عرض بانورامي للقمم العربية منذ 64 وحتي 2002

 

بقلم : محمد الرفرافي

 

أجمع الملوك والرؤساء العرب علي إنهاء الخلافات وتصفية الجو العربي من جميع الشوائب وتوثيق العلاقات بين الدول العربية الشقيقة ضمانا للتعاون والبناء الجماعي ودرءا للمطامع التوسعية العدوانية التي تهدد العرب جميعا علي السوا (من بيان مؤتمر القاهرة الأول 1964).. وأجمع نفس الملوك والرؤساء العرب علي وجوب استعمال جميع إمكانيات العرب وطاقاتهم لمواجهة تحدي الاستعمار والصهيونية.. (من بيان مؤتمر الإسكندرية في نفس تلك السنة).. وأجمع هؤلاء مرة أخري علي أن يلتزموا بالحفاظ علي وحدة التراب الوطني للأقطار العربية وعلي أن قضية الحريات واحدة لا تتجزأ وأن العدوان علي أي منها، هو عدوان علي سائرها (مؤتمر الدار البيضاء 1965) ثم أجمعوا علي التمسك بوحدة الصف العربي والالتزام بميثاق التضامن العربي (مؤتمر الخرطوم 1967 الشهير بلاءاته الثلاث).

واتفق العرب ذات مرة علي ألاّ يتفقوا وكان ذلك قي مؤتمر الرباط 1969، الذي انتهي بعدم إصدار قرارات أو بيان ختامي.. لكن اتفقوا بعد ذلك علي أن من بين أهداف المرحلة الحالية للنضال العربي، هو التحرير الكامل لجميع الأراضي العربية المحتلة في عدوان حزيران (يونيو) 1967 وأنّ الملوك والرؤساء العرب إدراكا منهم لمسؤولياتهم، يؤكدون استعدادهم للمساهمة في تحقيق سلام عادل علي أساس انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية (مؤتمر الجزائر 1973). بعد سنة واحدة اجتمع العرب من جديد في الرباط ليؤكدوا علي القرارات الصادرة عن مؤتمر الجزائر، بخصوص الالتزام العربي باستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.. وقد وافقوا في هذا المؤتمر علي تعديل ميثاق الجامعة العربية، الذي-وعلي حدِّ علمي- لم يقع تعديله إلي اليوم.

بعد مرور عام ونصف علي الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد أسبوع من قمة الرياض أدرك الملوك والرؤساء العرب بأن جزءا كبيرا من أسباب تفاقم الأزمة اللبنانية هو انعكاس للخلافات العربية علي الأوضاع اللبنانية الداخلية ، فأكدوا علي الالتزام بكل ما صدر عن القمم العربية من قرارات تخص دعم التضامن العربي (مؤتمر القاهرة 1976).. بعد سنتين علي هذا المؤتمر، قرر السادات بمفرده وبمؤازرة بلدين عربيين، أن يقضي حاجته الطبيعية فوق أرشيف كل ما أجمع عليه عرب الجامعة منذ أول مؤتمر تأسيسي للجامعة العربية (1946 في إنشاص) وأن يذهب وحده إلي القدس المحتلة ليرمي عرض حائط المبكي جزءا من كرامة العرب التي استرجعوها بحرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973. فقرر الملوك والرؤساء العرب نقل مقر الجامعة العربية من مهدها الأول بالقاهرة إلي دار الحضانة التونسية، قبل أن يعمد السادات إلي وضعها في صندوق والإلقاء بها في مياه النيل.. وبالطبع، اتفق هؤلاء العرب علي عدم موافقتهم علي اتفاقية كامب ديفيد وما يترتب عليها من آثار، وضرورة توجيه الجهود العربية لمعالجة الخلل الاستراتيجي الناجم عنها (مؤتمر بغداد 1978).. ليس هذا فقط، بل عاد هؤلاء من جديد، بعد سنة ليجددوا تعلّقهم بقرارات قمة بغداد و قمتي الرياض والقاهرة وتأكيدهم علي أن الأمة العربية تناضل من أجل بلوغ السلام العادل المبني علي مبادئ الحق والعدل والقائم علي استعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني وتحرير الأراضي العربية المحتلة (مؤتمر تونس 1979).. في العام التالي، اجتمع العرب مرة أخري، ليؤكدوا استمرارهم في مقاومة كامب ديفيد، وآثارها ورفض أي تسوية لا تتضمن الانسحاب الكامل غير المشروط من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ، واتفقوا علي تحييد قضية انعقاد مؤتمر القمة لتكون في منأي عن الخلافات التي من شأنها إضعاف هذه المؤسسة وعرقلة أعمالها (مؤتمر عمان 1980، لم تحضره 5 دول عربية)!

