من يوثق هذه الجرائم؟

 

بقلم : د. نبيل الشريف 

 

لقطة (1):

يقترب الشاب محمود صلاح وأحد رفاقه من حاجز اسرائيلي في منطقة بيت حنينا - (القدس). يوقف الجنود الشابين ويطلبان من رفيق محمود صلاح ان يواصل مسيره .

يبدأ بعض الجنود باطلاق النار في الهواء وفي كل الاتجاهات لتفريق المارة والشهود الذين كانوا يراقبون المشهد من نوافذ المنازل المجاورة.

يلقي الجنود بمحمود صلاح ارضا. يبدأ اثنان منهم في نزع ملابسه قطعة قطعة، يطلق جنديان عليه النار وهو مسجى على الارض وعار إلا من ملابسه الداخلية. يقترب انسان آلي (روبوت) من جثة الشهيد لتفتيش ملابسه بغرض التمويه وخلق الانطباع انه كان يخبىء القنابل..

ينسحب الجنود تاركين الشاب الشهيد غارقا في دمائه بعد اعدامه في الشارع العام على مرأى من بعض الشهود الذين كان من بينهم مصور قام بتوثيق المشهد لحظة بلحظة.

لقطة (2):

»تال بيلو« كان الجندي التاسع والاربعين بعد المائة الذي وقع على عريضة الجنود الاسرائيليين الذين يرفضون الخدمة في الاراضي المحتلة، وبعد توقيعه، اضاف على شبكة الانترنت شهادته حول قصة انتحار صديقه دانييل.

يقول تال بيلو: »في تلك الليلة، كنت مخمورا بعض الشيء، فقد شربنا على شرف دانييل الذي كان وصل من فرنسا منذ فترة وجيزة من اجل خدمة اسرائيل، وكذلك على شرف الجيش وتالي المرشدة الاجتماعية الحسناء، كنا نحتسي من زجاجة الويسكي التي كانت هدية من شقيق تالي، وكنا نستمع لموسيقى الدورس ، ونحن ندخن سجائر الحشيش، انت لا يمكنك ان تكون جنديا اسرائيليا دون ان تشرب الجوني ووكر وتستمع لموسيقى الدورس او تدخن الحشيش.

يجب ان احدثك عن زيتون غزة، فالاهالي هنا يقولون ان هذا الزيتون امتص كل مرارة حياتهم، هذه المرارة التي سببتها وطأة احتلالنا، والاحتلالات التي سبقته، كما ان هذا الزيتون ليس مرا فحسب، بل له طعم مالح ايضا يمكن ان يجعلك مجنونا، فهو جاء من دموع النساء.

فبينما كان الرجال يتصارعون مع ويلات الحياة، كانت النساء منشغلات بالاطفال، وكن يحضرن الطعام ويعملن في كروم الزيتون، وفيما هن وحيدات وسط اشجار »الزيتون« كن باستمرار يبكين، يبكين على صباهن، على احلامهن، وعلى ابنائهن المرميين في السجن او المقتولين، والزيتون كان يتشرب كل ذلك، وخلافا لما يمكن ان نتصوره كان طعمه رائعا، ومناسبا تماما مع الخمر«.. قالت تالي ان جيم موريسون كان رائعا وراحت ترقص ، كانت في غاية الجمال، وكان حديثها في غايةالروعة، وفي الاسبوع الماضي، خلال مظاهرة فلسطينية قرب المسجد الاخضر، قام دانييل باطلاق النار من بندقيته على جموع المتظاهرين، فاصاب امرأة حاملا، لقد هرعت لنجدتها، لكن كان قد فات الاوان، كانت تلفظ انفاسها الاخيرة، كانت تنظر اليّ بحزن والدموع تحجرت في عينيها، كانت حاملا في الشهر الخامس تقريبا، وكانت تنزف من بطنها نزفا شديدا، لقد اسلمت الروح في الساعة السادسة مساء.

الطبيب روني وانا لم نتحمل المشهد الرهيب، فأجهشنا بالبكاء، اما السائق »ماني« فقد قال انها مجرد عربية لا تستحق كل ذلك، طلبت منه ان يقلنا الى المقر العام، وهناك لم يسمع دانييل كلمة واحدة من احد، وتم اجراء تحقيق وتقرر ان ما حدث كان نتيجة خطأ، عيار ناري اطلق من غير قصد، لكن احدا لم يقل كلمة واحدة بحق دانييل.

قلت لروني ان دانييل كان بحاجة لاجازة وانه كان يبدو غريبا، لكن روني كان منشغلا ، وكنا جميعا منشغلين، فكانت هناك مظاهرات اخرى، وقتلى جدد »...« ذلك المساء، نظر دانييل الى تالي وقال لها انه سيخرج للحظات، طلبت منه ان اخرج معه، فقال لي : لا، ابق هنا واهتم بتالي«.. فبقيت مع تالي، وبعد دقيقة، سمعنا صوت عيار ناري..

لقطة (3) :

جنود اسرائيليون يعتقلون عددا كبيرا من الشباب الفلسطينيين اثناء مداهمتهم لاحد المخيمات. يجمع الشباب في ساحة كبيرة معصوبي الاعين ويرغمون على خفض رؤوسهم والجلوس على الارض لعدة ساعات في اجواء شتوية باردة.

يقرر الجنود نقل الشباب الفلسطينيين الى معسكرات اعتقال جماعية، يتفتق ذهنهم عن فكرة جهنمية لتسجيل اسماء المعتقلين. يطلبون منهم الكشف عن اذرعهم، ويبدأ الجنود نقش الاسماء والارقام على اللحم الحي.. تماما كما كان يفعل النازيون مع اليهود. تثور ضجة عالمية حول الحادثة لعدة ايام.. ولكنها تطوى بعد ذلك ولا يذكرها احد.

... وبعد

هذه اللقطات الثلاث ليست الا غيضا من فيض الممارسات الاسرائيلية الاجرامية بحق الفلسطينيين.. ولكن من يوثق هذه الجرائم ويحفظها لوقت الحساب؟

حتى لا تعصف الايام بهذه المشاهد وغيرها، فان المطلوب تأسيس مركز لتوثيق وقائع محرقة اسرائيل ضد الفلسطينيين .. وقد يكون هذا المركز اجدى وانفع على المدى البعيد من كل الخطب والشعارات والوعود.. التي لا تنفذ.. فهل ثمة من يقرع الجرس؟!!