مبنى المدعي العام الاشتراكي حيث
كان جسمه متورما وتبدو عليه آثار التعذيب الشديد، وقال لهم انه يتعرض لتعذيب لم
يتعرض له ابان عهد عبد الناصر، ثم ذكر هذا التعذيب للمحقق التابع للمدعي العام
الاشتراكي».
«وبعد ذلك
بفترة اخبر احد الرقباء في السجن عبد المنعم ابو الفتوح ان احد اخوانهم قد قتل
اليوم من التعذيب، وتبين له بعد ذلك انه السنانيري». واعلنت وزارة الداخلية انه
انتحر بشنق نفسه في ماسورة تصريف حوض المياه في زنزانته الانفرادية بواسطة حبل
(الروب) الذي كان يرتديه بعد ان كتب على جدار الزنزانة «قتلت نفسي لاحمي اخواني».
ويدلل على
وجهة نظره بقوله «كما حكى لي شاهد آخر كان موجودا اثناء تعذيب الاستاذ كمال
السنانيري ـ رحمه الله ـ في آخر ليلة من عمره: انه عذب ـ رحمه الله ـ تعذيبا
شديدا».
ويقول
الظواهري «العجيب بعد كل هذه الحقائق المعروفة التي يوقن بها الاخوان المسلمون
انهم لم يتحركوا للقصاص لدم السنانيري ـ رغم علمهم التام بتفاصيل قتله ـ ولو حتى
برفع دعوى قضائية ضد المسؤولين ـ عن قتله ـ وهم معروفون، واثبات الواقعة عليهم
سهل، فقد دخل كمال السنانيري السجن على قدميه وخرج جثة هامدة، فمأمور السجن ومصلحة
السجون ووزارة الداخلية مسؤولون عما حدث، والصفة التشريحية للجثة ستدحض بجلاء اي
قصة كتلك التي اختلقتها وزارة الداخلية».
وحول فترة
اقامته في بيشاور يقول: باحتكاكي بساحة الجهاد الافغاني تبين لي منذ عام 1980 مدى
ثراء هذه الساحة ومدى النفع الذي يمكن ان تقدمه للامة المسلمة عامة وللحركة
الجهادية خاصة، وادركت ضرورة الاستفادة من هذه الساحة، ولذا بعد ان مكثت فيها ـ
اول مرة ـ قرابة اربعة اشهر عدت مرة اخرى في مارس (اذار) عام 1981 ومكثت قرابة
شهرين، اضطررت بعدها الى العودة لمصر نظرا للظروف الضاغطة هناك.
ثم شاء
الله سبحانه ـ وهو المحمود على السراء والضراء ـ ان امكث في السجن بمصر ثلاث سنوات
انتهت اواخر عام 1984، ولكن نظرا لظروف خاصة بترتيب اوضاعي لم اتمكن من العودة الى
ساحة الجهاد الافغاني الا منتصف عام .1986 وخلال احتكاكي وتعاملي مع العاملين في
هذه الساحة اتضحت لي حقائق في غاية الخطورة لا بد من تسجيلها: 1ـ ان الحركة
الجهادية في حاجة الى ساحة جهادية تكون لها بمثابة المحضن الذي تنمو فيه البذرة
النابتة، وتكتسب فيها خبراتها العملية والقتالية والسياسية والتنظيمية.
وكان الاخ
الشهيد ـ كما نحسبه ـ ابو عبيدة البنشيري ـ رحمه الله ـ يقول: «لقد زاد عمري في
افغانستان مائة عام». (والبنشيري غرق في بحيرة فيكتوريا عام 1996).
2ـ خاض الشباب
المسلم في افغانستان معركة تحرير الارض المسلمة تحت شعارات اسلامية خالصة، وهو امر
في غاية الخطورة، اذ ان كثيرا من معارك التحرير التي جرت على ارض عالمنا الاسلامي
اختلطت فيها شعارات القومية الوطنية بالاسلام بل واحيانا بشعارات اليسار
والشيوعية.
مما احدث لدى
الشباب المسلم انفصاما بين عقيدته الجهادية الاسلامية التي يجب ان تقوم على اساس
اخلاص الدين لله، وبين تطبيقها الواقعي.
وقضية
فلسطين خير مثال على ذلك حيث اختلطت فيها الشعارات والعقائد تحت شعار التحالف مع
الشيطان من اجل تحرير فلسطين، فتحالفوا مع الشيطان وخسروا فلسطين.
ويقول
الظواهري «الامر الآخر الهام هو ان هذه المعارك التي تعلوها رايات غير اسلامية او
رايات مختلطة قد اضاعت الحدود الفاصلة بين الاولياء والاعداء في منظور الشباب
المسلم، فأصبح العدو مشكوكا فيه، أهو العدو الخارجي الذي يحتل ارض المسلمين، ام هو
العدو الداخلي الذي يمنع الحكم بالاسلام، ويبطش بالمسلمين، وينشر الفجور والانحلال
تحت شعارات التقدم والحرية والقومية والتحرير، سائقا الاوطان الى هاوية الدمار
الداخلي والاستسلام للعدو الخارجي، كما هو حال معظم بلادنا في ظل النظام العالمي
الجديد».
* القتال
ضد الروس
* اما في
افغانستان فقد كانت الصورة واضحة جدا: شعب مسلم يجاهد تحت راية الاسلام، وعدو
خارجي معتد كافر يسانده نظام داخلي مرتد فاسد.
لذا كان
انطباق النظرية على الواقع واضحا وجليا.
وهذا
الوضوح افاد ايضا في دحض شبهات كثير من المتصدرين للعمل الاسلامي الهاربين من ساحة
الجهاد بحجة غياب الساحة التي يتميز فيها المسلمون عن اعدائهم.
3ـ كما
كانت ساحة افغانستان ـ وخاصة بعد انسحاب الروس ـ نموذجا عمليا على جهاد الحكام
الخارجين عن الاسلام المتحالفين مع اعداء الاسلام الخارجيين، فقد كان نجيب الله في
افغانستان نموذجا متكررا، فهو يصلي ويصوم ويحج، وفي نفس الوقت يمنع الحكم بالاسلام
ويتحالف مع اعداء الاسلام ويدخلهم لبلاده ويبطش بالمسلمين المجاهدين.
4ـ كما
كانت اهمية معارك الجهاد في افغانستان انها حطمت وهم (القوة العظمى) في اذهان
الشباب المسلم المجاهد، فالاتحاد السوفياتي ـ وهو القوة العظمى صاحبة اكبر قوة
برية في العالم ـ تحطم وفرت فلوله هاربة من افغانستان امام اعين الشباب المسلم
وبمشاركته.
فكان ذلك
الجهاد دورة تدريبية في غاية الخطورة لاعداد الشباب المسلم المجاهد لخوض معركته
المنتظرة مع القوة العظمى التي تفردت بزعامة العالم الآن.. اميركا.
5ـ كما
وفرت مشاركة الشباب المسلم المجاهد ـ من العرب والباكستانيين والاتراك ومسلمي وسط
آسيا وشرقها وغيرهم ـ فرصة كبيرة لتعارف الشباب المسلم من مختلف ارجاء العالم
الاسلامي على ساحة الجهاد الافغاني، وعبر زمالة السلاح الموجه ضد اعداء الاسلام.
وهكذا تعارف
الشباب المجاهد والحركات الجهادية مع بعضها البعض تعارفا وثيقا وتبادلوا الخبرات
وتفهموا مشاكل اخوانهم.
واذا كانت
اميركا قد دعمت باكستان وفصائل المجاهدين بالاموال والعتاد، فان علاقة الشباب
العربي المجاهد بأميركا كانت على النقيض تماما.
بل ان وجود
هؤلاء الشباب الافغان من العرب ونموهم وازدياد عددهم مثل اخفاقاً للسياسة
الاميركية ودليلا متجددا على الغباء السياسي الاميركي الشهير. لقد كان تمويل نشاط
المجاهدين العرب في افغانستان يأتي عبر الدعم الشعبي لافغانستان وكان دعما لا
يستهان به.
ولم يتكفل
المجاهدون العرب بتمويل انفسهم فقط، بل حملوا ايضا تبرعات المسلمين الى المجاهدين
والمهاجرين الافغان.
وقد اخبرني
اسامة بن لادن بقدر الدعم الشعبي العربي للمجاهدين الافغان الذي نما الى علمه ـ في
الجانب العسكري فقط ـ بمائتي مليون دولار على مدى عشر سنوات. فما بالك بالدعم
الشعبي في المجالات غير العسكرية مثل الجانب الطبي والصحي والتعليمي والحرفي
والغذائي والاجتماعي (مثل كفالات الايتام والارامل والمعوقين)، ناهيك عن التبرعات
التي كانت تأتي في المواسم مثل العيدين ورمضان.. الخ.
وعبر هذا
الدعم الشعبي غير الرسمي اقام المجاهدون العرب مراكز التدريب والدعوة وانشأوا
الجبهات التي دربت واعدت وجهزت الآلاف من المجاهدين العرب، ووفروا لهم الاعاشة
والسكن والسفر والتنظيم.
