وزارة العدل الامريكية تتحول

الي دائرة لمكافحة الاسلام

 

بقلم : د. بشير موسي نافع

 

في لحظة واحدة تقريبا من صباح الاربعاء 20 اذار (مارس) الحالي اغار عملاء وضباط عدة وكالات امنية تابعة لوزارة العدل الامريكية علي مكاتب اربع عشرة مؤسسة اسلامية في ولاية فرجينيا وواحدة اخري في ولاية جورجيا. هذا فيما كان عشرات اخرون يغيرون علي منازل عدد من العاملين في هذه المؤسسات، وهم جميعا من ابرز الشخصيات الاسلامية في الولايات المتحدة ومن حاملي الجنسيات الامريكية، بين المؤسسات التي تعرضت للاغارة والتفتيش ومصادرة المحتويات: المعهد العالمي للفكر الاسلامي، احد اهم مراكز البحث والثقافة الاسلامية الجادة في الولايات المتحدة وخارجها، المعهد العالي للدراسات الاسلامية والاجتماعية، اول مركز جامعي اسلامي للدراسات العليا في امريكا، عدة مؤسسات خيرية اسلامية تنشط داخل وخارج الولايات المتحدة، مجموعة من شركات استثمار يملكها ويديرها مسلمون، اضافة الي مجلس الفقه الاسلامي في امريكا الشمالية الذي يعتبر اول هيئة فقهية اسست لخدمة الجالية المسلمة في الولايات المتحدة وكندا، ومكتب رابطة العالم الاسلامي التي يوجد مقرها الرئيسي في العاصمة السعودية وتلقي رعاية واسعة النطاق من حكومة المملكة العربية السعودية. وقد شملت الحملة الامنية التي شارك فيها عملاء المباحث الفيدرالية، دائرة الضريبة، دائرة الهجرة، والشرطة السرية، اقتحام وتفتيش منازل أ. د. طه جابر العلواني، رئيس معهد الدراسات الاسلامية والاجتماعية ورئيس مجلس الفقه الاسلامي في امريكا الشمالية، ومنازل مديري المعهد العالمي للفكر الاسلامي وبعض العاملين به مثل د. أحمد توتونجي، د. جمال البرزنجي، د. اقبال يونس، أ. طارق الاعـظمي، ومنزل د. محمد جغليط عضو مجلس امناء معهد الدراسات الاسلامية والاجتماعية.

اتسمت الحملة الامنية الامريكية علي المؤسسات ومنازل الشخصيات الاسلامية بالعنف والهمجية والنزوع الواضح نحو التهديد وحملة تعبيرات حقد وكراهية. في المعهد العالمي للفكر الاسلامي، مثلا، سيق العاملون جميعا، نساء ورجالا، الي قاعة المكتبة، ورغم عدم وجود امر بالقبض علي ايهم، فقد وضعوا تحت الحراسة لساعات طويلة، ولم يسمح لاحدهم بالذهاب الي الحمام او لأداء الصلاة الا بمرافقة امنية. وقد تعرض الجميع للتهديد لاجبارهم علي الحديث الي المحققين او لالتقاط صورهم، في الوقت الذي كانت تصادر فيه اعداد كبيرة من الملفات والاوراق واجهزة الكمبيوتر التي تتعلق جميعا بالنشاطات البحثية والاكاديمية للمعهد. وقد تكرر هذا النهج في مكاتب ومقار كل المؤسسات الاخري التي تعرضت للاغارة والتفتيش. اما ما وقع في المنازل فكان ابشع واكثر وطأة. ففي منزل أ. د. طه جابر العلواني قام رجال المباحث الفيدرالية بكسر الباب الخارجي باعقاب البنادق، ووجدت زوجته نفسها تنهض من النوم امام مشهد مثير للفزع لرجال ونساء وزارة العدل ينتشرون في انحاء البيت مدججين بالسلاح. وتعرضت زوجة د. اقبال يونس وابنتها (وقد كانتا وحدهما في البيت) الي معاملة بشعة شملت تقييد اليدين والاحتجاز في قاعة من المنزل تحت الحراسة، ومنعهما من ارتداء الحجاب او اداء الصلاة. كما تعرضت محتويات عديدة بعضها ثمين بحد ذاته واخري ذات قيمة معنوية، في منزل د. محمد جغليط للتدمير المتعمد، وصودرت محتويات اخري، بما في ذلك بطاقات الدعوة لزفاف ابنته.

