هل نعجز عربيا عن مواجهة الاحداث..؟؟
وانا ارى
واستمع للرئيس الفلسطيني يتكلم في مقابلة مع مراسل تليفزيون دبي، شعرت بالكثير من
الفرح والكثير من الألم، فرحت وانا ارى الرئيس الفلسطيني رافعا اصبعه ومتحديا من
اقترفوا ويقترفون يوميا المذابح البشعة والوحشية، والتي وصفها بانها اشد وحشية من
جرائم هتلر، والنازيين ضد اليهود، ويضيف بكل ثقة اكثر من مرة المثل الشعبي »والله
يا جبل ما يهزك ريح«.
وتألمت
وانا اعرف ان هنالك دعما ماديا عربيا للسلطة الفلسطينية - يتمنى كل عربي ان يكون
اكثر بكثير مما يدفع من دعم ليساعد على ايجاد اكياس الرز والقمح والغذاء لابناء
شعبنا المناضل، غرب النهر، الرئيس الفلسطيني اشار لهذا الدعم المادي، ولكنه كمسؤول
تجنب الحديث عن المرار والالم الذي يشعر بها اهلنا غرب النهر، وكل عربي شريف من
المحيط الى الخليج، وهو يسمع اطفالنا وشبابنا والدمار الذي يحدث يوميا لممتلكاتهم،
ويصرخون وين يا عرب وين - بكل ألم ومرارة لانهم يشعرون بفقدان الدعم السياسي على
المستويين الرسمي والشعبي لهم، والخطب الحماسية ليست في مستوى المعركة. وانا عندما
اتحدث عن اهلنا غرب النهر، فأنا اقصد ما اقوله بالضبط، فما يربط فلسطين والاردن
اكبر واعمق مما يربط فلسطين مع اي بلد عربي، او مسلم، عائلات كثيرة وعشائر كثيرة،
ابناؤها واهلها شرق النهر وغربه وما يحدث شرق النهر، يؤثر بشكل قوي اقتصاديا على
غربه، فنحن شعب واحد بكل الكلمة.
في عام
1939 تقدمت قيادة الثورة الفلسطينية الكبرى والتي كانت قد بدأت قبل ثلاثة اعوام،
وبالحاح وضغط من قادة الدول العربية المستقلة انذاك، تقدمت لهم بالطلب والضغط على
حكومة الانتداب البريطاني، من اجل تحقيق بعض مطالب الثورة، وكان في مقدمتها تقليص
ان لم يكن ايقاف هجرة اليهود من جميع انحاء العالم - العمل الرئيسي للوكالة
اليهودية - لجعل اليهود في فلسطين مجموعة كبيرة تستطيع ان تطالب وتقيم دولة
»اسرائىل« وهذا ما حدث عام 48 كما يعرف الجميع - رغم ان شعوبنا العربية كانت
ملتهبة حماسا تردد وتؤمن بعروبة فلسطين والعمل القومي العربي، وليس كما هو الآن
الايمان والعمل بشكل اقليمي اناني، لقد كتب شاعر فلسطيني الكبير - احمد طوقان
قصيدة له معبرة عن الم ابناء فلسطين والقوى الخيرة في شعوبنا العربية، من هذا
النهج الاستسلامي، وكم كنا نردد ونحن نلعب في ساحة الاقصى والمدارس كما كتب احمد
طوقان، ويردد ذلك شبابنا في الافراح والمناسبات الاجتماعية لقد كتب
انشر على
لهب القصيد
شكوى
يرددها الزمان
شكوى
العبيد الى العبيد
الى الابد
الابيد
واستمر في
قصيدته ناقدا الضعف السياسي لدولنا العربية المستقلة آنذاك، وسبحان الله ها نحن
الان بعد اكثر من خمسة وستين عاما، رغم ان دولنا العربية المستقلة تزيد عن عشرين
دولة، فلم يتغير شيء، ضعف سياسي، والم ومرارة في نفوس الجميع.
فكيف حدث
ذلك ولماذا لم تستطع دولنا العربية الكثيرة ان تكون قوة سياسية ان لم تكن متحدة
ومتضامنة لمصالحها القومية والاقليمية كالاتحاد الاوروبي مثلا، قوة تحسب امريكا
ودولة الصهاينة لها الف حساب.