* تغيير
حراسة بن لادن
* وعن
علاقة الافغان العرب باميركا، يقول الظواهري في كتابه: واذا كان المجاهدون العرب
مرتزقة لاميركا تمردوا عليها كما تفتري؟ فلماذا تعجز الان عن شرائهم مرة اخرى؟ ألا
يعدون الآن ـ وعلى رأسهم اسامة بن لادن ـ الخطر الاول الذي يهدد مصالح اميركا؟
أليس شراؤهم اوفر واقل كلفة من ميزانيات الامن والوقاية الخرافية التي تنفقها
اميركا دفاعا عن نفسها ضدهم؟
ان
الاميركان بطريقتهم المعهودة في التضخيم والمبالغة والسطحية في التناول يحاولون
بيع الوهم للناس، قافزين فوق ابسط الحقائق. هل يمكن ان يكون اسامة بن لادن الذي
نادى في محاضراته عام 1987 بضرورة مقاطعة البضائع الاميركية تأييدا للانتفاضة في
فلسطين، عميلا للاميركان في افغانستان؟
واذكر يومها
انه زارنا في مستشفى الهلال الكويتي في بيشاور وحدثنا عن هذه المحاضرات، واذكر اني
قلت له: منذ الآن يجب ان تغير طريقة حراستك ونظام امنك، فان رأسك منذ الآن اصبح
مطلوبا من الاميركان واليهود وليس من الشيوعيين والروس فقط، فأنت الآن تضرب الافعى
على رأسها.
وهل يمكن
ان يكون الشهيد ـ كما نحسبه ـ عبد الله عزام عميلا لاميركا، وهو الذي لم يكل عن
تحريض الشباب ضدها ودعم حركة «حماس» بكل ما يملك؟
وهل يمكن
ان تكون الحركة الجهادية في مصر عميلة للاميركان وقد قتل خالد الاسلامبولي ورفاقه
أنور السادات، قبل نشوء ظاهرة المجاهدين العرب في افغانستان؟
وهل يمكن
ان تكون الحركة الجهادية في مصر عميلة لاميركا، وهي تربي ابناءها منذ نشأتها على
رفض اسرائيل وكل اتفاقيات الاستسلام لها وتعتبر ان الصلح معها متناقض مع شريعة
الاسلام؟
ان اميركا
فوجئت بأن طبختها في افغانستان قد افسدها عليها «الافغان العرب» وأهل الصدق من
المجاهدين الافغان.
لقد
أرادتها اميركا حربا بالوكالة ضد روسيا، فحولها المجاهدون العرب ـ بفضل الله ـ الى
دعوة لاحياء الفريضة الغائبة، الجهاد في سبيل الله.
ولذلك
تنبهت اميركا لهذا الخطر في البوسنة، فكان الشرط الاول قبل تطبيق اتفاقية دايتون
هو طرد المجاهدين العرب من البوسنة.
8ـ لقد
كانت خطورة وجود الشباب المسلم ـ وخاصة العربي ـ في ساحة الجهاد الافغاني هي في
تحويل قضية افغانستان من قضية اقليمية محلية الى قضية اسلامية عالمية تشارك فيها
الامة كلها.
* لماذا
فجرنا السفارة المصرية في باكستان؟
* يقدم
ايمن الظواهري في كتابه اول رواية مباشرة عن عملية تفجير السفارة في اسلام اباد.
فبعد حملة مطاردة المجاهدين العرب في باكستان، بدأت الحكومة المصرية تستأسد في
باكستان، مستندة الى الدعم الذي تقدمه لها الولايات المتحدة بنفوذها القوي لدى
الحكومة الباكستانية وذلك لان علاقة الحكومة المصرية كانت ـ منذ الخمسينات ـ سيئة
مع الحكومة الباكستانية بسبب موقف الحكومة المصرية المساند للهند في قضية كشمير،
واعتبار الحكومة المصرية ـ منذ عهد عبد الناصر ـ كشمير مشكلة داخلية هندية.
وبدأت
الحكومة المصرية في تعقب من تبقى من العرب والمصريين خاصة في باكستان، ووصل الامر
الى ترحيل احد الطلاب المقيمين قانونيا من الجامعة الاسلامية في اسلام اباد، ثم
القبض على مصريين يحملان الجنسية الباكستانية لزواجهما من باكستانيتين، ووصل
استسلام الحكومة الباكستانية لدرجة انها سلمت الشخصين الحاصلين على الجنسية
الباكستانية الى الحكومة المصرية اثناء نظر القضاء في تظلمهما، من دون اعتبار
للدستور او القانون الباكستاني.
كما ان
توسيع الحكومة المصرية لحملتها المعادية للأصوليين في مصر ونقلها المعركة الى
خارجها كان لا بد له من رد.
ولذا قررنا
ان يكون الرد منصبا على هدف يؤلم هذا التحالف الخبيث.
وبعد
الدراسة تقرر تشكيل مجموعة للرد وكلفت بالاهداف التالية: اولا: ضرب السفارة
الاميركية في اسلام اباد، فان لم يتيسر فليضرب احد الاهداف الاميركية في باكستان،
فان لم يتيسر فلتضرب سفارة دولة غربية مشهورة بعدائها التاريخي للمسلمين، فان لم
يتيسر فلتضرب السفارة المصرية.
وبعد
الاستطلاع المكثف والمفصل تبين ان ضرب السفارة الاميركية فوق امكانات المجموعة
المكلفة، وتم استطلاع احد الاهداف الاميركية في اسلام اباد، فتبين ان به عددا
قليلا جدا من الموظفين الاميركان، وان الاصابات ستلحق معظمها بالباكستانيين.
كذلك تبين
ان ضرب السفارة الغربية الاخرى فوق امكانات المجموعة المكلفة. وهكذا استقر الامر
على ضرب السفارة المصرية في اسلام اباد التي لم تكن فقط تدير حملة المطاردة للعرب
في باكستان، بل كانت ايضا تقوم بدور تجسسي خطير على المجاهدين العرب، بالاضافة الى
ما اكتشفته اجهزة الامن الباكستانية في مباني السفارة المدمرة من وثائق تكشف عن
التعاون الهندي ـ المصري في مجال التجسس.
وقبيل
التفجير ارسلت المجموعة المنفذة تخبرنا عن امكانها القيام بضرب السفارة الاميركية
والمصرية معاً اذا دبرنا لها مبلغا اضافيا، ولكن كنا قد قدمنا ما معنا ولم نكن
نستطيع تدبير المزيد. وهكذا ركزت المجموعة على نسف السفارة المصرية، وتركت خرائب
السفارة رسالة بليغة المعنى واضحة البيان.
«الشرق
الأوسط» تنشر حلقات من كتاب الظواهري أو الوصية الأخيرة (3) ـ سيد قطب وراء تشكل
نواة «الحركة الجهادية» وعملية «الفنية العسكرية» فشلت بسبب نقص التدريب
الحركة
الأصولية انطلقت في عهد السادات * جماعات الجهاد اكتسبت قوة بعد هزيمة 1967 وسقوط
الرمز عبد الناصر * هدف صالح سرية كان الاستيلاء على الأسلحة والمدرعات من الكلية
الفنية العسكرية ومهاجمة السادات في الاتحاد الاشتراكي
لندن :
«الشرق الأوسط»
يتعرض
الدكتور ايمن الظواهري زعيم تنظيم «الجهاد» المصري وحليف اسامة بن لادن في تنظيم
القاعدة في حلقة اليوم تحت اسم «التفاتة الى الماضي» من كتابه الذي يعرف باسم
«الوصية الاخيرة» الى سيد قطب ابرز مفكري التيار الديني والاب الروحي للجماعات
الاصولية باعتباره اول من هاجم الولايات المتحدة.
ويتطرق الى
مسيرة الحركات الاصولية بعد منتصف الستينات حينما قام حكم الرئيس المصري عبد
الناصر، بحملته الشهيرة ضد الاخوان المسلمين. ويصف اعدام ابرز مفكري الاخوان سيد
قطب، بانه شرارة البداية لانطلاق الحركة الجهادية في مصر. ويعتبر الظواهري ان سيد
قطب هو الذي وضع دستورهم في كتابه الديناميت «معالم في الطريق» وهو نفسه مصدر
الاحياء الاصولي، ويقول ان كتابه «العدالة الاجتماعية في الاسلام» يعد اهم انتاج
عقلي وفكري للتيارات الاصولية. كما يقول ان سيد قطب ترك اثاره على مجموعة
الاصوليين التي قررت فيما بعد ان توجه ضرباتها الى النظام الحاكم، «بزعم انه نظام
خارج عن منهج الله». ويزعم الظواهري في كتابه «فرسان تحت راية النبي»: «ان اعدام
قطب، اكسب كلماته بعدا لم يكتسبه كثير من كلمات غيره، فقد اصبحت هذه الكلمات «معالم
طريق» طويل للاصوليين، ونموذجا للصدق في القول وقدوة للثبات على الحق».
