القيادات العربية رهينة المحبسين
بقلم : محمد
عبدالحكم دياب
منذ زيارة
السادات للقدس المحتلة واعترافه بدولة الاستيطان الصهيوني، والموقف العربي الرسمي
من فلسطين في ترد، ومن المفترض ألا يغيب عن الذهن أن تلك الزيارة وذاك الاعتراف
عنيا سحب الاعتراف بفلسطين بمعناها التاريخي والسياسي، وعنيا سحب الاعتراف بحق
شعبها في التحرير، الذي كفلته الشرائع الدينية والوضعية، وأول شيء انعكس عليه سحب
الاعتراف هذا، كان وثيقة السفر المصرية، الممنوحة للفلسطينيين، وكانت تسمح لهم
بالاقامة والعمل والتنقل والملكية، وأصبحت وثيقة حظر ومنع ومقاطعة، وبهذا سحبت
السلطات الرسمية المصرية - أيضا - الاعتراف بوثيقة صدرت عنها، فأساءت إلي نفسها
قبل أن تسيء إلي الفلسطينيين، فهي من جهة لم تحترم وثيقة صادرة عنها، بكل ما يعني
هذا من إهدار لقوانين وأعراف وطنية ودولية، ومن جهة أخري فإن هذا التصرف أظهر
السلطات الرسمية وكأنها تسحب اعترافها بنفسها لا بغيرها، وكل هذا من أجل أن توظف
هذه الوثيقة في غير هدفها، فبها منع حاملوها من الاقامة والعمل والتنقل والملكية،
بل أكثر من هذا أن كثيرين ممن حملوها جردوا من ملكيتهم في مصر!!.
التنازلات
منذ 1977 تتري في اتجاه سحب الاعتراف العربي بفلسطين، وفي اتجاه تحويل القرار
الرسمي العربي ليكون في خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة العربية، حتي أن السادات
عندما ذهب إلي الدولة الصهيونية، ذهب إلي القدس المحتلة، ولم يذهب لتل أبيب، فكان
منذ لحظته الأولي يصطف في الصف الصهيوني الذي يعتبر القدس عاصمة أبدية للدولة
الصهيونية، ورغم المقاومة الشديدة لتوجهات السادات الصهيونية علي المستويين الرسمي
والشعبي، إلا أنه مع بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي بدأت قوي المقاومة
الرسمية تضعف بفعل تداعيات كثيرة، منها الخلاف السوري العراقي، ثم الحرب العراقية
الايرانية، ولم يكد عقد التسعينات يطل علي العرب حتي وجدهم قد خاروا تماما علي
المستوي الرسمي.
وجاء
الفراغ الدولي الذي ترتب علي سقوط الاتحاد السوفييتي ليجد النظام الرسمي العربي
مهيئا تماما للاستسلام، ملقيا بنفسه في أحضان الولايات المتحدة وملبيا شروطها في
الدخول إليها عبر البوابة الصهيونية، وكانت، وما زالت، السلطات العربية تجد الجرأة
في الحديث عن دعم القضية والدفاع عن الحقوق والمصالح الفلسطينية، وقد تمادت
السياسة المصرية في هذا الاتجاه، ولم تتراجع أو تصحح موقفا واحدا من مواقفها،
المسيئة إلي سمعة مصر ومكانتها ودورها، حتي وهي تصر علي حصر نشاطها، الذي تدعيه
لدعم القضية الفلسطينية، في التبشير بعملية السلام المزيفة، وادعاء الحياد. لم
تكتف بهذا بل استخدمت كأحد أهم وسائل الضغط علي الفلسطينيين، كان آخرها منذ
أسابيع، وصول مبعوث مصري رفيع المستوي يحمل رسالة تطالب الرئيس الفلسطيني
بالاعتراف بمسؤوليته عن سفينة السلاح المهرب، والرضوخ لشروط شارون، وذلك تنفيذا لـ
رغبة أمريكية، للتخفيف من وطأة ما يتعرض له شارون بسبب ضغط الانتفاضة، وقد نسب
لمصادر فلسطينية أن الرئيس الفلسطيني قال لهذا المبعوث ان مكالمة هاتفية من الرئيس
كانت تكفي!!.