مع الاسف،
خلال هذه الخمسة وستين عاما، حدث تطور حضاري ومعماري في وطننا العربي، مدننا
العربية كبرت وتضخمت وناطحات السحاب والاوتستراد كثرت والانفاق كثرت، بل ان
الاموال العربية المستثمرة من دول النفط بالذات في التجارة الدولية والمؤسسات
المالية تقدر بمئات المليارات، ونحن نزداد يوما بعد يوم ضعفا سياسيا مؤثرا، فكيف
ولماذا حدث ذلك؟
في رأيي
المتواضع يعود ذلك لسبب بسيط، لقد كان رد شعوبنا بعد قيام دولة اسرائيل عام 48 في
مدن وقرى فلسطين العربية، بعد تشريد اهلها، لا يزال بعضهم حتى الان مقيما في
مخيمات للاجئين في اكثر من بلد عربي لقد كان رد شعوبنا على تلك المهانة ونجاح
الصهيونية باقامة دولة اسرائيل لم يكن كما وجب ان يكون، تنظيم قوانا الشعبية على
اسس ديمقراطية مسؤولة - احزابا ونقابات - تحترم حرية الاخرين، وتعرف معنى
المسؤولية لا البكاء والشتائم والصراخ ضد الحركة الصهيونية واصدقائها في اوروبا
وامريكا هذا كان يعني ان الاحزاب والتنظيمات الوطنية التي قادت معركة الاستقلال من
الاستعمار الغربي، يجب ان تزيد قوة ويزداد تأثيرها على رجل الشارع العربي، ليكون
في مستوى المعركة.. بدل ذلك اخذنا نحلم وننتظر القائد المنقذ الذي سيقود شعوبنا
عسكريا وسياسيا في هذه الفترة، فكان من الطبيعي، الترحيب بحماس بكل انقلاب عسكري،
فقد ينجب لنا المنقذ، فلا زال الكثيرون من ابناء جيلي يذكرون الانقلابات العسكرية
في مشرقنا العربي، واهمها انقلاب حركة الضباط الاحرار في مصر، والتي بعد ان قضت
على القوى السياسية العريقة والمؤثرة في مصر، كحزب الوفد وحركة الاخوان المسلمون،
واخذ شعبنا بعد فشل العدوان الثلاثي، عام 56 والذي ساهم في طرد قوى الاحتلال في
مصر من البريطانيين والفرنسيين والاسرائيليين ساهم في طردهم الى حد كبير عوامل
دولية ضخمة، الاتحاد السوفييتي آنذاك وامريكا مع كل احترامنا واجلالنا للقوى
الشعبية التي كانت تناضل في مدن منطقة »قنال السويس«.
من ينسى
تضخم شعبية جمال عبدالناصر، الذي سيطر على مجلس قيادة الثورة هو وصديقه عبد الحكيم
عامر، الذي تولى الاشراف على الجيش المصري، وكيف كانت الملايين من المحيط الى
الخليج، تنتظر خطاب عبدالناصر بكل حماس، ثم فوجىء الجميع باستسلام جيوشنا عام ،67
واعلان الهدنة بعد ست ساعات من بدء المعركة، لقد عشت تلك الفترة في المانيا، كانت
من اصعب فترات حياتي اتجنب بعد الخروج من غرفة العمليات لقاء الزملاء الالمان،
لاركض الى غرفتي في القسم الذي اعمل فيه واقضي الوقت مساء مع زملاء من العراق
وايران وتركيا نتباكى معا ونناقش معا مأساة ما حدث، لقد كان واضحا جدا ان الضابط
العسكري الذي تعود تلقي الاوامر من رؤسائه واصدار الاوامر لمن يعمل تحت اشرافه، لا
يمكن ان يفهم ويتفهم الرأي المعارض واخطائه السياسية والعسكرية، وان العمل
السياسي، كان وسيبقى عملا للمسؤولين السياسيين الذين لا يكفي ذكاؤهم وشعورهم
بالمسؤولية فقط، بل اخذ عين الاعتبار بالدرجة الاولى اراء التنظيمات الشعبية
لشعوبهم.
لقد كتبت
حرفيا، بعد انتقال الحسين الى رحمة ربه، اقول - انني متأكد ان الوقت سيأتي لمناقشة
الفترة الطويلة من حكم فقيدنا الكبير بلك ايجابياتها وسلبياتها ولكن في رأيي
المتواضع، فان حزم الحسين وذكاءه حالت دون ان يقوم ضابط ارعن او مجموعة من الضباط
بانقلاب عسكري، فوفر على شعبنا اعدام الكثيرين ودخول الكثيرين الكثيرين من ابناء شعبنا
السجون لانهم قالوا لهذا الضابط او مجموعته كلمة »لا« في اللحظة المناسبة وكلنا
يعرف انه في الثلاثين عاما الماضية وللان عدا من الاردن ولبنان ودول النفط »فمال
النفط يجعل المسؤولين في تلك المناطق على مقدرة لدعم كل ما يحتاجه المواطن على
المستوى الوطني، بل والشخصي ايضا«، اقول عدا هذه البلدان العربية، فان اوروبا
وامريكا وكندا واستراليا، مليئة بمئات الآلاف من ابناء البلاد العربية الاخرى،
الذين فروا من الانظمة غير الديمقراطية الحاكمة في بلادهم او ممن درسوا في الخارج،
وقرروا البقاء في الدول التي درسوا في جامعاتها.
ان معركتنا مع الحركة الصهيونية
واسرائيل، معركة طويلة وشاقة على كل المستويات، ليس عسكريا فقط، بل اقتصاديا
وحضاريا وثقافيا ايضا، ولن نستطيع مواجهة هذه المعركة، الا بادخال وتعميق الاسلوب
الديمقراطي للحكم، حيث يستطيع المواطن من خلال الاحزاب والنقابات والتنظيمات
السياسية والصحافة الحرة ان يتحمل المشاركة ثم قيادة العمل السياسي في بلده بعد
فترة من الزمن، فان كنا نعتبر ان مدح الحاكم نفاقا، فان النقد غير المسؤول والواعي
لما يجري في بلد كل مواطن، هو العمل الديمقراطي المسؤول والمطلوب.
فمتى تبدأ
في وطننا العربي تجربة العمل لزيادة حرية المواطن على كل المستويات حرية مسؤولة،
تتحمل مسؤولية كل ما تقول وتعمل، هذا هو مجالنا الوحيد في مواجهة الخطر الصهيوني،
بكل بشاعته ووحشيته، والا سيجد ابناؤنا على المستوى القريب والبعيد، ازدياد ضعفنا
السياسي امام الاخرين في العالم.