.. بعد وضع طبخة كامب ديفيد علي نار هادئة، بدأ إعداد طناجر أخري للسلام، فيما كانت إسرائيل تعد عدّتها لاجتياح لبنان وإلقاء الفلسطينيين في البحر. وبالفعل، كانت طبخة مشروع فهد للسلام جاهزة، وكان الملوك والرؤساء العرب جاهزين هم أيضا لتناولها في قمة انعقدت علي وجبتين (1981- 1982) في فاس، فيما كان الفأس الإسرائيلي قد وصل إلي بيوت بيروت وتمكن من حفر قبر لبناني للظاهرة الفلسطينية المسلحة.. وكانت وجبة فاس الأولي (1981) حيث شاركت بها كل الدول العربية باستثناء مصر وكانت أقصر قمة عربية علي الإطلاق لم تستغرق أكثر من خمس ساعات ورفضت خلالها سورية ودول جبهة الرفض خطة الملك فهد من أجل حل أزمة الشرق الأوسط وتماشيا مع الخلاف الرسمي تم تعليق أعمال القمة إلي موعد لم يتم تحديده. وفي وجبة فاس الثانية (1982) حضرت جميع الدول العربية باستثناء مصر وليبيا واعترفت ضمنياً ولأول مرة بحق إسرائيل في الوجود وطالبت بانسحابها من الأراضي العربية التي احتلتها في عام 1967 وإزالة جميع المستوطنات التي أقيمت بعد هذا التاريخ، كما طالبـــت بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم والاعتراف بحق جميع دول المنطقة في الوجود في إطار قرارات الأمم المتحدة .

ثم وقبل انعقاد قمة الرياض الثالثة عشرة، التقي العرب من جديد، في قمة طارئة بالرباط قيل أنها ستبحث أساسا وضع المخيمات الفلسطينية في بيروت، وذلك بعد أن عاشت صيفا أسود شبيهاً بلون الشهر الذي عاشته في عاصمة عربية أخري قبل 15 سنة (وكان قد جمع العرب آنذاك في قمّّة) وحصاراً أشبه بالذي عاشته أكثر من مرة في أكثر من مناسبة (اجتمع فيها العرب أيضا للتشاور) وتصفية مماثلة التي شهدتها قبل 3 سنوات (اجتمع العرب بعدها في فاس)... ولأنه في كل مرّة لا تسلم الجرة الفلسطينية من الكسر.. ولأن البحث في طريقة الحفاظ علي الجرة أهم وأفضل من البحث في نتائج كسرها.. قرر بعض العرب عدم حضور القمّة الطارئة. لذلك، لم تكن هذه القمة أفضل من قمة عمّان أو من قمة فاس، من حيث الشكل علي الأقل.. ولأنها كذلك.. ثم لأنها كالعادة قمة عربية ـ حتي ولو سمّيت غير عادية أو طارئة أو استثنائية ـ فإنها لم تنته بأفضل ممّا بدأت به.. وإذا كان أمين عام الجامعة آنذاك قد كرّر خطابه الجنائزي مؤكدا كعادته علي دوافع الاجتماع التي هي الظروف العصيبة التي تمرّ بها الأمّة العربية ، فإنّ انتهاء قمة الرباط باتفاق حول ضرورة تنقية الأجواء العربية (من تلوث الخلافات التي لم تكف عن التصاعد منذ أن اتفق العرب علي ضرورة الاتفاق) تمهيداً لقمّة الرياض المحتملة، وهذه النتيجة أعادتنا إلي النقطة المناخية حول تصفية الجو العربي من جميع الشوائب (أنظر بداية هذا الحديث).