مع تراجع
المقاومة الرسمية التي واجهت نتائج كامب ديفيد، واستمرار تداعيات الحرب العراقية
الايرانية، ثم التقارب الرسمي بين مصر والعراق، وأثر المساعدة العسكرية، التي
قدمتها الحكومة المصرية، وأدت إلي حسم الموقف لصالح العراق، وهو ما جاء علي حساب
الدور العراقي، وأثر سلبا علي الموقف العربي من القضية الفلسطينية، في ظروف كان
فيها المسؤولون العرب قد تخلصوا من عبء القضية الفلسطينية، وكان ذلك أوضح ما يكون
في قمة 1987، غابت فلسطين تماما عن تلك القمة، واختفت لأول مرة من جدول الأعمال،
هذا غير ظروف أخري سبقتها جعلت من منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب
الفلسطيني، ووضعت منظمة التحرير بدورها استراتيجيتها علي أساس القرار الفلسطيني
المستقل ، وإن كان ذلك ضروريا ومطلوبا، إلا أنه وظف علي قاعدة الحق الذي يراد به
باطل ، واعتبرت خطوات ومراحل للانتقال من التعريب إلي التدويل، الذي انتهي
بالأمركة في النهاية، ووقعت القضية الفلسطينية، التي كانت قضية العرب المركزية،
رهينة محبسين: أحدهما أمريكي والآخر صهيوني.
ومع
تداعيات حرب الخليج الثانية، دخل سحب الاعتراف بفلسطين مرحلة جديدة، ففي الوقت
الذي تم فيه إجلاء الفلسطينيين من الكويت بكل عنف ووحشية سلطات ما بعد التحرير ،
وحدث شيء قريب من ذلك في السعودية وبعض دول الخليج، أقر عرب مدريد مبدأ الأرض
مقابل السلام ، فأقروا أمرا واقعا، يسلم بالاستيطان والعنصرية واغتصاب الأرض،
وانضم عرب مدريد إلي ركب سحب الاعتراف بفلسطين. وهنا تجدر الإشارة إلي أن اللحظة التي
يقبل فيها صاحب حق المساومة علي حقه، معني هذا أنه قبل بالتنازل عن هذا الحق، وبعد
أن كان الموقف محصورا في أنور السادات وفي السلطة الرسمية المصرية من بعده، فإن
مدريد أدخلت سحب الاعتراف بفلسطين المرحلة الأولي من التعريب الرسمي.
ويبدو أن
مؤتمر القمة الذي يعقد بعد أيام، في العاصمة اللبنانية بيروت، يتهيأ لدخول المرحلة
النهائية من تعريب سحب الاعتراف الكامل بفلسطين رسميا، وهنا علينا أن نرصد ظواهر
لم تكن موجودة علي نفس الدرجة من قبل، أهمها ظاهرة التدخل الأمريكي في مسار القمة،
وصل إلي مدي سافر، لم يكن متصورا في السابق، وهذا التدخل واضح من الطلب الذي تقدمت
به مجموعة من أعضاء الكونغرس الأمريكي يطلبون حضور القمة كمراقبين، في وقت يمنع
فيه الرئيس الفلسطيني من الحضور، ومجرد الاقدام علي هذه الخطوة من الجانب الأمريكي
يبين أن الولايات المتحدة أصبحت تعامل الحكام العرب مثل معاملتها لحكام جمهوريات
الموز في أمريكا الجنوبية.
وهذا الحق
الذي يمنحه الأمريكان لأنفسهم لحضور مؤتمرقمة عربي، قيل أنه سيقر مبادرة الأمير
عبد الله بن عبد العزيز، ومع أنها مبادرة يلفها الغموض، إلا أن ما نشر عنها لا
يجعلها تختلف كثيرا عن صكوك سحب الاعتراف بفلسطين، وأن الأمريكيين معنيون بالاطلاع
علي مجريات ما يجري في القمة لتمرير هذه المبادرة، وهذه القمة إذا ما اختطفت ،
وتركت تتخذ القرارات التي تصب في أمركة وصهينة القرار الرسمي العربي، وإذا ما عجزت
القمة عن تصحيح المواقف العربية الرسمية، وتضع الأمن العربي، وليس الأمن
الاسرائيلي علي رأس جدول الأعمال، فسوف تكون قمة السقوط الرسمي العربي الذي لا
قيام بعده.
والملوك
والرؤساء والقادة العرب الذين أصبحوا في واد وشعبهم العربي في واد آخر، عليهم أن
يعلموا أن هذه فرصتهم الأخيرة للتصالح مع الشعب، فعودة العلاقة السليمة بينهم وبين
الشعب عاصم لهم من مخاطر المخطط الأمريكي الذي يتحين الفرص لتغيير النظم السياسية
العربية، واحدا بعد آخر، والتغيير الأمريكي هذه المرة سيكون بالقوة العسكرية، بعد
أن نجح في تنصيب حكومة كارزاي المؤقتة بأفغانستان، بقوة الحديد والنار والدمار.
ولو وعي الحكام العرب مصالحهم ذاتها لوجدوها مهددة بسبب الارتماء في الأحضان
الأمريكية، بعد أن أصبحت الادارة الأمريكية تتصرف فيهم وفي مستقبلهم تصرف ملك
اليمين .