ثمة جانبان بارزان في هذه الحملة الامنية علي الجالية الاسلامية ومؤسساتها في الولايات المتحدة. يتعلق الجانب الاول بطبيعة عمل وتاريخ وتوجه المؤسسات والشخصيات المستهدفة، فهذه المؤسسات جميعها تقريبا لا علاقة لها بالعمل السياسي ناهيك عن ان يكون لها اي صلة بالارهاب. ان كان هدف الحملة هو البحث عن قنوات تبييض الاموال ومصادر تمويل القوي الارهابية الاسلامية، كما تدعي مصادر وزارة العدل الامريكية، فكيف يمكن تبرير استهداف مراكز ابحاث ومعاهد دراسات عليا ومجالس فقهية؟ بل كيف يمكن ان يكون الهدف مؤسسات ومراكز تتواجد في الولايات المتحدة تحت عين الوكالات الامنية منذ عقود، ومعروفة داخل وخارج امريكا ليس فقط بابتعادها عن النشاط السياسي بل ايضا بعدائها لقوي ووسائل العنف في المجتمعات الاسلامية، وانشغالها طوال تاريخ عملها بالتوكيد علي الابعاد الفكرية والفلسفية للاسلام المعاصر. لا تتعلق هذه الحملة بشخصيات نكرة او هامشية بل بعلماء واكاديميين ورجال اعمال وباحثين مسلمين معروفين علي نطاق واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها، كما ان سجلهم الفكري والعملي معروف وعلاقاتهم واضحة غير خفية.

اما الجانب الثاني فيتعلق بالنطاق الواسع للحملة. ويمكن تقسيم المؤسسات التي استهدفتها الحملة معا وفي يوم واحد الي ثلاثة اقسام: الاول مؤسسات ثقافية واكاديمية بحتة، والثاني مؤسسات خيرية، والثالث مؤسسات مالية ـ اقتصادية. بمعني ان الذي/ او الذين صمموا هذه الحملة ارادوا اظهارها كحملة شاملة تمس كل جوانب عمل ونشاط وحياة الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة، ارادوا القول بوضوح ان لا حرمة لمركز اكاديمي او لعمل خيري او لعائلة. كما ارادوا الايحاء ايضا بان الحملة علي الارهاب هي حملة علي الحياة الاسلامية ذاتها، وعلي الحياة الاسلامية في الولايات المتحدة بشكل خاص. ولذا فلا فرق في هذه الحملة بين نشط وغير نشط سياسيا بين مؤيد او معارض للسياسة الامريكية وبين من يتمتع او لا يتمتع بالمواطنة الامريكية. كل الاسلام مستهدف وكل المسلمين مستهدفون.

مثل هذه الحملة لا تحتاج بالضرورة سياسة عليا لاقرارها، سياسة علي مستوي الرئيس مثلا، والارجح ان وزارة العدل الامريكية ووكالاتها الامنية تعمل تحت مظلة التوجه الامريكي السياسي الاساسي لمكافحة الارهاب. فما ان اقرت الملامح العامة لهذا التوجه حتي انطلقت اذرع الدولة الامريكية، اذرع الدولة الحديثة، لتعصف بحياة القطاعات الاجتماعية التي صنفتها في خانة الخصم.

يقود وزارة العدل الامريكية، منذ تولي جورج بوش الابن الرئاسة، السيد جون اشكروفت، العضو السابق في مجلس الشيوخ والذي فشل في الحفاظ علي مقعده في انتخابات الكونغرس الاخيرة قبل اقل من عامين. وان امكن بشكل عام تصنيف معسكر المحافظين الامريكيين الي دوائر دينية واقتصادية وثقافية، فان اشكروفت يعتبر واحدا من اشد المعبرين عن دائرة المحافظين المتدينين.

وقد جاء تعيينه في موقعه اصلا محاولة من ادارة بوش لاسترضاء المعسكر المسيحي الاصولي في الحزب الجمهوري الذي دعمه بقوة في انتخابات الرئاسة. بهذا المعني يصعب وضع اشكروفت في خانة ما يسمي بالتيار المحافظ الجديد في السياسة الامريكية الذي يعتبر من اشد المدافعـــــين عن المصالح الاسرائيلية، والمعبر عن التوجهات الصهيونية في واشنطن، والذي يسيطر بشكل شبه كامل علي صناعة القرار في وزارة الدفاع وعلي الكثير من المواقع الهامة في البيت الابيض ومجلس الامن القومي. اشكروفت اذن ليس صهيونيا بالضرورة ولا تربطه علاقات خاصة باصدقاء الدولة العبرية في واشنطن.