وتتالت القمم العربية العادية منها والطارئة وفق ما طرأ علي العرب من أحداث شغلتهم بعض الشيء عن القضية الأم. هذا وقد ندّدوا ولأول مرة بالإرهاب بجميع أشكاله (قمة الدار البيضاء 1985) طالبين برفع الحصار الذي تفرضه ميلشيات حركة أمل علي المخيمات الفلسطينية في لبنان. وبعد القمة (عمان 1987) التي طالبوا فيها بدعم العراق في حربه مع إيران تاركين لكل بلد عربي حرية إعادة العلاقات مع مصر ، عقدوا في الجزائر (1988) قمة غير عادية طالبوا فيها بعقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية مؤكدين من جديد دعمها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره لكي يلتقوا بعد ذلك في قمة الدار البيضاء 1989 بحضور مصر، التي استعادت عضويتها في الجامعة العربية بعد غياب عشر سنوات، لكي يعلنوا دعمهم لقراري مجلس الأمن 242 ـ 338 وتمسكهم بمبدأ الأرض مقابل السلام وكان لبنان قد تغيب عن القمة بسبب صراعات داخلية علي السلطة. (لاحظوا ما أن يعود بلد حتي يغيب آخر) وقبيل عاصفة الصحراء التي ما تزال رمالها في حلوقنا، وتلبية لدعوة صدام حسين أعلنت قمة بغداد 1990 دعمها الانتفاضة الفلسطينية وطالبت مختلف الدول بالامتناع عن تقديم معونات لإسرائيل تسهل توطين المهاجرين في فلسطين والأراضي العربية المحتلة وأكدت اتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية ضد أي دولة تعتبر القدس عاصمة لإسرائيل . وكان لابد من قمة طارئة في القاهرة 1990 بعد شهرين ونصف من قمة بغداد لمعالجة موضوع ضم العراق للكويت والغريب هو انه بالرغم من عدم إجماعهم علي إدانة العراق فقد عادت الكويت كاملة بعد نحو خمسة أشهر بآلة أمريكية ووقود عربي في حين وبالرغم من إجماعهم الدائم علي الحق الفلسطيني لم تعد فلسطين كاملة ولا عاد إليها أهلها رغم الخمسين سنة احتلال.

ومثل السنابل مال العرب نحو السكون قبل أن تهدأ عاصفة الصحراء لكي يستيقظوا بعد خمس سنوات في قمة القاهرة 1996 علي إعادة صقل القرارات القديمة الجديدة في ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة والقدس كشرط لتحقيق السلام . قافزين بذلك فوق مكاسب الانتفاضة الأولي التي حققت بثمن فلسطيني وآخر عراقي (حرب وحصار) بعض قرارات أوسلو ثم ومن جديد وبشكل يشبه القداس الموسمي، جدد القادة العرب في قمتي القاهرة 2000 وعمان 2001 مجابهتهم لتطورات الوضع الفلسطيني والعربي بنفس القاموس اللغوي الذي سهل مع ذلك ابتلاعه بفضل قرار وحيد ملموس وهو استحداث صندوق الأقصي لدعم انتفاضة الأقصي . لكن لا أدري إن كان قتل إسرائيل لنحو 1500 فلسطيني وتدمير البنية التحتية الفلسطينية ووضع عرفات تحت الإقامة الجبرية تمهيدا لتصفيته سياسيا، كل ذلك جاء نتيجة ما تقرر في القاهرة قبل عامين في كون القادة العرب قد أكدوا عزمهم علي مواصلة توظيف الطاقات العربية في خدمة قضايا أمتهم ووضع كافة إمكاناتها لتحرير الأراضي العربية المحتلة ودعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل استرداد أرضه وإقامة دولته علي ترابه الوطني وعاصمتها القدس ، والحفاظ علي المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين . أم نتيجة لما تقرر فيما بعد أي قبل عام في قمة عمان (التي دعا إليها عرفات) من قرارات بلغ عددها 12.

يقودني هذا الجرد القومي الذي يشبه الجلد الذاتي نحو ما ذكره مواطن عربي حزين مُحبط وهو د. غازي القصيبي حين كتب ساخطا إن القمم العربية، منذ أن وجدت، تبحث كل شيء ما عدا الشيء الأساسي المركزي الذي كان عليها أن تركز عليه منذ اجتماعها الأول: ضمان الثبات والاستمرارية للدول العربية القائمة ويخلص القصيبي ـ وهو العريف بشعاب مكة ـ إلي القول نحن إذن بصدد جامعة لا تتعامل مع دول مستقرة ثابتة لا تحول ولا تزول، بل بصدد جامعة لكل عضو من أعضائها أجندته السرية الخاصة نحو باقي الأعضاء، وهي أجندة تختلف بنسبة مئة في المئة عن الأجندة القومية المعلنة .

وحديثي هنا لم يكن عن جامعة العرب كمؤسسة لها مع ذلك إسهامها في مجالات أخري غير سياسية والتي لا يمكن أن نطلب منها أكثر ممّا يمكن أن تعطيه.. فهي في كل الأحوال لم تقدم للعرب، أكثر أو أقل، أسوأ أو أفضل، ممّا قدّمته أي حكومة من الحكومات العربية التي تؤلفها.. وإنّما حديثي هو في الواقع عن ظاهرة جمع عرب الجامعة في اجتماع ما من أجل إجماعٍ ما. وهي الظاهرة التي بدأت في وقت ما، تاريخية ظرفية لتصبح مع مرور السنين وكرام العرب، ظاهرة جغرافية طقوسية قانونها الانفعال لا الفعل، ونتائجها فعل في اللغة لا لغة فعل.