ويقول ان
كلمات سيد قطب الاخيرة وهو يرفض التقدم بطلب عفو من الرئيس الراحل عبد الناصر «ان
اصبع السبابة التي تشهد لله بالتوحيد في كل صلاة تأبى ان تكتب استرحاما»، باتت
دستورا ومنهجا يدرسه الاصوليون في الثبات على المبدأ. ويقول ان الحكومة اعتقدت مع
مقتل سيد قطب ورفاقه في منتصف الستينات، ان الحركة الاصولية تلقت ضربة في مقتل،
ولكن الهدوء الظاهري على السطح، كان يخفي تحته تفاعلا فوارا مع افكار قطب، التي
ادت الى تشكيل نواة «الحركة الجهادية» في مصر، ويصف الظواهري نفسه بانه ينتمي الى
هذه الخلية من «الجهاد» التي تشكلت في اعقاب اعدام قطب. ويعتبر الظواهري هزيمة
1967 هي حالة من «عودة الوعي» الى المجتمع المصري، بعد ان بدأ ابناء الشعب في
العودة المتسارعة الى الاسلام، ويقول: «اشتد عزم الحركة الجهادية التي ادركت ان
الخصم اللدود، كان صنما صنعته ماكينة الدعاية الضخمة وحملة البطش والاستقواء ضد
الاسلاميين». ويصف تولي السادات بانه بداية تحول سياسي جديد كان لصالح الحركة
الاسلامية، الذي وصفه بانه اشبه «بخروج المارد الاصولي من القمقم»، مما ادى الى
اكتساح الاسلاميين لمقاعد الاتحادات الطلابية في المدارس والجامعات، في سنوات
معدودة، وبدأت الحركة الاسلامية زحفها بقوة نحو النقابات. ويعتبر الظواهري ان اول
ادراك للاسلاميين بان العدو الداخلى لا يقل خطورة عن العدو الخارجي انعكس على
تكوين خلية «الفنية العسكرية» التي قادها صالح سرية للقيام بمحاولة لقلب نظام
الحكم.
ويقول ان
محاولة الانقلاب لم تنجح لعدم مراعاتها الظروف الموضوعية للواقع، وثانيا لانها
كانت تفتقر الى التدريب من جانب الشباب المكلف بالهجوم على حرس بوابة الكلية «كما
ان الخطة كانت تمر بعنق زجاجة، في اكثر من مرحلة». ويخصص الظواهري جزءا كبيرا من
هذه الحلقة لصالح سرية مهندس عملية «الفنية العسكرية»، ومحاولات احياء تنظيم
«الجهاد» مرتين، الاولى انتهت بالقبض على اعضائها عام 1977، والثانية انتهت بالقبض
على عناصره ايضا لوجود مرشد للمباحث فيما بينهم. ويتطرق الى دور محمد عبد السلام
فرج المهندس الكهربائي مؤلف كتاب «الفريضة الغائبة»، وهو من عناصر مجموعة الجهاد
الثانية التي لم يقبض عليهم، ودوره في دفع التيار الجهادي الى خارج اسوار الجامعة
والنقابات، وتوحيد التيار الاسلامي بالالتقاء مع عمر عبد الرحمن الزعيم الروحي لـ
«الجماعة الاسلامية» الذي يقضي عقوبة السجن المؤبد في سجن روشستر مينسوتا، بتهمة
التورط في تفجيرات نيويورك.
* التفاتة
إلى الماضي يقول الظواهري في كتابه «بدأت الحركة الجهادية في مصر مسيرتها الحالية
ضد الحكومة بعد منتصف الستينات حينما قام الحكم الناصري بحملته الشهيرة في سنة
1965 ضد الاخوان المسلمين، وأودع السجون سبعة عشر ألفا، وتم اعدام سيد قطب (أبرز
مفكري الاخوان المسلمين) واثنين من رفاقه، وظنت السلطات انه بذلك قد قضي على
الحركة الاسلامية في مصر بلا رجعة.
«ولكن شاء
الله ان تكون هذه الأحداث هي شرارة البداية للحركة الجهادية في مصر ضد الحكومة.
«والحركة
الاسلامية في مصر وان كانت قد مارست الجهد ضد أعداء الاسلام من قبل، ولكن خطها
العام لم يكن موجهاً ضد النظام الحاكم، لانه كان موجهاً أساساً ضد العدو الخارجي،
وبقي فكر الحركة واعلامها يحاول قدر الامكان أن يتقرب من رأس النظام الحاكم
(الملك) وان يخاطبه بصفته السلطة الشرعية في البلاد.
«وقد أدى
هذا الفصل المتعسف بين الأعداء الخارجين وعملائهم الداخليين الى عديد من الكوارث
والانتكاسات، لأن ابناء الحركة واجهوا بصدورهم عدواً وتركوا ظهورهم عارية لحليفه،
ليُطعنوا من خلفهم بأوامر من يواجهونه بصدورهم».
* سيد
قطب..
* ويتحدث
الظواهري عن سيد قطب قائلا: انه أكد على مدى أهمية قضية التوحيد في الاسلام وان
المعركة بين الاسلام وأعدائه هي في الأصل معركة عقائدية حول قضية التوحيد، أو حول
لمن يكون الحكم والسلطان، لمنهج الله ولشرعه أو للمناهج الأرضية والمبادئ المادية
او لمدعي الوساطة بين الخالق وخلقه.
وكان لهذا
التأكيد اثره الواضح في معرفة الحركة الاسلامية لأعدائها وتحديدها لهم، وادراكها
ان العدو الداخلي لا يقل خطورة عن العدو الخارجي، بل انه الأداة التي يستخدمها
العدو الخارجي والستار الذي يحتمي وراءه في شن حربه على الاسلام.
وكانت
المجموعة الملتفة حول سيد قطب قد قررت ان توجه ضرباتها ضد الحكومة القائمة
باعتبارها نظاماً معادياً للاسلام خارجاً عن منهج الله رافضاً للتحاكم الى شرعه.
وكان تخطيط
هذه المجموعة بسيطاً فلم يكن يهدف لتغيير النظام ولا لإحداث فراغ به، ولكنه كان
يهدف فقط لتوجيه ضربات وقائية أو دفاعية اوانتقامية اذا خطط النظام لحملة تنكيل
جديدة ضد المسلمين.
ولكن
المعنى في هذا التخطيط كان اكبر من قوته المادية، فقد كان يعني بوضوح ان الحركة
الاسلامية قد بدأت خوض حربها ضد النظام باعتباره عدواً للاسلام بعد ان كانت
أدبياتها ومبادئها من قبل ـ والتي لا يزال بعضهم يرددها حتى اليوم ـ تؤكد على أن
عدو الاسلام هو العدو الخارجي فقط.
ورغم ان
مجموعة سيد قطب تم البطش بها والتنكيل بأفرادها على أيدي الحكم الناصري، إلا ان
ذلك كان أعجز من أن يحد من تأثير هذه المجموعة المتعاظم في أوساط الشباب المسلم.
فلقد كانت
وما زالت دعوة سيد قطب ـ الى اخلاص التوحيد لله والتسليم الكامل لحاكمية الله
ولسيادة المنهج الرباني ـ شرارة البدء في إشعال الثورة الاسلامية ضد أعداء الاسلام
في الداخل والخارج، والتي ما زالت فصولها الدامية تتجدد يوماً بعد يوم.
تلك الثورة
التي تزداد كل يوم ثباتاً في العقيدة ووضوحاً في المنهج وادراكاً لطبيعة الصراع
وخبرة بمشاكل الطريق، طريق الأنبياء والمرسلين وأتباعهم الى ان يرث الله سبحانه
وتعالى الأرض ومن عليها.
ذلك الطريق
الذي كان للأستاذ سيد قطب دور كبير في توجيه الشباب المسلم اليه في النصف الثاني
من القرن العشرين في مصر خاصة والمنطقة العربية عامة.
ويزعم
الظواهري انه باعدام سيد قطب اكتسبت كلماته بعداً لم يكتسبه كثير من كلمات غيره،
فقد أصبحت هذه الكلمات ـ التي سُطرت بدماء صاحبها ـ في نظر الشباب المسلم معالم
طريق مجيد طويل، واتضح للشباب المسلم مدى فزع الحكم الناصري وحلفائه الشيوعيين من
دعوة سيد قطب الى التوحيد.
ويقول
«وأصبح سيد قطب نموذجاً للصدق في القول وقدوة للثبات على الحق، فقد نطق بالحق في
وجه الطاغية ودفع حياته ثمناً لذلك، وزاد من قيمة كلماته موقفه العظيم عندما رفض
التقدم بطلب للعفو من جمال عبد الناصر وقال كلمته المشهورة: «ان اصبع السبابة التي
تشهد لله بالتوحيد في كل صلاة تأبى ان تكتب استرحاماً لظالم».
وظن الحكم
الناصري ان الحركة الاسلامية قد تلقت ضربة قاضية بقتل سيد قطب ورفاقه واعتقال
الآلاف من أبناء الحركة الاسلامية، ولكن الهدوء الظاهري على السطح كان يخفي تحته
تفاعلاً فواراً مع أفكار سيد قطب ودعوته، وبداية تشكل نواة الحركة الجهادية
المعاصرة في مصر».
