الفقر
ليس مرتبطا بالإرهاب
بقلم : باتر محمد علي وردم
منذ الحادي عشر من أيلول الماضي بدأ يسود
العالم، بسياسييه ومثقفيه واقتصادييه توجه يربط ما بين الفقر والإرهاب، وبأن الفقر
هو المصدر الرئيسي للإرهاب في العالم. وقد رحب العالم العربي والإسلامي بدوره بهذا
التوجه على أساس أنه لا يجعل الإرهاب مرتبطا بديانة معينة أو عرق معين خاصة مع
توالي الاتهامات الغربية للعرب والمسلمين بالإرهاب، ولكن الواقع أن مثل هذا الربط
ليس مجرد خطأ منهجي حقيقي ولكنه لا يفيد أحدا ويجعل التوجه بعيدا عن المصادر
الفعلية للإرهاب كما أنه يجعل الإرهاب خاصية للعالم الثالث والفقراء وهو أبعد ما
يكون عن ذلك.
المشكلة الرئيسية في هذا الخلط هي أن العالم
غير متفق على مفهوم الإرهاب، والأميركيون يفضلون أن يجعلوه ملتصقا بالعرب
والمسلمين وكل من يعادي إسرائيل، بينما يفضل الأوروبيون ربط الإرهاب بالفقر وتهميش
المجتمعات والذي يؤدي بدوره إلى الهجرة والتي تعتبر إحدى المشاكل الرئيسية في أوروبا.
ولكن إذا اعتبرنا أن الإرهاب بالمفهوم المطلق
هو التسبب بالأذى للمدنيين الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية أو غيرها فإنه من
الواجب القول بأن أكبر الإرهابيين في التاريخ هم من الأغنياء لا من الفقراء،
فالاستعمار الأوروبي تسبب بإرهاب الملايين من سكان الدول الفقيرة بينما تسببت
عقلية الكاوبوي الأميركية والقوة المتغطرسة لجيشها في مقتل مئات الآلاف من
المدنيين في اليابان والعراق وفيتنام وغيرها كما أن إسرائيل أوضح شاهد على إرهاب الأغنياء
ولا ننسى كذلك الإرهاب الذي تمارسه الحكومات القمعية في العالم ضد شعوبها وهي
مدججة بكل القدرات الاقتصادية التي تحرم منها هذه الشعوب.
وفي النهاية لا يوجد إرهابي فقير، وحتى أسامة
بن لادن الذي أصبح نموذج الإرهاب العالمي بالنسبة للغرب لم يعش يوما واحدا فقيرا
وجذور تحوله إلى الإرهاب يمكن تتبعها من السجلات السرية لوكالة الاستخبارات
الأميركية لا من المشاكل الاقتصادية في العالم العربي، ومن الظلم الكبير أن يصبح
الفقراء في العالم موصومين بأنهم إرهابيون محتملون فتصبح تهمة الإرهاب إضافة أخرى
إلى واقع الفقر لتتسبب في معيشة ضنكا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا لأكثر من ثلثي
سكان العالم.
الفقر قد يكون سببا في الإحباط والمرارة والغضب
والثورة ضد الظلم والتعسف ولكنه بالقطع ليس سببا في الإرهاب أو على الأقل لا يمكن
التعميم، والقضاء على الفقر يجب أن يكون التزاما إنسانيا أخلاقيا لرفع مستوى معيشة
هؤلاء الناس لا لمجرد حماية الدول الغنية من »إرهابيين« محتملين طور التكوين، وإذا
أراد الغرب أن يقوم بحرب أخلاقية على الإرهاب-ليس بقيادة الولايات المتحدة
بالتأكيد- فعليه أن يبحث عن الأسباب في الظلم السياسي والاستبداد ونهب الثروات
ودعم الاحتلال وبعض حالات التعصب الديني فهذه هي أسباب الإرهاب الجوهرية لا الفقر.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الكثير من حكومات العالم
الثالث تريد أن تدفع باتجاه تبني هذه الفكرة من أجل زيادة المساعدات الغربية لها
وخاصة في الجانب الأمني - الاقتصادي بهدف محاربة الفقر كمصدر للإرهاب بينما يكون
هدفها الحقيقي هو محاربة المعارضة بحجة مكافحة الإرهاب والاستيلاء على هذه
المساعدات تحت ستار التنمية ومحاربة الفقر.
كما قلنا فإن الربط ما بين الفقر والإرهاب هو
نتيجة غير منطقية لتسلسل المنطق في التفكير الغربي والذي ينطلق هو الآخر من بدايات
فكرية غير صحيحة، إذ أنه يبدأ بتوصيف الإرهاب بأنه إرهاب عربي-إسلامي ثم يجد أن
العالم العربي والإسلامي يتميز بالكثير من حالات الفقر وتباين الثروات، وعندما
يشير إلى ما يسميها »تنظيمات إرهابية« فإنه يشير إلى الكثير من تظيمات المقاومة
الفلسطينية ويعتقد مخطئا أن إبن المخيم الفلسطيني الذي يتحول إلى استشهادي يفعل
ذلك بدافع الفقر والحرمان ولكن الواقع هو أن ذلك يحدث بدافع الوطنية ومقاومة
الاحتلال، فالشهيدة وفاء إدريس لم تكن فقيرة كما كانت تعيش بمستوى اقتصادي جيد
ولها مهنتها ومكانتها في الحياة ولكن القهر السياسي والاحتلال هو الذي حولها إلى
استشهادية وكذلك الغالبية العظمى من الاستشهاديين الفلسطينيين.
الإرهاب الحقيقي هو ترويع الناس في معيشتهم
وممتلكاتهم وأرواحهم بدون ذنب ارتكبوه وهذا ما دأبت على فعله الولايات المتحدة
وإسرائيل ضد العرب والمسلمين كما فعلته الكثير من حكومات الدول المستبدة، والكثير
من التنظيمات المتعصبة دينيا في العالم الإسلامي وغيره وإذا كان ثمة عامل واحد
مشترك يجمع بين هؤلاء فهو بالتأكيد ليس الفقر، ولهذا فإن الربط بين الفقر والإرهاب
ربط غير صحيح ومن الأفضل لنا في العالم العربي أن نحمي فقراءنا من أن تلتصق بهم
تهم جديدة تطاردهم في هذا العالم القاسي!