مع الحياة والناس: نصدّق من؟
بقلم : خيري منصور
نصدق
الإعلام العربي الذي استطاع خلال بضعة عقود أن يبرهن على أن الشمس تشرق من الغرب،
وانها مستطيلة ولا تدور، ام نصدق الغرب الذي لا يعرف الوفاء حتى لحلفائه وهو
يفتضحهم واحدا واحدا؟ بل هو الذي تخلى عن أعزهم فحمل قبره على ظهره كالسلحفاة وطاف
به عدة عواصم، علّ واحدة منها تقبله ميّتا.
نصدق
أعيننا ام ما يقال لنا عن واقع بدا على وشك التحول الى كابوس؟
لقد ولد
ذلك الطفل المعجزة الذي قال إن الامبراطور عارٍ لكننا زجرناه.
كان
فلسطينيا ولبنانيا وعراقيا ومن طنجة ايضا ان من لم يشرب من نهر الجنون بعد عليه ان
يتحمل الاوزار كلها، وان يعيّر بالجنون الى ان تأزف نوبته فيعتذر عن عقله ويشرب
حتى يشرق من النهر اللعين.
اننا نسمع
في اليوم الواحد اكثر من عشرين نشرة اخبار، ونقرأ اكثر من عشرين جريدة فيتعدد
موتنا، وتتعدد اوطاننا، ونتعدد نحن ايضا، ما دام كل قيس يغني على ليلاه وما من
»ليلى« على الاطلاق في هذا المدى الحالك غير دمنا الذي تنسج منه العين الكليلة
التي أعياها النعاس كائنات من مختلف السلالات، الا سلالة الانسان!
فالمدن
العريقة التي شيد الاسلاف اسوارها تنهار وتتهدم امام اعيننا، من القدس الى بيروت
وبغداد، والبقية تأتي.
ان أمة
تهدد متاحفها ومعابدها وروضات اطفالها بالحريق وهي تحصي راتبها التقاعدي هي امة
مشلولة النخاع، ورهينة جغرافية لدى تاريخ غاشم، ينبع من البسطار ويصب في الخوذة
والعكس صحيح ايضا، ما دامت المعايير كلها مقلوبة، والذكاء الاجير قادر على ان يملأ
قبضته من الماء وان يسرق المطر ويبرر الجريمة ويدين العصفور حتى التجريم لانه حلق
في سماء ليست له، مطوبة لغربان الفولاذ والدخان المنفوث من ذيولها.
علينا الان
كي نستطيع مواصلة المشي على ساقين فقط، دونما حاجة لاستخدام القوائم الاربع ان نحقق
نبوءة ذلك السوداوي الذي قال سيأتي زمن يصبح فيه 1+1=صفر.
ان عشرات
الملايين تضاف الى عشرات الملايين المماثلة لها وتكون الحصيلة ايضا صفرا.
فأية
رياضيات ماكرة هذه التي تورطنا بها؟ اننا »مُنْبتون« لا وردا قطعنا ولا قمحا
أبقينا.
اما اصغرنا
وأبهانا، والأبقى منا جميعا على قيد كبريائه فهو وحيد كرمح افردناه كالبعير
الأجرب، فتعدد في وحدته حتى افردنا.
هو ذلك
الذي يصدّ بالزّغب مخالب الصقور، ويعلننا بشرا رغما عنّا.
بلغت
عصاميته الفّذة حدا جعله يتعهد بنفسه جنازته، وقد يضطر عما قليل الى ان يحفر قبره
قبل ان يرمي جسده فيه، هل نصدقه؟ ام نصدق خَوْفنا وكابوسنا؟
هل نقبل بذلك الصبيّ الذي تخلّق من
اللهب والدّمار وعثّ الحضارة زعيما في زمن الادارة؟
ام ننكره
ونسلم امرنا والقطيع كله للذئب، نصدق مَنْ في هذه الحفلة التنكرية التي تحول فيها
الغزال الى ضبع لاستدراج القطيع واغوائه، مثلما تحول الغراب الى حجل يستدرج السّرب
الى الافخاخ؟
ان قَيْسا
المضفور كالسّوط كاذب فلا تصدقوه، لان ليلى المريضة في بغداد ورام الله وسائر
المُدن المدرجة على قائمة السبي انكرته منذ جرها من جديلتها الى سوق النخاسة.
سنصدق فقط
ما نرى، هذا اذا نجونا من العمى الوبائي الذي يهدد حتى الاجنة في الارحام!