بعض من الحياء يا سادة

 

بقلم د. نورة السعد

 

بينما أخفقت معظم قنواتنا الفضائية في أن تكون عند مستوى المرحلة العصيبة التي أصبح فيها العداء سافراً تجاه المسلمين والعرب.. وأصبح الصهاينة يرسمون خطوط المواجهة وحركات الرئيس الفلسطيني.. في تحد سافر لكل ما تضمنته مفاهيم (حق السلطة الفلسطينية)..

نجد أن هناك بعض القنوات الفضائية التي حققت نجاحاً في تحقيق الهدف من الرسالة الإعلامية.. منها قناة المنار الفضائية التي تحقن برامجها وتحقيقاتها التلفازية أداء متميزاً فيما يخص (القضية الفلسطينية) ومجازر الصهاينة المستمرة منذ خمسين عاماً والتي بلغت نسبة مجحفة في الآونة الأخيرة وخصوصاً بعد بدء الانتفاضة المباركة.. فمقابل كل جسد فلسطيني يسقط مضرجاً بدمائه وكل طفل وشيخ وبيت ومسجد مهدم ومنزل يسقط على ساكنيه.. كان وسيظل هناك مزيد من الإصرار على النضال.. قناة المنار.. لديها (وصلات تلفازية) توضح صفحات الخزي الصهيوني سواء من حيث تكسير الأذرع (أمام العالم) بالحجارة وسحب أجساد الشهداء في الشوارع، وملاحقة الأطفال الفلسطينيين من قبل الجنود المدججين بالسلاح.. أو اغتيال محمد الدرة تلك اللقطات الحقيقية التي يفترض أن تبثها كافة قنواتنا الفضائية كي تعزز مفهوم الظلم لديهم والدفاع عن الأرض في زمن الهيمنة الصهيونية.

ومن أجمل ما تقدمه تلك القناة وباللغة الإنجليزية عبر حوار بين طفل وشيخ يحكي قصة العدو الصهيوني واحتلاله فلسطين.. وكم نتمنى أن (تستأجر) بقية القنوات الفضائية هذا (الشريط) بدلاً من الغثاء الفني للطرب والرقص والتمثيليات المدبلجة المليئة بالسفه والبعد عن الفضيلة..

كم كان مخجلاً أن يُقام مهرجان للغناء وتقديم جوائز فاخرة للمطربين والمطربات في بعض الدول الخليجية لتقدم عروضاً غنائية تقدمها مطربات نصف كاسيات!! ومطربين نصف واعين.. في الوقت الذي يعاني الفلسطينيون من مجازر شارون.. وبينما تتمايل أجساد الشباب العربي (المغيّب) على مدرجات المهرجانات الغنائية.. كانت أجساد الأطفال والشباب في فلسطين ترسم ملحمة الشرف والبطولة الحقيقية..

إن ما يحدث في خارطة القنوات الفضائية وأجندة بعض المسؤولين عن الترفيه ومهرجانات التسوق في بعض مجتمعاتنا الخليجية والعربية من بعد عن القيم، وتدهور نحو تقليد الغرب في توجهه الاستهلاكي، واستثارة الغرائز في زمن (إهانة المسلم)!!

فالهندوس يحرقون المسلمين في المساجد ووسائل النقل العامة أمام أنظار الحكومة الهندية، والمعتقلون من المسلمين في سجون أمريكا، ناهيك عن معتقل جوانتامو (رمز التدهور الحضاري) وليس (العدالة) كما يرددون وما يدور فيه من انتهاكات صارخة لحقوق الأسرى وحقوق الإنسان.. ناهيك عن مجازر الروس في الشيشان، ودفن الأبرياء في أفغانستان..

ونحن هنا وعبر بعض منا.. نسعى جاهدين لتكريم من يقال عنهم فنانون وفنانات!! بل إن أخبارهم في الصحف والمجلات - ودخلت صحفنا للأسف في التبعية ذاتها - طغت على أخبار الشهداء في فلسطين، بل أن خلافاً يقال أنه نشب بين مطربين من الخليج حول لحن معين استهلك من الصفحات والتحليلات لدينا وفي صحفنا السعودية، ما فاق خبر رحيل المفكر المسلم أنور الجندي يرحمه الله..

وكما اهتز وجدان ذلك الدبلوماسي العربي لسقوط فنانة من شرفة منزلها في لندن، وجادت قريحته بقصائد عصماء في ذلك الرحيل - الانتحاري ـ!!

بينما استشهاد الفلسطينية المجاهدة وفاء إدريس لم يحرك فيه خلجة!!

الإنسان الفلسطيني دون تمييز لرجل أو امرأة شيخ أو طفل يرسم ملحمة العصر.. ويتساقط الشهداء ليمعنوا في خلخلة الأمن الاجتماعي للصهاينة.. ومعظم قنواتنا الإعلامية سادرة في مزيد من اللهو وتفريغ الذات الإسلامية من ثوابتها وقيمها..

وكأنها تقدم صكاً وثائقياً لمزيد من الهزيمة النفسية لدى هؤلاء الشباب.. مقابل تلك الرسالة التي وجهها منذ شهرين ستون مثقفاً وأكاديمياً أمريكياً إلى العالم الإسلامي مطلعها - كما تم وصفها - حربي قتالي، وختامها ودي.. وبين البداية الشاهرة سيفها والنهاية التي تمد يدها للمصافحة، ثمة إنذارات جادة بمعارك ضارية وصدامات فكرية وخلافات مستقبلية، لا يعرف ما سيكون حال العالم خلالها وكيف تراه سيصبح بعدها..

وكم كان مهماً أن تكون هناك استراتيجية وطنية في المجتمعات العربية والإسلامية لتحقيق مزيد من الوعي الوطني تجاه هذه القضايا المصيرية.. وكم كان مهما أن تكون وسائل الإعلام في مستوى طموح بعض القادة العرب..

وكم كان مهما أن تؤجل هذه المهرجانات الترفيهية والرقص والغناء فنحن في زمن رديء لا مكان فيه للرقص ولا للابتسام..

فيا أيها المسؤولون عن هذه المهرجانات الفنية والرياضية، ويا أيها المسؤولون عن معظم قنوات (الرقص والغناء) احترموا دماء الشهداء.. وبعض من الحياء فقط!!