وهكذا
تكونت النواة التي انتمى اليها كاتب هذه السطور، جماعة «الجهاد». وأضافت الأحداث
عاملاً خطيراً أثّر في مسار الحركة الجهادية في مصر ألا وهو نكسة .1967 وسقط الرمز
جمال عبد الناصر الذي حاول اتباعه ان يصوروه للشعب على انه الزعيم الخالد الذي لا
يقهر.
وقال
الظواهري «تحول الزعيم الباطش بخصومه المهدد المتوعد في خطبه الى انسان يلهث وراء
حل سلمي يحفظ له شيئاً من ماء وجهه.
«وأدركت
الحركة الجهادية ان الصنم قد نخر فيه السوس حتى أوهنه، ثم مادت به الأرض من تحته
بزلزال النكسة، فخر على أنفه منتكساً وسط ذهول كهنته وهلع عبّاده، فاشتد عزم
الحركة الجهادية وأدركت ان خصمها اللدود كان صنماً صنعته آلة الدعاية الضخمة وحملة
البطش والاستقواء على العزّل والأبرياء».
ويتابع الظواهري
قائلا: ثم تلقى الحكم الناصري الضربة القاضية بموت جمال عبد الناصر بعد ثلاث سنوات
من النكسة عاشها وهو يعاني من آثار الهزيمة، بعد أن تحطمت أسطورة زعيم القومية
العربية الذي سيلقي باسرائيل الى البحر.
ولم يكن
موت جمال عبد الناصر موتاً لشخص وانما كان ـ ايضاً ـ موتاً لمبادئه التي أثبتت
فشلها على أرض الواقع، وموتاً لأسطورته الشعبية التي تهشمت على رمال سيناء.
واستطرد
الظواهري قائلا: لم تكن جنازة عبد الناصر الحاشدة إلا بقية من حالة الغيبوبة التي
سيطرت على الجماهير المصرية بفعل اعلامه القوي، ونوعاً من وداع المصريين لحاكمهم
الذين ما لبثوا ان استبدلوا به حاكماً جديداً وجههم وجهة أخرى وبدأ يبيع لهم وهماً
جديداً.
لم تمض
سنوات حتى أصبح اسم جمال عبد الناصر لا يثير لدى عامة المصريين إلا خليطاً من
مشاعر اللامبالاة.
* السادات
أخرج الأصوليين من القمقم
* ويقول
الظواهري في كتابه: وكان تولي انور السادات للحكم بداية لتحول سياسي جديد في مصر
فقد انتهى العصر الروسي وبدأ العصر الأميركي.
وككل تحول
فانه يبدأ وئيداً ضعيفاً ثم لا يلبث ان يتقوى شيئاً فشيئاً وتتضح معالمه اكثر
فأكثر مع مرور الوقت.
وبدأ انور
السادات بازاحة بقايا النظام القديم وكانت اقوى اسلحته في مقاومة تلك البقايا هي
اتاحة بعض من الحرية للشعب المكبوت.
وما ان
ارتفع بعض الضغط عن الحركة الاسلامية حتى خرج المارد من القمقم واتضح مدى النفوذ
الشعبي الكاسح للاسلاميين. واكتسح الشباب المسلم مقاعد الغالبية الساحقة من مقاعد
اتحادات طلاب الجامعات والمدارس الثانوية في سنوات معدودات. وبدأت الحركة
الاسلامية زحفها نحو النقابات.
وبدأت دورة
جديدة من النمو للحركة الاسلامية ولكنها هذه المرة لم تكن تكراراً لما سبق ولكنها
كانت بناء عليه واستفادة من خبرته ودروسه وأحداثه. فقد بدأت الحركة الاسلامية خوض
هذه الحلقة الجديدة من حلقات نموها وقد انتشر بين شبابها وعي عميق بأن العدو
الداخلي لا يقل خطورة عن العدو الخارجي. وكان هذا الوعي يتنامى بقوة مستنداً الى
أدلة شرعية واضحة وخبرة عملية تاريخية مريرة.
وعبثاً حاولت
ـ وما زالت تحاول ـ بعض الرموز القديمة ان تردد المفاهيم التي بليت، من أن القتال
لا يكون إلا مع العدو الخارجي فقط، وان الحركة الاسلامية لا صدام بينها وبين
حكوماتها. ولكن الوعي الجديد كان أرسخ في أسسه الشرعية وأوضح في خبرته العملية
التاريخية من كل هذه الأوهام.
* قضية
«الفنية العسكرية» ويتحدث الظواهري في كتابه عن القضية التي عرفت في مصر باسم قضية
«الفنية العسكرية». حيث بدأ تكون مجموعة الفنية العسكرية بوصول صالح سرية الى مصر،
وبدأ في الاتصال برموز الاخوان من أمثال السيدة زينب الغزالي وحسن الهضيبي ونشط في
تكوين مجموعات من الشباب وحثهم على وجوب التصدي للنظام الحاكم.
ويقول ان
صالح سرية كان محدثاً جذاباً ومثقفاً على درجة عالية من الاطلاع والمعرفة، وكان
حاصلاً على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة عين شمس، كما كان متضلعاً في عدد
من العلوم الشرعية، وانه التقاه مرة واحدة أثناء احد المعسكرات الاسلامية في كلية
الطب حين دعاه أحد المشاركين في المعسكر الى القاء كلمة في الشباب. و«بمجرد
استماعي لكلمة هذا الزائر أدركت ان لكلامه وقعاً آخر، وانه يحمل معاني اوسع في
وجوب نصرة الاسلام. وقررت ان أسعى للقاء هذا الزائر، ولكن كل محاولاتي للقائه لم
تفلح».
واتسعت
المجموعة التي كونها صالح سرية واستطاعت ان تجند عدداً من طلاب الكلية الفنية
العسكرية وعلى رأسهم كارم الأناضولي.
«وبدأ
الشباب يضغطون عى صالح سرية من اجل البدء في المواجهة، فوافق تحت ضغطهم على القيام
بمحاولة لقلب نظام الحكم تتلخص في مهاجمة أفراد الجماعة لحرس بوابة الكلية الفنية
في صمت لادخال عدد كبير من الشباب الى الكلية، ثم بعد ذلك الاستيلاء على الأسلحة
والسيارات والمدرعات من الكلية الفنية العسكرية بمساعدة اخوانهم الطلبة داخل
الكلية مستغلين صلاحياتهم كقادة مناوبين أثناء الليل، ثم التوجه بما حصلوا عليه
الى مقر الاتحاد الاشتراكي لمهاجمة السادات وأركان حكمه أثناء اجتماعهم».
ويقول
الظواهري «لم تنجح محاولة الانقلاب لعدم مراعاتها للظروف الموضوعية للواقع ووجوب
الاعداد الجيد له. فقد كانت تلك المحاولة تفتقر الى التدريب في جانب الشباب المكلف
بالهجوم على حرس بوابة الكلية، كما ان الخطة كانت تمر بعنق زجاجة في اكثر من
مرحلة.
«ولكن
المعنى الذي أود التأكيد عليه هو ان الحركة الاسلامية بعد ضربات عبد الناصر
المتتالية أثبتت انها اكبر من أن تستأصل وأقوى من ان تدفع الى اليأس والعجز، فها
هي الحركة الاسلامية تفرز جيلاً جديداً بعد سنوات قلائل من محنة 1965 تعود به الى
ميدان الجهاد مرة أخرى شاهرة سلاحها في وجه النظام المعادي للاسلام والمتحالف مع
أميركا هذه المرة».
«وقال
أثبتت هذه العملية ان الشباب المجاهد لا يفرق بين العهد الناصري الروسي القديم
والعهد الساداتي الجديد، وانهما في العداء سواء».
* صالح
سرية
* ورغم ان
هذا لعملية قد اجهضت في بدايتها، إلا انها كان ارهاصا بالتغير الجديد في المسار
العام للحركة الاسلامية، فقد قررت الحركة الاسلامية ان تحمل السلاح في وجه
الحكومة، وحملته ـ بعد حملة البطش الناصرية ـ لتثبت للحكومة ان البطش لا يجدي
معها، وان ما ظنه اعوان عبد الناصر حملة اجتثاث للتيار الجهادي ـ في حملة 1965 ـ
لم يكن إلا شرارة الانطلاق.
وسيقت
المجموعة الى المحاكمة، وحكم على صالح سرية وكارم الأناضولي وطلال الأنصاري
بالاعدام.
وبدأت
الحكومة في مساومة الثلاثة على تقديم طلب للعفو الى رئيس الجمهورية، أما طلال
الأنصاري فقد قدم طلباً للعفو حصل بسببه على تخفيف للحكم الى السجن المؤبد، أما
صالح سرية وطلال الأنصاري فقد أبيا ذلك.
