قبـــل الطوفــان..!!

 

 بقلم : ابراهيم العبسي

 

كثيراً ما أجد نفسي محاصراً بأسئلة جارحة وموجعة حينما اقلب النظر والفكر في المشهد العربي الرمادي والبائس الذي بات يصبغ حياتنا، ويطوق ارواحنا وأيامنا، ويلقي بظلاله الموحشة على مستقبلنا.

ترى.. ما السر في تطور وتقدم الشعوب والأمم فوق هذه الارض، ومنها شعوب وامم افريقيا السوداء، وآسيا، وامريكا الجنوبية التي كانت خلفنا بمئات السنين في السلم الحضاري، فيما أمتنا العربية تتطور وتتقدم ايضاً.. ولكن الى الوراء!!

هل السر في التركيبة البيولوجية والنفسية للانسان العربي المتفرد والمتوحد وغير القابل للتطور او الدخول في حضارة العصر، كما يقول اليائسون والمحبطون!! ولكن.. اذا كان ذلك صحيحاً، فكيف استطاع هذا الانسان ان يشيد حضارة عربية اسلامية قبل اربعة عشر قرناً، كانت هي الأقوى والأعظم فوق هذه الأرض!!

أم تراها الهجمة الصهيونية التي باغتتنا في لحظة ضعف تاريخية منذ ما يزيد على القرن، فضربتنا وشلت ارادتنا، واوقعتنا تحت اقدامها، وما تزال تضربنا حتى هذه اللحظة، دون ان نجرؤ على مجرد الدفاع عن انفسنا..!!

ام تراه ارتهاننا للامبريالية الاميركية التي فردت ظلها الاسود على سمائنا وارضنا، فأعمت عيوننا ومنعتنا من رؤية ما حولنا، وشدتنا الى الوراء، وضربت ثقافتنا وتراثنا لتضمن عدم نهوضنا من جديد، وبقاءنا مشدودين الى قاع الحياة نستجدي خبزنا.. ولا نجرؤ على الحلم حتى بحريتنا..!!

أم تراه طغيان وضراوة الواقع العربي الذي اصطبغ بسواد هاتين الهجمتين، وفرض علينا نوعاً من الديمقراطية العربية الفريدة، ديمقراطية الـ 9.99 في المائة، والتي حددت شكلها ومضمونها النخب الحاكمة واجهزتها الامنية والتي لم تورثنا سوى الفساد والانحراف والاختلاس، وسرقة المال العام، وسيادة الجهلة وابعاد المبدعين وشيوع ثقافة الهبش والنتش واستفحال البطالة والظلم والقهر، وسيطرة الاقطاع الوظيفي والعشائري والنخبوي والذي ترتب عليه كل اشكال الفساد السياسي والاقتصادي والانحراف الاجتماعي والاخلاقي، لدرجة باتت الكآبة بفضل هذا الواقع هي الوباء الأخطر في حياة المواطن العربي، والتي يمكن ان تخلق منه بالفعل مواطناً لا منتمٍ، محبطاً ويائساً حتى من نفسه.

انها الفاجعة، وربما النهاية ان لم نتدارك هذا الواقع ونتصدى لتغييره، وننهض للامساك بزمام حياتنا ومصائرنا، ونسجل ولو انتصاراً واحداً. نمسك من خلاله طرف الخيط، ونقبض على السر الأعظم في رقي وتطور وتقدم شعوب وأمم الارض، قبل أن يغرقنا الطوفان.