هآرتس : لم يحدث من قبل هذا التزاحم في الزعماء قصيري النظر ...

 

 

 

 

شنت الصحيفة الإسرائيلية هآرتس هجوما قاسيا على بعض الزعماء السياسيين في اميركا و فلسطين و إسرائيل ، و ذلك استنادا إلى الأدوار التي يلعبونها حاليا على الساحة السياسية ، و انشغالهم بهدف واحد لا يتخطونه ، فاتهمت بوش بمحدودية النظرة ، و تمحورها حول هدف القضاء على صدام حسين ، و اتهمت عرفات بطلب النجومية في قمة بيروت ، و شارون لا هم له الآن إلا وقف إطلاق النار ..

 

و يمضي كاتب المقال الصحفي يوئيل ماركوس قائلا :

لم يسبق ان تزاحم في منطقتنا كل هذا القدر من الزعماء قصيري النظر ممن لا يصل مدي رؤيتهم الي حد أنوفهم مثلما هو الحال في أيامنا هذه. فمثلا الادارة الامريكية: ما يعنيها في هذه اللحظة هو صدام حسين. ومع ان تشيني وزيني جاءا وذهبا، الا ان ما يهتمون به ينطبق فقط علي هدف واحد ووحيد. ألا نخرب علي عائلة بوش لتصفية حساباتها مع العراقي. مثلا عرفات: ما يعنيه في هذه اللحظة هو مشاركته في قمة بيروت كنجم أعلي. مثلا شارون: ما يعنيه الآن هو الوصول الي وقف النار، لانه لم ينجح في تصفية العنف وشل فعالية بيبي الذي يعمل علي الاطاحة به كرئيس للوزراء.

وهكذا تدور رحي التعلق بين النفوس العاملة. بسبب رعب بيبي حبس شارون عرفات في رام الله وأدخل الجيش الي مخيمات اللاجئين في الضفة. وهما خطوتان لم تسهما عسكريا في أي شيء، ولكنهما صعدتا العمليات الانتحارية. لا يوجد ما يلقي صورة اسوأ في التلفزيون من دولة قوية (نحن) نذل من يعتبرهم العالم مقموعين ومقهورين. وماذا نتج لشارون من ذلك؟ ان بدأت أعصاب ادارة بوش تثور لأننا نهدم لها الهدف، وأمرتنا بوقف العربدة. وبالتالي فقد تنازل شارون عن ايام الهدوء السبعة، وطلب وقف النار وأخرج الجيش من مدن السلطة. ولكن هذا لم يصد بيبي، ولا حتي العنف.

أما عرفات المحبوس فقد حول الحبس الي ذخر استراتيجي وتوج كبطل للشارع الفلسطيني. مثابة مانديلا محلي. وخطابته التحريضية حظيت بطابع الأصالة. فدعوة أبناء شعبه الي ان يكونوا شهداء تغطي علي القصور الفاخرة في اوروبا، فيما هو أمر آخر التبرع بأن يكون شهيدا ومدفع الدبابة يطل من غرفة النوم. وبينما يدعو بيبي الي تصفية عرفات، وصلت الي مكتب شارون تحذيرات ضاغطة من واشنطن منعته من هذا الاغواء خشية ان يتضرر الدعم العربي لتصفية صدام. وهكذا، بين بوش الذي لا يري سوي صدام وبين بيبي الذي يطارد شارون، كلف نجله العزيز عمري بأن ينقل الي عرفات رسالة تهدئة شخصية بأنه لن يحصل له أي سوء. في اللحظة الاخيرة، تحت ضغط بنيامين اليعيزر، ألغيت ايضا الخطة لادخال الجيش الي مقاطعة عرفات. وهكذا نشأ الوضع السخيف في ان شارون صار الحرس الشخصي لعرفات. والآن حتي لو مات من الحمي، فان الدول العربية ستنفس غضبها علي امريكا، والتي ستنفس غضبها علينا، ونحن ننفس غضبنا علي السلطة، وصدام سيرقص علي الأسطحة.

لا مثيل لعرفات في فن تحويل الضعف والمسكنة الي قوة. ففي غضون فترة قصيرة قامت حركة تحرير ويلي ، وعلو اللهيب جلب الي هنا الادارة الامريكية كوسيط لسفره الي قمة بيروت. وبينما شارون يضع الشروط لسفر عرفات، وبالتالي يضمن ان لا يستغل بيبي هذا ضده، صار عرفات في مسرح العبث هذا هو الذي يملي الشروط: تريدونني ان أسافر؟ اذن أعطوني الآن تجميد الاستيطان من خطة ميتشل. أما اذا لم تعطوني، فلن أوافق علي تنفيذ خطة تينيت، التي أساسها وقف النار والاعتقالات وتصفية البني التحتية للعنف في السلطة. عرفات المحبوس في رام الله سيصبح أكثر حرية في التعبير وأكثر بطولة من عرفات الذي ينتقي كلماته علي منصة القمة كي لا يحطم الأواني، ولا يغضب قادة الدول العرب المؤيدين لاسقاط صدام أو المؤيدين لمشروع السلام السعودي ـ الامريكي. وشارون، بيبي أكثر من بيبي، أجل قراره الي اللحظة الاخيرة، وفي نهاية المطاف سيفعل ما تعتقد امريكا انه يخدم هدفها في بغداد بأفضل شكل. وهكذا علقنا في وضع نكون فيه اذا ما خرج عرفات الي القمة، خسرنا. واذا بقي حبيسا، خسرنا ايضا. ففي الحالتين سيكون عرفات ممثلا مركزيا وذا صلة.

بغية الوصول الي التسوية مطلوب أولا وقبل كل شيء أفق سياسي طويل الأمد وتنازل عن التمسك بحلول القوة. وأدوات ذلك موجودة في تينيت وميتشل وفي هذه اللحظة لا يمكن بدونهما. ولكن من اجل سلام الشجعان مطلوب زعماء شجعان وبعيدو النظر. ليس نائحين في معرض الهراء، الذين لا يركزون الا علي طرف الحبل ولا يرون الهوة.