وفي يوم من
الأيام تجمع المساجين السياسيون حول صالح سرية في فناء سجن الاستئناف في احدى
الفسحات القصيرة التي كان تسمح بها ادارة السجن له خلال حبسه الانفرادي المستمر،
وألحوا عليه في تقديم طلب للعفو، فقال لهم في يقين المؤمن: وماذا يملك انور
السادات من أمره حتى يملك ان يطيل في عمري شيئاً؟ ثم قال لهم: انظروا الى هذا
السجن الكئيب، وهذا الطعام الرديء الذي يقدم فيه، والى هذه المراحيض المسدودة التي
نفرغ فيها هذا الطعام. ان هذه هي الدنيا في حقيقتها، فلماذا نتمسك بها؟
وفي
الزيارة الأخيرة قبل الاعدام جاءت زوجة صالح سرية ومعها أولادها التسعة لزيارته في
السجن، فقال لها: اذا تقدمت بطلب للعفو فأنت طالق.
وفي يوم التنفيذ
دخلت قوة من السجن والمباحث على طلال الأنصاري ليوثقوه ويأخذوه الى المشنقة فطلب
منهم ان يصلي ركعتي سنة الشهادة، فقال له ضابط مباحث امن الدولة: صلهما عند الذي
ستذهب اليه. ويروي الظواهري ان عادل فارس وصلاح فارس السجينين في السجن اوسعا
الضابط ضرباً وفقآ له عينيه، وترك بعدها العمل في مباحث أمن الدولة. أما عادل
وصلاح فارس فقد هاجرا من مصر، ومضى عادل فارس الى أفغانستان حيث قتل في معركة
نهرين في شمال أفغانستان.
* إحياء
تنظيم «الجهاد»
* وبعد عدة
سنوت حاول بعض من خرج من السجن من تنظيم الفنية العسكرية محاولة احياء التنظيم
مرتين، انتهت المحاولة الأولى بالقبض على المجموعة في سنة 1977، وانتهت المحاولة
الثانية بالقبض على الشباب في سنة 1979 نتيجة وجود مرشد للمباحث بينهم.
وكان محمد
عبد السلام فرج صاحب كتاب «الفريضة الغائبة» بحدود 1979 من الذين لم يقبض عليهم من
المجموعة الثانية، وبدأ محمد عبد السلام فرج في الحركة النشيطة في القاهرة والجيزة
وشمال مصر.
وفي نفس
الوقت كان التيار الجهادي السلفي يسيطر على اتحادات الطلاب في جامعات جنوب مصر،
ويرفض محاولات الاخوان لاحتوائهم وادخالهم في خط التهادن مع الحكومة.
وبدأ هؤلاء
الشباب في جامعات جنوب مصر يتعرفون على الشيخ عمر عبد الرحمن ويدعونه الى
محاضراتهم ومؤتمراتهم ومخيماتهم.ش
وأخذ نشاط
هؤلاء الشباب ينتقل بعد السيطرة على الجامعة الى العمل الجماهيري خارج الجامعة
وكان من أهم أنشطتهم المظاهرات والمؤتمرات الحاشدة اعتراضاً على الصلح مع اسرائيل
وعلى استقبال السادات لشاه ايران في مصر.
والتقى
محمد عبد السلام فرج واخوانه بالشباب في جنوب مصر وباتحاد هذين التيارين تكونت
«الجماعة الاسلامية» بامارة عمر عبد الرحمن الذي يقضي عقوبة السجن المؤبد في سجن
روشستر مينسوتا بالولايات المتحدة بتهمة التورط في تفجيرات نيويورك.
* غدا..
رفاق على الطريق
*
الأسلامبولي.. عبد السلام فراج.. وكيل النيابة يحيي هاشم
4 «الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب
الظواهري أو «الوصية الأخيرة» ـ فاتحني وكيل النيابة يحيى هاشم «الخلية النائمة» بحرب
عصابات فلم أوافق عليها لأن طبيعة مصر لا تصلح لها * العداء المستحكم في قلوب الأصوليين لإسرائيل وأميركا أمد
«القاعدة» بذخيرة من «الأفغان العرب» * العلمانيون كثيرا ما افتروا علينا بترديد
مزاعم أن الحركات الجهادية في أفغانستان «صنعت في أميركا» * اغتيال السادات كشف أن
أجهزة الأمن كانت آخر من يعلم عن التيارات الجهادية التي تموج تحت السطح * نصحت
عناصر «الجهاد» بالابتعاد عن فكرة العصابات لأنها لا تناسب طبيعة الأرض
المصرية لندن: «الشرق
الأوسط»
«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من
ينتظر وما بدلوا تبديلا». * وكيل
نيابة مصري يلجأ لحرب العصابات * لم
تكن عملية الفنية العسكرية هي الارهاصة الوحيدة في ذلك الوقت، فعقب هذه العملية
بأشهر معدودات قام يحيى هاشم بمحاولة لبداية حرب عصابات من جبال المنيا. ورغم ان
هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح لانها لم تراع الظروف الموضوعية اللازمة لنجاح
هذه الحروب، الا انها كانت مؤشرا آخر على ان التغير في فكر الحركة الاسلامية صار
حقيقة ملموسة، وان الشباب المسلم هذه المرة لم يعد كأسلافه في الاربعينات. ويحيى
هاشم رائد من رواد الجهاد في مصر، وحق له ان يكون كذلك. فقد انعم الله عليه بنعمة
عظيمة وهي نفسه العزيزة وهمته العالية التي حملته على ان يضحي بكل ما يملك غير
مبال بحطام الدنيا ولا ما يتكالب عليه الناس. وكانت فيه خصلة اخرى حميدة وهي
حماسته في سبيل ما يؤمن به، وكان ايضا ـ رحمه الله ـ ذا نفس صافية تحسن الظن
وتتعاطف مع اخوانه المسلمين. وكان يحيى هاشم وكيلا للنيابة وهو منصب يتمناه كثير
من الشباب، ولكن يحيى كان لا يعبأ بهذا المنصب وكان دائما على استعداد للتضحية به
في سبيل الله، غير مبال بحطام الدنيا التي يتكالب عليها الناس. تعرفت على يحيى
هاشم عقب انضمامه الى مجموعتنا الناشئة في اعقاب نكسة .1967 وكانت بداية انضمامه
الينا حادثة فريدة. ففي ذلك الوقت كانت البلد تموج بالمظاهرات ـ وخاصة في الجامعات
وبين العمال ـ احتجاجا على كارثة الحكم الناصري وتقهقر قواته امام اسرائيل، فقد
تبعثر اقوى جيش عربي، جيش زعيم الامة العربية الذي كان يعده ـ كما كان يكذب على
شعبه ـ ليلقي باسرائيل في البحر ـ وليحارب ـ كما كان يزعم ـ اسرائيل ومَنْ وراء
اسرائيل. وتحول هذا الجيش الجرار الى فلول تبحث عن مهرب في صحراء سيناء من مطاردة
جيش الدفاع الاسرائيلي. وتحطم سلاح الطيران على الارض قبل ان يتحرك. * مظاهرة لـ«الجهاد من مسجد الحسين * وقررنا ان نحرك مظاهرة من مسجد الامام
الحسين ـ رضي الله عنه ـ ونخرج بها الى شارع الازهر ثم الى وسط القاهرة، تضمانا مع
مظاهرات الطلبة في الجامعة والعمال في منطقة حلوان الصناعية. وقصدنا مسجد سيدنا
الحسين ـ رضي الله عنه ـ في صلاة الجمعة، ووزعنا انفسنا في انحاء المسجد، وبعد
الصلاة وقف يحيى هاشم يخطب في الناس موضحا مدى النكبات التي حلت على الامة
المسلمة، وجاوبناه بالتكبير، ولكن المباحث كانت مستعدة ومترقبة في هذه الاجواء
المتوترة، فأحاط به المخبرون وأخذوا يدفعونه الى خارج المسجد، والناس مندهشون من
هذه الجرأة التي لم يعهدها احد في ظل حكم عبد الناصر. ولكن يحيى لم يكف عن الصياح
بأعلى صوته وقد احاطه المخبرون من كل جانب يمسكون به ويدفعونه. ولما خرج الى ميدان
الامام الحسين ـ رضي الله عنه ـ استمر في الخطابة بصوت جهوري. فلجأ المخبرون الى
حيلة لاسكاته، فتقدم احدهم وامسك بخناقه وقال له: يا لص انت سرقت محفظتي وأخذ يصرخ
بصوت اعلى من يحيى. وتجمع عليه المخبرون ودفعوا به الى صيدلية قريبة واغلقوها
عليه. وسرعان ما اتت سيارة حملته وذهبوا به الى مدير المباحث العامة ـ في ذلك
الوقت ـ حسن طلعت. وكان الحكم الناصري في ذلك الوقت مبهوتا مترنحا، وكانت اجهزة
امنه غير قادرة على التصرف، فقد كانت بين نارين، قيادة شلتها فضيحة الهزيمة تقود
حكما نخر فيه السوس والعفن من ناحية، ومقاومة شعبية رافضة كسرت حاجز الخوف وفاجأت
هذه الاجهزة بظاهرة جديدة من المقاومة والرفض لم تعهدها من قبل. وفي مبنى المباحث
اوسعوا يحيى هاشم ضربا، ثم ساقوه الى مكتب مدير مباحث امن الدولة حسن طلعت. وحكى
لنا يحيى هاشم ـ عن المقابلة التي حدثت في مكتب حسن طلعت، ومدى الورطة التي وجد
النظام نفسه فيها. فالغضبة الشعبية وصلت الى سلك القضاء والنيابة، ووجد مدير مباحث