عندما تنظر
القمة العربية، المعبرة عن النظام العربي الرسمي، إلي فلسطين علي نفس نمط النظرة
الغربية الأمريكية، وأساسها أن فلسطين المغتصبة 1948 حق لليهود، دون وعي بخطورة
الاستيطان الذي غير معالمها وشرد أهلها وسيطر علي ممتلكات مواطنيها الأصليين، ومدي
تهديد ذلك لباقي المنطقة، فهم يقرون بالمصير الصهيوني والتوراتي الذي ينتظر أرض
العرب كلها، وأن ما تم مجرد بداية لها ما بعدها تصل ما بين النيل والفرات ، وعليه
ليس الموقف من العراق منفصلا عن هذه النظرة، وعلي القمة أن تعي خطورة هذا الذي
نقوله، يضاف إلي ذلك أن قصر المشكلة علي الاحتلال الذي تم 1967، والمساومة علي ما
هو محتل بعد 1948، فهذا لا يعني أكثر من الاستمرار في نهج سحب الاعتراف بفلسطين
وشعبها الذي عاش علي أرضها لآلاف السنين.
لا يجب أن
يكون الضعف العربي مبررا لمثل هذا التهافت، ولمثل هذه التنازلات المستمرة، فالضعف
لم يقعد العرب أو غيرهم عن ممارسة المقاومة المشروعة للاحتلال، وهم ذوو تراث غني
في مقاومة الاحتلال بشكله القديم. قاوموا الاستعمار البريطاني، والاستيطان
الفرنسي، والغزو الايطالي. قاوموا واستبسلوا وانتصروا، فقد كانوا قوما ذوي كرامة،
يملكون الإرادة والتصميم والعزم، وهي أسلحة تنصر المستضعفين. ولو أن هذا يوفره
أصحاب القرار العربي لأنفسهم ولأمتهم ما عاش العرب هذا التناقض وهذا التردي. ونحن
ما زلنا لا نحسن الظن بأن القمة العربية ستكون علي مستوي آمال وطموح الشعب العربي،
خاصة بشأن القضية الفلسطينية، وتنقية الأجواء العربية، واتخاذ موقف رافض من ضرب
العراق، والسبب هو أنه حتي لحظة كتابة هذه السطور، لم يتراجع أغلب الحكام العرب عن
كونهم صدي لإرادة الغير، والتغيير المنشود لا يصنعه الصدي، مهما كان قويا، ومهما
توفر له من نوايا حسنة أو عبارات انشائية، إنما يصنعه الموقف والفعل الايجابي
والمعالجة الصحيحة للخلافات وتجنب أسبابها، ومن هنا تضاف المصالحة إلي جانب بند
الأمن العربي وتحتل مكانها كأحد أهم بنود جدول أعمال القمة.
المصالحة
المطلوبة هي مصالحة مع النفس، ومع الشعب، ومصالحة مع القضية الفلسطينية وإعادة
الاعتراف بها، وتحمل تبعته، مصالحة تخفي الفزاعة العراقية التي يتم استخدامها من
طرف الولايات المتحدة والغرب لتخويف عرب الجزيرة والخليج وابتزازهم، ويوم يعي
مؤتمر القمة أن الأولوية للأمن العربي الجماعي، والمصالحة وإعادة الاعتراف بفلسطين
ودعم المقاومة فيها. فسوف يعون أن هذه مجالات مبادرات حقيقية تخدم العرب وتحميهم
وتحمي بلادهم من العدوان أيا كــان مصدره.
غير ذلك هو دعوة موجهة من الحكام العرب
في قمتهم لعدم الاستقرار، ودعوة لحرب أهلية عربية، فإذا لم تحقق القمة المأمول
منها، سوف تصل باليأس إلي منتهاه، وليس هناك ما يمنع الشباب من الاقتداء بالنموذج
البطولي الفلسطيني، والخوف كل الخوف أن تتحول طاقة الغضب والسخط والحنق الزائد ضد
حكام ومسؤولين في الداخل، بدلا من أن تكون موجهة بشكل صحيح نحو العدو الحقيقي.
ونأمل ألا تكون قرارات القمة علي نمط قرارات الادارة الأمريكية، مثل قرارها بعدم
إستخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن بقيام دولة فلسطينية، فمثل هذا
القرار وإن بدا في ظاهره الرحمة إلا أنه يحمل في باطنه كل العذاب، ولا يتعدي رشوة
شكلية لامتصاص السخط، وليس إلا تأكيد الاعتراف بالكيان الصهيوني وضمان أمنه.
في النهاية
نقول إن الحاكم العربي الذي يمد حبل الانقاذ للكيان الصهيوني، ولا يمد يد المساعدة
للفلسطينيين، فهو صهيوني الانتماء والهوية، ولذا وجب علينا أن نعامله بما يجب أن يعامل
به كل صهيوني، فقد أصبح شريكا في الجرائم التي ترتكبها الآلة العسكرية الصهيونية،
وأبشعها جريمة اغتيال شعب، وتأكيد صهينة قرار رسمي كان في يوم ما قرارا عربيا.