بيد ان اشكروفت اصبح واحدا من ابرز ضحايا احداث ايلول (سبتمبر) البشعة. فمن ناحية، كان مجرد وقوع مثل هذه الهجمات علي الولايات المتحدة مؤشرا علي تقاعس وزارة العدل واذرعها الامنية. ومن ناحية اخري، كان لربط هذه الهجمات بالمسلمين اثر بالغ علي الوزير ذي التوجهات البروتستانتية الاصولية، مما جعل منه معاديا شرسا لكل ما هو اسلامي، معاديا للدين ذاته وليس فقط لتعبيراته السياسية المعادية للولايات المتحدة. بذلك فقد اشكروفت، المسؤول الاول عن امن وسلامة امريكا وشعبها، عدالته ونظرته الموضوعية للامور. ما زاد الاوضاع تفاقما كان جهل اشكروفت بالاسلام والمسلمين وتعقيدات الحياة الاسلامية وتنوعاتها. هكذا تحول اشكروفت الي اداة فعالة لحملة كانت قد انطلقت قبل وصوله الي وزارة العدل بزمن طويل، حملة بدأت بالفعل في مطلع التسعينات، بعد نهاية الحرب الباردة مباشرة.

الحملة ضد الاسلام والمسلمين، وضد الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة، لا علاقة لها اصلا باحداث ايلول (سبتمبر) وان كانت مسألة الارهاب دائما احد ابعادها.

خطط لهذه الحملة واطلقها وامسك بخيوطها مسؤولون ومسؤولون سابقون في الدولة العبرية وعناصر صحافية واكاديمية وسياسية امريكية يهودية، تساندهم دوائر امريكية نافذة مؤيدة لاسرائيل. ليس من هؤلاء وليس في نشاطاتهم ما كان خفيا او تآمريا بالمعني الكلاسيكي للتآمر. كل شيء كان واضحا، معلنا وصريحا. بالنسبة لهؤلاء، يمثل الاسلام الخطر الاكبر علي المشروع الصهيوني، ويمثل نمو الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة جزءا لا يتجزأ من هذا الخطر. ولان الولايات المتحدة تتحكم في القرار العالمي، فلم تشهد الجاليات الاسلامية في اوروبا او امريكا الجنوبية ولو حتي عشر الحملة التي يتعرض لها المسلمون في الولايات المتحدة. الهدف هو تحويل الاسلام في العالم الي عدو مباشر للولايات المتحدة، وتقويض جهود المسلمين في امريكا لان يصبحوا قوة فاعلة، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، قوة تستطيع التأثير علي الوعي الامريكي الجمعي وعلي السياسة الامريكية الخارجية.

ما تشهده الولايات المتحدة الان هو بعض من تجليات هذا المشروع، بعدما وفرت احداث ايلول (سبتمبر) المناخ المناسب، وبعدما اصبحت الادارة الامريكية ووزارة العدل ادوات هامة له. سياسة الهجوم الشامل علي الاسلام والمسلمين في الولايات المتحدة لا تخدم المصالح الامريكية ولا الاجندة الامنية الامريكية، بل هي في جوهرها سياسة لخدمة المصالح الاسرائيلية والاجندة الامنية الاسرائيلية.

الذين استهدفوا ويستهدفون ضمن الجالية الاسلامية الامريكية ليسوا ارهابيين ولا علاقة لهم بالارهاب من قريب او بعيد، والذين خططوا لاستهدافهم يعرفون ذلك تماما. ما جري هو حلقة جديدة في مشروع تقويض وضع الجالية الاسلامية ككل، دفعها عقودا الي الوراء، واشغال نخبتها وهيئاتها وعقولها لسنين طوال في مسلسلات قضائية وحقوقية مكلفة ومعقدة ومنهكة، لا اول لها ولا اخر. بدلا من ان يجتهد المسلمون الامريكيون من اجل توكيد مواقعهم وثقلهم وتأثيرهم في البلاد تصبح اولويتهم الدفاع عن مجرد الوجود.

علي المسلمين، حكومات وشعوبا، في كل انحاء العالم الدفاع عن اشقائهم في الولايات المتحدة الامريكية. عليهم الاعلان بوضوح للادارة الامريكية ورجال وكالاتها الامنية المنتشرين في انحاء العالم الاسلامي ان لا تعاون ضد الارهاب بينما تتحول وزارة العدل الامريكية الي دائرة للحرب ضد الاسلام والمسلمين.