امن الدولة نفسه امام وكيل نيابة ـ يتمتع بالحصانة القضائية ـ والبلد تغلي
كالبركان غليانا شل مدير مباحث امن الدولة عن ممارسة اساليبه المعهودة وخاصة مع
المسلمين. وأخذ حسن طلعت يدافع عن نفسه ـ امام يحيى هاشم ـ ويردد انه مسلم يدافع عن
الاسلام، وهو الذي ترقى في خدمة الحكم على دماء المسلمين واشلائهم. ولكن يحيى
هاجمه كالاسد الحروب مسفها مزاعمه. وكانت فوق رأس حسن طلعت على الحائط لوحة كبيرة
مكتوب فيها اسم الجلالة، فصاح به يحيى: لماذا تضع هذه اللوحة فوق رأسك وانت لا
تعرف الله؟ ولم يجد الحكم بدا من الانسحاب والتراجع في هذه الظروف العصيبة، فأفرج
عن يحيى هاشم صاغرا. لقد كانت مظاهرة مسجد الامام الحسين ـ رضي الله عنه ـ فورة
عاطفية متناسبة مع اعمارنا في تلك المرحلة. وانطلق يحيى هاشم لا يترك فرصة في
الدعوة والتحريض على النظام ودعوة المسلمين الى الجهاد. وتزامن نشاطه هذا مع موت
عبد الناصر وخروج الاخوان على دفعات في بداية عهد السادات. والتقى يحيى هاشم بعدد
من قيادات الاخوان، وبطبيعته الصافية وعاطفته الجياشة توجه اليهم بكل مشاعره،
باعتبارهم القادة الشرعيين للحركة الاسلامية كما اقنعوه. وجاء الينا يحمل تصورهم
في العمل. كان تصورهم يقوم على ان تكون لهم القيادة من بعد ولكن لا يتحملون
مسؤولية اية مشكلة تحدث لاية مجموعة. فقلت ليحيى: ان هذه هي عين الانتهازية، لهم
حسنة القيادة وعلينا سيئتها. ولكن يحيى كان مندفعا في حبه لهم وحسن ظنه بهم. وشاء
قدر الله الغالب ان يكشف له عن الحقيقة في واقع عملي، فقد حدث ان احد اخوانه حدثت
له مشكلة امنية اضطرته الى الاختباء من اجهزة الامن، فذهب الى الاخوان ـ وهم قادته
ـ ليعينوه في حل المشكلة، ولكنه صدم بردهم، اذ انهم قالوا له عليك ان تتخلى عن هذا
الاخ تماما ولا تقدم له اي عون. وكانت صدمة ادت الى قطيعة بين يحيى هاشم والاخوان.
واستمر يحيى هاشم في اعانة اخيه ورعايته حتى اوصله الى مأمنه بفضل الله. ثم جاءت
قضية الفنية العسكرية في سنة 1974، فتعاطف يحيى هاشم معها تعاطفا شديدا وكان يتابع
اخبارها بدقة. وفي هذه الاثناء بدأت تختمر في ذهنه فكرة بدء الصدام المسلح مع
الحكومة. وبدأ يدعو المقربين منه الى الشروع في حرب العصابات، وفاتحني في هذه
الفكرة فلم اوافقه عليها، وقلت له ان طبيعة البلد لا تصلح لهذا النوع من الحروب
واعطيته كتابا عن حرب العصابات. ولكن الفكرة كانت تختمر في رأسه وفي رأس عدد من
اخوانه، واخذ يحيى هاشم يتصل بعدد من الاخوة المتهمين في قضية الكلية الفنية
العسكرية. واخذ يدبر خطة لهروبهم يستغل فيها منصبه كوكيل للنيابة، وكان اساس
الفكرة ان يستصدر امرا مزورا بترحيلهم من سجنهم وفي اثناء الترحيل يتم الهروب.
ولكن الخطة انشكفت اذ امسكت المباحث برسالة تهرب من قاعة المحكمة الى قفص
المتهمين. وبعد وقوع الرسالة التي تحتوي على شرح للخطة، قرر يحيى هاشم الهروب،
والشروع في مشروعه الخاص بحرب العصابات. ولجأ يحيى هاشم ورفاقه الى منطقة جبلية في
محافظة المنيا على حافة الصحراء، وتمركزوا فيها تحت غطاء انهم وحدة عسكرية بعد ان
اشتروا بضع قطع سلاح. ولكن عمدة القرية المجاورة استراب في الامر فأبلغ الشرطة
التي هاجمت موقع الاخوة، وحدثت معركة قبضت فيها الشرطة على الاخوة بعد نفاد
ذخيرتهم، وحاول يحيى الانقضاض على قائد القوة فعاجله برصاصات اردته قتيلا وكانت
هذه بعضا من سيرته، الذي كان ـ بحق ـ رائدا في الجهاد، مضحيا بكل ما يملك في سبيل
ايمانه. ويقول الظواهري: ان اي صاحب شركة يستطيع ان ينشر اعلانا مدفوع الاجر يطالب
فيه بالغاء قانون او قرار اداري، ويستطيع اي ممثل ان يتناول القوانين السائرة في
تمثيله، ويستطيع اي كاتب ان يعترض على احكام الشريعة ويسخر منها ويتهمها بما يشاء،
وما فرج فودة عنا ببعيد، ويستطيع اي صحافي ان يصف الحكومة بأشد الاوصاف، ويعترض
على ادارتها وقراراتها وقوانينها، الا ان الوحيد الذي لا يستطيع ذلك هو خطيب
المسجد، لان المادة 201 من قانون العقوبات تنص على: «لا يجوز لأحد ولو كان من رجال
الدين ـ داخل دور العبادة ـ ان يقول ـ ولو على سبيل الموعظة الدينية ـ قولا يعارض
به قرارا اداريا او قانونا مستقرا او عرفا سائدا، ومن يفعل ذلك حبس وغرم خمسمائة
جنيه، فان قاوم ضوعفت الغرامة والسجن». كما ان الفئة الوحيدة المحرومة من حق تكوين
النقابات ـ وهو الحق المكفول في مصر حتى للراقصات ـ هم العلماء والدعاة. ويقول:
بقتل انور السادات انفجرت قضية الجهاد في مصر والعالم العربي، بل اصبحت ممارسة
ميدانية يومية، واضحت مواجهة النظام ـ المحارب للشريعة والمتحالف مع اميركا
واسرائيل ـ معركة متصلة الفصول لم تتوقف حتى اليوم، بل على العكس تزيد حدتها يوما
بعد يوم، ويتسع ميدانها فترة بعد فترة، ويزيد انصارها مرحلة بعد مرحلة، ويشتد
تهديدها لاعدائها في واشنطن وتل ابيب طورا بعد طور. واصبحت القضايا التي فجرها قتل
انور السادات وما صاحبه من احداث قضايا اساسية في فكرة الشباب المسلم. وهكذا اصبحت
قضايا حاكمية الشريعة، وردة النظام عن الاسلام، وعمالة الحكم لاميركا واسرائيل،
مسلمات يقاتل عنها الشباب المسلم في الميدان بعد ان فجرها محمد عبد السلام فرج
واخوانه، وبعد ان اجاب خالد الاسلامبولي ـ قاتل السادات ـ حينما سئل: لماذا قتلت انور
السادات؟ بقوله: لانه لم يحكم بالشريعة، ولانه عقد صلحا مع اسرائيل، ولانه اهان
علماء الاسلام. ويعلق على مرحلة ما بعد مقتل الرئيس السادات بقوله: ان العداء
لاسرائيل واميركا في قلوب الاسلاميين عداء اصيل لا يتجزأ وهو العداء الذي امد
«القاعدة» وملحمة الجهاد في افغانستان بروافد مستمرة من «الافغان العرب»، وان قتل
انور السادات على يد ـ الاسلامبولي ورفاقه الكرام ـ كان ضربة قوية للمخطط الاميركي
الاسرائيلي في المنطقة. ويضيف: هذا يثبت مدى الافتراء والكذب في ما تردده
العلمانية العربية من ان كثيرا من الحركات الجهادية وخاصة التي شاركت في الجهاد
الافغاني هي صنيعة لاميركا. وان المرء ليعجب من هذه الجرأة في الافتراء من الكتاب
العلمانيين، فانهم لما اسقط في ايديهم حينما شاهدوا التأييد الشعبي الكاسح في
العالم الاسلامي للحركات الاسلامية المجاهدة ـ بعد انزالها ضربات موجعة بأميركا ـ
اختلقوا هذه الفرية، متناسين ان العميل السادات المقرب من اميركا قد قتل على يد
الاصوليين في عام 1981 اي في بداية الجهاد الافغاني، وان هؤلاء المجاهدين هم الذين
شاركوا في ما بعد في الجهاد الافغاني. وكان رد فعل الحكومة على هذه الاحداث وحشيا
في شدته وفي اسلوبه. ويزعم الظواهري: دارت طاحونة التعذيب والتنكيل بأقصى سرعتها
مرة اخرى لتكتب فصلا داميا جديدا في تاريخ الحركة الاسلامية المعاصر في مصر. وكانت
طاحونة التعذيب وحشية في دورانها، فقد كسرت العظام، وسلخت الجلود، وصعقت الاعصاب،
وازهقت الانفس. وكانت دنيئة في اساليبها لانها اتخذت من رواسب الدين، واحتجاز
النساء، والاعتداء الجنسي، وتسمية الرجل بأسماء النساء، والتجويع ورداءة الطعام،
وقطع المياه، والاغلاق ومنع الزيارات، وسائل معتدة لاذلال المعتقلين. وكانت طاحونة
التعذيب هذه المرة مختلفة عن سابقاتها من ناحيتين: فقد دارت ولا زالت تدور حتى
اليوم بلا توقف، كما انها ابتلعت مئات الالوف من الضحايا منذ مقتل انور السادات.
