عـــاقل
وسط مجـــانين!
بقلم :حلمي الاسمر
المؤرخ العسكري فان كريفلد الذي يعمل في
الجامعة العبرية بالقدس، قال كلاما في مقال له في مجلة تايم الامريكية، يجعله بحق
عاقلا وسط قوم من المجانين، حيث يرى أن تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي يؤكد انه
لن يكون بامكان إسرائيل الحاق الهزيمة بالفلسطينيين0
ويقول ان القوات الاسرائيلية ربما تكون واحدة
من أقوى القوات في العالم تقاتل ضد الفلسطينيين الذين يملكون فقط البنادق والقنابل
وقذائف المورتر المصنوعة محليا ومع ذلك فأن هذه المعادلة تنقلب عندما يتعلق الامر
بالارادة السياسية، ذلك أن استعداد الفلسطينيين للموت من اجل الحاق الخسائر
باسرائيل بدأ يثير شكوكهم حول الهدف من نشر قواتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة
وتعريضها للمخاطر0
وعليه بدأت معنويات الجنود الاسرائيليين تواجه
تحديا من المأزق اليومي المتمثل في السيطرة الامنية على الفلسطينيين الذين يعانون
من الغليان مشيرا في هذا الصدد الى المئات من جنود الاحتياط الذين رفضوا الخدمة في
الضفة الغربية وقطاع غزة0
ويخلص كريفلد الى الاعتقاد بأن الجيش
الاسرائيلي ليس في وضع يمكنه من تحقيق »النصر« وان الرد بقسوة على الهجمات
الفلسطينية سيؤدي فقط الى مزيد من الهجمات المضادة0 وأن الحل الوحيد يتمثل في خروج
اسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة!
المشكلة ان المؤرخين لا يصنعون التاريخ، بل
يكتبونه فقط، اما صانعوه فهم اولئك الذين يبدون استعدادا للموت في سبيل بعث الحياة
في افكارهم وكلماتهم، او كما قال سيد قطب: ان كلماتنا عرائس من الشمع حتى إذا متنا
في سبيلها دبت فيها الحياة، يعني لا علاقة للقصة كلها بالمبادرات السلمية
والبيانات الختامية للقمم، ربما يبدو هذا الكلام بعيدا عن "الوعي!"
السياسي السائد، ولغة الاعلام التي يفيض بها الأثير، لكن مراقبة الملحمة
الفلسطينية التي يكتبها البشر بلحمهم هناك، تدفع بمن يمتلك بصيرة ما يتوقف مليا
أمام ما توقف أمامه فان كريفلد!
المشكلة العويصة أن أحدا من »الجنرالات« لا
يستمع إلا لصوت حذائه وهو يضرب الأرض بقوه مغترا بجبروته، لا يعيده إلى حجمه
الطبيعي إلا جنرال آخر، يُحدث لديه التوازن المطلوب، أما تدبيج الخطب والبيانات
والغثاء اليومي حول »السلام« فلا يساوي ثمن ضمادة يمكنها انقاذ حياة جريح في زقاق
خلفي في مخيم.!