يوم في حياة فتى فلسطيني

 قصة : ربيحة علان علان

سقوط الصواريخ  خلف أجواء من الإرتباك والغضب والحزن في المنطقة ... إندفع الفتية من أبناء الأحياء المجاورة نحو مكان الإنفجار ..

وقف "خليل" بين آخرين ممن تجمهروا هناك – يرقب بذهول محاولة إنقاذ شاب نجى بإعجوبة من داخل السيارة المشتعلة بنار الحقد الصهيوني ... 

كان هناك العديد من الجرحى .. وفي السيارة الأخرى التي إكتمل أحتراقها كانت جثة مناضل قد إحترقت بالكامل وتركت من شكل الشهيد رأسا ويدين متجاهات نحو السماء كأنما أتم الشهيد الصلاة وأخذ يختمها بالدعاء ... 

دفع خليل باب بيته ودخل ، نظر إلى أخويه الصغيرين فشعر برغبة شديدة بضمهما إليه ، حمل خليل أخويه الصغيرين إلى غرفته ليكونا بجانبه ..

سمعت الأم صوت الصغيرين وقد إرتفع .. دخلت إلى الغرفة فوجدت خليل – على غير عادته – قد سمح للصغيرين باللعب كيفما أرادا داخل الغرفة . نظرت الأم إلى خليل وكانت هادئة كهدوء خليل .. نظرت إلى عيني طفلها الكبير وقرأت حاله ؛ وبعد شيء من التفكير بدأت تحاول كسر هذا الذهول من عينيه فقالت : آه  .. الصغار الأشقياء .. سآخذهما إلى غرفتي الآن .. ألا تريد أن تأكل يا بني ، أعددت لك الطعام الذي تحبه ، هل أحضره هنا أم تأكل معنا هناك ؟

حاول خليل أن يبتسم  ، وجمع شيئا من بقايا ذاته ليجيب أمه ؛ فقال وبصوت قريب للصمت : لا  لا داعي يا أمي للطعام لا أشعر بالجوع ...

خرجت الأم ومعها الطفلين ، ثم عادة إلى الغرفة بعد ربع ساعة فأعادت السؤال عليه بشأن الطعام ، كرر خليل رفضه فخرجت ، ثم عادت بعد دقائق فسألته أن يأكل القليل ؛ كرر خليل الرفض ..

وكان طوال الوقت يجلس على طرف السرير وفي نفس الموضع ولم يتحرك لا يمينا ولا يسارا .. عادت الأم بعد دقائق ومعها كأس من الشاي وصحن صغير فيه بعض مما بقي من كعك العيد ووضعته على طاولة المكتب الذي  تنتشر فوقه دفاتر خليل ..

 ثم قالت – وقد غيرت صوتها ليبدو طبيعيا أكثر - : يا بني لديك غدا إمتحان هام للغاية ؛ الرياضيات ، وأنا أعلم أنك تنوي أن تكون الأول ..  أم تريد أن يسبقك "وليد" لها ..

هيا يا بني هاك الشاي والكعك الذي تحب ... ثم قم وغيّر ملابسك ، قبل أن يعود والدك فينشغل عليك ويظن أنك الان وصلت من الخارج .. هيا هيا ...

وأخذت الأم تحرك جسد إبنها ... وتكلمه بقصة من هنا ومن هناك ... حتى قام من مكانه ..

 وقال : حسنا يا أمي ؛ سأذاكر قليلا ثم أنام وبعد صلاة الفجر أذاكر ما بقي ..

هدأت نفس الأم فقامت وقبلت جبين طفلها الكبير ثم خرجت وهي تسمعه دعواتها له بالخير والنجاح ...

اقترب خليل من درج مكتبه الصغير وتناول كتاب الرياضيات ... وأخذ يتذكر صديقه الغالي "وليد" .. رفيق الدراسة والعمر .. الذي تعرف إليه في الصف الثالث الابتدائي .. يوم انتقل "وليد" إلى مدرسة خليل  قادما من مدارس القدس بعد هدم منزل "وليد" في القدس حيث إتهم الصهاينة والده  بالمسؤلية عن خطف جندي صهيوني ...

إنشغل خليل الان بتذكر تلك المنافسة الجميلة بين الصديقين والزميلين والحبيبين الجالسين في نفس المقعد الدراسي .. وتذكر خليل حلم الصديقين بأن يتخرجا من الصف العاشر إلى الحادي عشر العلمي ... ثم يحصلا على أقصى ما يستطيعانه من علامة في الثانوية العامة ... كي يصبح بمقدورهما الحصول على بعثة دراسية تخفف عن كاهل الأهل مصاريف الدراسة الجامعية ...

نعم .. نعم ... قال خليل في نفسه ... نعم يا وليد .. سنكون متفوقين بإذن الله وسنكون طبيبين رائعين ... بلادنا تحتاج إلى المزيد من الأطباء المميزين ... والمتمكنين .. هذا هو سلاحنا ...

نعم ...  نعم يا وليد .. سنكون بإذن الله .. سنكون يا صديقي .. طبيبين .. طبيبين ..

عند الفجر ؛ قامت أم خليل للصلاة و ليوم جديد ، ففاجئها ضوء قادم من غرفة خليل .. هرعت إلى الغرفة تدفع بابها فإذا بخليل يحمل القلم بين يديه ومندمج بالمذاكرة ..

 قالت ( مذهولة) : خليل ، لم تنم يا بني ؟

خليل ( بصوت مليء بالحيوية والنشاط والحماس) : أمي .. الرياضيات جميلة جدا جدا .. لم أستطع النوم .. أنت تعلمين أني أحب الرياضيات .. سأنام بعد الامتحان .. لا تخافي مازلت غير راغب في النوم ..

نظرت الأم إلى كأس الشاي  .. فوجدته كأنما لم يمس ... لكنها آثرت السكوت .. وقفت قليلا قرب الباب ، ثم قالت : حسنا بني سأصنع لك كأسا من الشاي ثم الفطور .. ودعت له بالخير على مسامعه وفي قلبها ثم أغلقت الباب ..

في الساعة السابعة صباحا .. خرج خليل من بيته وكله حماس ونشاط رغم أنه لم ينم طوال الليل .. توجه خليل إلى المدرسة ..  كان الطريق شبه فارغ من الطلاب اللذين يمرون من نفس طريقه.. لكنه لم يعر ذلك إهتماما ... ركض خليل باتجاه الـمدرسة  .. ففاجئته الـمدرسة  ...

كان بابها شبه مغلق .. وكانت شبه خالية ...

 أمام باب المدرسة وقفت قدمي .. وعيني .. ..  وحلم خليل ..

وقبل أن يفهم سبب إندفاع بقايا الطلاب والأساتذة نحوه ... أفهمه ملصق علق منه العديد على باب وجدار المدرسة .. ملصق عليه رسم " وليد" ...