فقد قدرت لجنة الشريعة الاسلامية بنقابة المحامين عدد التظلمات المقدمة ضد
الاعتقال من 1981 الى 1991 بربع مليون تظلم. وفي مرة اخرى افرجت الحكومة عن خمسة
آلاف تائب مرة واحدة، فكم عدد الذين لم يتوبوا؟ ولا يقل ـ في الحقيقة ـ عدد
المعتقلين في السجون المصرية الآن بحال عن ستين الف معتقل، لا سبيل الى الاتصال
بهم، ولا الى معرفة احوالهم نظرا للحصار الشديد الذي تفرضه الحكومة عليهم. واحالت
مباحث امن الدولة والمخابرات الحربية المتهمين الى النيابتين المدنية والعسكرية.
وكانت تحقيقات النيابة فصلا آخر من فصول المهزلة، فقد كانت النيابة تسرب محاضر
التحقيق الى ضباط المباحث ليراجعوا فيها المتهمين، وليحاسبوهم على ما قالوه فيها،
ثم يعاد تلقينهم ما يجب عليهم اي يقولوه. ولكن نيابة امن الدولة كانت في هذه المرة
مهتزة في ثقتها بالنظام، فقد رأت بعينها حدة الصراع بين النظام وخصومه، ولذلك حرصت
على الا يكون تواطؤها مع المباحث بالقدر الذي يورطها في ادلة مادية ضدها اذا ما
انقلبت الاحوال وسقط النظام. بل بلغ الامر بالمدعي العام العسكري ـ الذي يتولى التحقيق
في اغتيال انور السادات ـ انه تجاهل مسؤولياته ولم يذهب الى منصة العرض العسكري
الا بعد يوم كامل من وقوع الحادث، رغم ان الحادثة تقع بالكامل في دائرة اختصاصه،
اذ ان المقتول هو القائد الاعلى للقوات المسلحة، والمهاجمون من افراد القوات
المسلحة، والحادث وقع على ارض عسكرية، ولكنه ترقب النتائج في اعقاب الزلزال الذي
اصاب النظام فأصابه بحالة من الشلل. لقد كان المدعي العام العسكري ينتظر ليرى بأمر
من سيحقق مع من؟ ومن سيتهم من؟ ومن سيدعي على من؟ ومن الطرائف ان العقيد محسن
السرساوي مأمور سجن استقبال طره في ذلك الوقت عقب اغتيال السادات ـ وهو نموذج
لراكبي الموجات ومنتهزي الفرص ـ دخل الى عنبر السجن ذي الطوابق الاربعة والممتلئ
بالمعتقلين السياسيين وصاح فيهم: «اخوة النضال، اخوة الكفاح لقد قتل الرئيس انور
السادات». واسرعت النيابة العسكرية بتقديم المتهمين الى القضاء العسكري بتهمة
اغتيال انور السادات وتشكلت المحكمة العسكرية برئاسة اللواء محمد سمير فاضل. ودارت
مهزلة جديدة من مهازل اقحام العلمانية العسكرية للجيش المصري في البطش بخصومها
المسلمين، بعد ان ادار الجيش المصري ظهره لاسرائيل ووجه سلاحه الى شعبه. وكانت
المحاكمة العسكرية نموذجا متكررا من المواجهات بين الحركة الاسلامية وطليعتها
المجاهدة بكل صفائها ونقائها وعطائها، وبين العلمانية العسكرية بكل زيفها ونفاقها
وفسادها. لقد ادعت العلمانية العسكرية الديمقراطية وسيادة القانون، ولكن المحاكمة
باجماع كل من شاهدها كانت تمثيلية سخيفة فاسدة الاخراج لحكم اعد مسبقا. وادعت
العلمانية العسكرية دائما انها تحترم الاسلام، ولكن هذا الاحترام كان له عند
العلمانية معنى واحد، الا وهو توظيف طبقة من العلماء للتسبيح بحمدها لتبرير ما
تفعله، وبالفعل فقد استندت المحكمة لفتوى الشيخ جاد الحق ـ مفتي الديار المصرية
حينذاك، ثم شيخ الازهر لاحقا ـ فذبحت بفتواه شباب الاصوليين.
اغتيال السادات كان ضمن خطة لقتل رؤوس الحكم والسيطرة على الإذاعة وأسيوط يقول الظواهري في كتابه: دارت
احداث تمرد ذي الحجة 1401هـ الاسلامية (اكتوبر/تشرين الاول 1981م) في مصر على
محورين: المحور الاول: الهجوم على السادات واركان حكمه خلال العرض العسكري يوم 6
اكتوبر، في محاولة لقتل اكبر عدد من رؤوس الحكم، وما صاحب هذا الهجوم من محاولة
للاستيلاء على الاذاعة. وقد نجح التحرك على هذا المحور في قتل انور السادات، اما
اركان الحكم فقد نجوا، كما لم تنجح محاولة الاستيلاء على الاذاعة. المحور الثاني:
القيام بانتفاضة مسلحة في مدينة اسيوط للاستيلاء عليها. تمرد الانتفاضة بعد اغتيال
انور السادات بيومين، اي بعد ان نجح الجيش في السيطرة على البلد وتأمين النظام.
وقد نجحت هذه المحاولة في الاستيلاء على بعض مراكز الشرطة، ولكن الحكومة استدعت
القوات الخاصة التي بدأت في دك مواقع مقاومة الاخوة فاضطر الشباب المجاهد الى ترك
هذه المراكز لما نفذت ذخائرهم. لقد كان محكوما على تمرد اسيوط المسلح بالفشل فقد
كانت انتفاضة «عاطفية» ذات نصيب متواضع من التخطيط، فقد جاءت متأخرة عن قتل
السادات بيومين، كما كانت تستند الى خطة غير واقعية تهدف الى السيطرة على مدينة
اسيوط ثم التقدم شمالا نحو القاهرة لفتحها، متناسية اية ارقام عن قوة العدو
وعتاده. وهكذا انتهت «انتفاضة» 1401هـ (1981م) بمكسب اساسي وهو قتل انور السادات،
اما ما صاحبها من محاولات فلم يكتب لها التوفيق لعدم توفر الاعداد الكافي اللازم
لها. ولكن الامر يجب ألا ينظر اليه بنظرة محدودة تتعلق بمسارح هذه الاحداث الضيقة،
بل يجب ان ينظر الى تلك الانتفاضة بنظرة اوسع تتعدى مكانها وتمتد الى آثارها التي
تبعتها والحقائق التي اثبتتها. فمن الواضح ان هذه الانتفاضة اثبتت عدة حقائق: 1 ـ
اظهرت مدى شجاعة الاصوليين الذين هاجموا قوات تتفوق عليهم اضعافا مضاعفة في العدد
والعتاد والخبرة العسكرية. 2 ـ اظهرت الاحداث الطبيعة الهجومية للحركة الاصولية
التي قررت ان تهاجم النظام في محاولة للقضاء على رؤوسه في وسط جموعه وحشوده. 3 ـ
كما اظهرت الاحداث ان تغيير النظام البعيد عن الاسلام اصبح الفكرة المحورية التي
تشغل بال الاسلاميين متخطين بذلك مناهج الاصلاح الجزئي واساليب الترقيع ووسائل
تلوين وجه النظام القبيح ببعض الاجراءات الاصلاحية. 4 ـ اثبتت الاحداث ان مرحلة
تفرد النظام الحاكم بضرب الحركة الاسلامية قد انتهت، وان على اعداء الاسلام في
البيت الابيض وتل ابيب ووكلائه في القاهرة ان يتوقعوا ردود افعال في غاية العنف
على كل حملة قمع يقومون بها. 5 ـ اثبتت الاحداث ان فكرة العمل من خلال القوانين
الحكومية والخضوع للدستور العلماني المفروض بالاستفتاءات والاعتراف بشرعية الحكومة
اصبحت افكارا بالية في نظر الاسلاميين الذين قرروا حمل السلاح ليدافعوا عن العقيدة
المغيبة والشريعة الممنوعة وحرماتهم المستباحة ووطنهم المحتل بالاستعمار الدولي
الجديد ومقدساتهم التي باعتها اتفاقيات الاستسلام مع اسرائيل. 6 ـ كما اظهرت
الاحداث الفشل الذريع لاجهزة الامن التي لم تكن على علم بان البلد يموج بالتيار
الجهادي الذي استطاع اختراق القوات المسلحة، بل واخرج منها كميات من الاسلحة، واستطاع
الوصول الى قوات العرض العسكري رغم اجراءات الامن الطويلة لتأمين ذلك العرض. أقول:
ان شباب انتفاضة عام 1981 كانت فطرته من الصفاء، ووعيه من العمق بحيث تجنب الوقوع
في هذه الفخاخ، بل ورفضها، وحمل السلاح دفاعا عن دينه وعقيدته ومقدساته وامته
ووطنه.
5 الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب الظواهري
أو «الوصية الأخيرة» ـ عصام القمري ضابط المدرعات أقنعني بإمكانية الاستيلاء على
القاهرة بعد تدريب الأصوليين على قيادة الدبابات
* نقلنا
كثيرا من شحنات الأسلحة من داخل الجيش قبل اغتيال السادات.. لكن حقيبة مفقودة
فضحتنا * عبود الزمر وضع خطة ضرب رؤساء أميركا في جنازة السادات لكن الإمكانات لم
تسمح لنا * من المستحيل على الحركة الإسلامية أن تجند عددا كبيرا من الضباط في
صفوف الجيش من دون أن ينكشف أمرهم * الشرطة المصرية استأسدت علينا لان أبناء
حركتنا كانوا غير مدربين على حمل السلاح.. ولكن الأمر تغير في أفغانستان بتكثيف
المطاردات حتى تم القبض علي
لندن:
«الشرق الأوسط»
خصص
الدكتور أيمن الظواهري زعيم تنظيم «الجهاد» المصري، وحليف أسامة بن لادن في تنظيم
«القاعدة»، جزءاً كبيراً من الحلقة الخامسة التي تنشرها «الشرق الأوسط» اليوم،
لعصام القمري، ضابط المدرعات، الذي دخل الكلية الحربية، على الرغم من درجاته
العالية في الثانوية العامة، التي تؤهله لدراسة الطب أو الهندسة، لأنه كان يريد في
الأساس قيادة انقلاب عسكري.
ويذكر
الظواهري في كتابه «فرسان تحت راية النبي»، ان سقوط ضابط المدرعات عصام القمري كان
سريعاً، ولم تتحقق أحلامه، عقب ضبط أجهزة الأمن، لحقيبة بها رسومات وخرائط وأسلحة
بحي المعادي الراقي، قادت إلى خلية القمري في الجيش المصري. ويكشف «ان القمري
اقنعني في السجن بامكانية السيطرة على عاصمة كبيرة مثل القاهرة والاستيلاء عليها
بعد تدريب كوادر الاصوليين على قيادة الدبابات. فالقمري كان مرشحاً لدورة قادة
الكتائب في الولايات المتحدة، قبل اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، لكنه
فضّل عدم السفر والمشاركة في دورة للأركان حتى يكون في خضم الاحداث، وعلى مقربة من
صناع القرار للحركة الجهادية».
ويتطرق
الظواهري إلى الفترة التي قضاها مع القمري في زنزانة واحدة، وهما يعدان التصورات
للمرحلة المقبلة من العمل الجهادي، ويلقي الضوء على الفترة التي قضاها القمري
هارباً من ملاحقة اجهزة الأمن من فبراير (شباط) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1981،
حتى قبض عليه عقب اغتيال الرئيس الراحل السادات. وكان القمري صاحب فكرة ضرب جنازة
السادات بمن فيها من الرؤساء الأميركيين، «لكن الامكانات المتاحة كانت أقل من
طموحاتنا». ويكشف زعيم «الجهاد» المصري الكثير من التفاصيل الجديدة عن واقعة هرب
عصام القمري من سجن طرة في 17 يوليو (تموز) 1988، الذي سبقه اعداد طويل ومعقد،
اتخذ أسلوب معركة اقتحام أسوار السجن واختراق اطواق الحراسة من حوله ثم عبور النيل
الى الضفة الأخرى.
ويتعرض
لمقتل الأصولي ابراهيم سلامة، بطريق الخطأ في جبل المقطم عقب هربه مع الضابط
القمري ونبيل نعيم، والأخير يقضي عقوبة السجن في سجن العقرب بمصر، بتهمة التورط في
قضية تنظيم «طلائع الفتح الإسلامي».
ويروي
الظواهري شهادته عن الفترة التي قضاها وراء القضبان في قضية «السادات»، التي عرفت
باسم «الجهاد» الكبرى عام 1981، ويتطرق الظواهري الى بيانات الدكتور عمر عبد
الرحمن، الزعيم الروحي، لـ «الجماعة الإسلامية» في القضية، التي لخصها بعد تبرئته
في كتاب حمل اسم «كلمة حق».
ويفيد ان
«أحكام المحكمة كانت مفاجأة للحكومة ولنا وقبلنا كانت مفاجأة لأجهزة الأمن، فلم
تصدر المحكمة أي احكام بالإعدام وقضت ببراءة 194 متهماً من مجموع 302 متهم».
* كان من
أهم المجموعات الجهادية التي اكتشفتها أجهزة الأمن، عصام القمري.
وإذا ذكر
عصام القمري، فلا بد من وقفة، فعصام القمري من القلائل الأفذاذ الذين لم يأخذوا
حقهم في التعريف بفضلهم وجهادهم، لأن أجهزة الإعلام والدعاية في بلادنا في يد
جماعات غير موالية للإسلاميين، فهم يقصرون حق النشر عليهم ويحرمونه على
الإسلاميين، اتباعاً لسياسة الغرب الذي يسيطر فيه اليهود على وسائل الإعلام
والتوجيه.
وعصام
القمري، رجل جاد أخذ منذ بداية شبابه قضية الإسلام مأخذ الجد، فقرر أن يدخل الكلية
الحربية ليغير النظام الحاكم في مصر، هكذا كانت قناعته وهو لا يزال طالباً متخرجاً
من المدارس الثانوية، وقد أخبرني يرحمه الله أنه سأل والده بعد دخوله للكلية
الحربية: أتدري لماذا دخلت الكلية الحربية؟ فقال له والده: لماذا؟ فقال له: لكي
أقوم بانقلاب عسكري في مصر، وذهل والده، لكنه لم يستطع شيئاً فقد كان عصام قد قبل
في الكلية الحربية.
وكان مجموع
عصام القمري في امتحان الثانوية العامة يؤهله لدخول عدد من الكليات العملية (كالطب
والهندسة ونحوهما)، وكانت عادة الناس وما زالت، أن يفضلوا الالتحاق بالكليات
العملية في الجامعة على الكليات العسكرية، لكن عصام خالف هذا العرف السائد لأمر في
نفسه.
وفي الكلية
الحربية، تعرّف عصام القمري على محمد مصطفى عليوة، شقيق علوي مصطفى عليوة ـ أحد
الناشطين في جماعة الجهاد كذلك ـ الذي ضمه مع شقيقه إلى مجموعتنا الجهادية، وهكذا
انضم عصام القمري إلى المجاهدين في مصر، ومنذ انضمام عصام القمري إلى هذا الطريق
وحتى مقتله، لم يتوقف عن العطاء المثمر والبذل الجاد في سبيل هذا الدين.
وأعانه على
هذا المستوى السامي طبيعته وخلقه الراقي، فعصام القمري رجل بكل ما تعنيه كلمة
الرجولة من معان، وشهم بكل ما تدل عليه لفظة الشهامة من مدلولات. بل إن كثيراً من
المتاعب التي عاناها والتضحيات التي قدمها عصام القمري، برضا واطمئنان، كانت بسبب
ما انطوت عليه نفسه الكريمة من شهامة ونخوة.
وبعد تخرج
عصام القمري في الكلية العسكرية، انخرط في سلاح المدرعات، الذي أحبه وتفوق فيه
وكان يكرر لنا ان هذا السلاح يجب أن يكون سلاح المسلمين لما يتوفر فيه من قدرة على
حسم المعارك وردع الخصم.
وكان تفوق
عصام القمري في سلاح المدرعات، تفوقاً ملحوظاً مميزاً، فقد انكبّ عصام على العلم
العسكري دراسة وفهماً، وعلى الخبرة الميدانية ممارسة وعملاً، لأنه كان يحتسب هذا
الجهد في سبيل الله، لذا لم يكن غريباً أن يتفوق عصام في كل دوراته التدريبية وأن
يكون الأول على زملائه فيها.