الدعوة إلى ترحيل
عرب 48 تلقى تأييدا متزايدا
داخل
التيار الديني الإسرائيلي ...
تشكل الأحداث المتلاحقة في المنطقة ، عقلية و ثقافة سكانها
لسنوات طويلة قادمة ، و في فلسطين المحتلة عام 48 ، حيث يعيش ملايين اليهود
كأغلبية ، و العرب كأقلية مضطهدة ، ليست جديدة الدعوة إلى ترحيل هؤلاء العرب
الباقين إلى خارج حدود 48 ، و لكن الجديد اليوم أن هذه الدعوة لم تعد قاصرة على
بعض الحاخامات و اليهود المتعصبين يرددونها ، في اجتماعاتهم ، و خطبهم الدينية ،
بل أصبحت تيارا مؤثرا ، و تبناها العديد من السياسيين ليس آخرهم رحبعام زئيفي الذي
قتل على أيدي عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، و بدأت هذه الدعوة تلقى
رواجا أكبر داخل التيارات الدينية اليهودية ، ويتبناها جيل جديد من الحاخامات
الشبان ، الأكثر تأثيرا في الأجيال الجديدة ، و قد نشرت صحيفة هآرتس تحقيقا عن أبرز
رجال الدين اليهود الذين يتبنون هذه الدعوة العنصرية ، و تحدثت عن حجم و معدل
انتشارها بين الإسرائيليين ، و ننشر التحقيق كاملا لأهميته ...
قد يكون من المفاجئ ربما عدم طرح مسألة
الترانسفير – ترحيل غير اليهود من فلسطين -
بشكل جدي حتى الآن في الأروقة والدوائر الصهيونية الدينية. رغم حقيقة أن
رحبعام زئيفي قد حرص علي ضم الحاخامين يوسف باغد وبني ألون إلى قائمته في الكنيست،
إلا أن حله للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لم يحظ بالاهتمام الحقيقي في الجدل
الداخلي الدائر في الأوساط الدينية - الوطنية. علي مدي السنوات كلها اتبع المفدال
خطا واضحا يعارض الترانسفير (اي الترحيل الجماعي) وفضل حاخامات " يشع " للمستوطنين التركيز علي قضايا
وحدة ارض إسرائيل اكثر من التركيز علي ما يتوجب فعله مع السكان القاطنين في هذه
البلاد. ولكن سلسلة من المسائل الموجهة مؤخرا لمواقع الإنترنت المخصصة لهذا
الجمهور تدلل علي أن قضية الترانسفير وخصوصا جوانبها الدينية والأخلاقية تقلق
شبانا متدينين كثيرين. علي خلفية هذه المسائل يبرز موقف متميز لاثنين من البارزين في
الجيل الشاب من الحاخامات الصهاينة: حاخام صفد شموئيل الياهو من التيار الأصولي -
الوطني، ورئيس المدرسة الدينية في بيتاح تكفا الحاخام يوفال شيرلو من كبار
الحاخامين في التيار الديني الحديث.
الأسئلة المتعلقة بالترانسفير التي ترد من
الشبان المتدينين تدلل علي وجود ارباك كبير لديهم خلال محاولتهم مقارنة المصادر
التوراتية المختلفة مع مبادئ الأخلاق اليهودية. وهم أيضا يتوصلون بناء علي ذلك إلى
استخلاصات معكوسة. أحدهم تساءل قائلا: كيف يعقل إن يكون هناك يهود متدينون يعتقدون أن عملية الترانسفير ليست أخلاقية؟
أولم يقم يهوشع بإرسال ثلاث رسائل إلى الشعوب السبعة حيث عرض عليهم السلام أو
الحرب، فان عليهم أن يرحلوا عن البلاد... من المعروف لنا إن الغوي (أي غير
اليهودي) الذي لا يوافق علي الاعتراف بحقنا في خلافة البلاد ودفع الضريبة لنا
والالتزام بوصايا أبناء نوح السبعة يكون من المحظور عليه أن يقيم في البلاد، وعليه
في الواقع أن يرحل من هنا. ولكن من الناحية الأخرى تسمع أصوات مغايرة. أحد
المشاركين في الإنترنت سأل: أو ليست فكرة الترانسفير هي فكرة ملائمة لألمانيا
النازية أكثر مما
هي ملائمة لدولة إسرائيل؟ ليس هناك شيء اسمه الترانسفير الطوعي كما يدعون.
الاسئلة التي ترد علي هذه الشاكلة الي موقع
الانترنت المسمي كيبا (اي القبعة الدينية الصغيرة) تحظي بأجوبة قصيرة وحازمة من
الحاخام الياهو الذي هو أحد الحاخامات الذين يردون علي الاسئلة في الموقع بشكل
ثابت. أنت تسأل أم تقرر؟ هل يوجد لديك حل افضل؟ هل تريد ان ينفجر اليهود كل يوم
هنا رجالا ونساء واطفالا؟ ربما تعطيهم (جبل الهيكل) ؟ وحق العودة ورقابنا
ليذبحونا؟ لماذا لا تعتبر ترحيل اليهود من الاماكن التي يقطنون فيها مثل المانيا
النازية؟ وربما من المريح لك ان تتضامن مع معاناة الشعب العربي أكثر من ان تتضامن
مع شعبك؟
الياهو يفصل موقفه في جواب آخر حول اخلاقية
الترانسفير. كل محبي العدالة المستعدين بلا تعذيب ضمير ان يقتلعوا مئات آلاف
اليهود من اراضيهم في هضبة الجولان و يشع والمناطق وتحميلهم علي شاحنات هم اولئك
الذين يهددون برفض الاوامر اذا فعلوا ذلك للعرب. هذا العدل ليس عدلنا. هذا عدل
أعوج. كل هؤلاء ملزمون بأن يوضحوا لي ولك ولانفسهم ايضا لماذا يعتبر من الاخلاقي
القيام بشيء ضد اليهود بينما يعتبر القيام بنفس الشيء للعرب مسألة لاأخلاقية. لست
أنا الذي خلقت العالم ولا الاخلاق او العدالة. لست أنا الذي خلقت العرب ولست أنا
الذي أحدد مكان سكناهم. أنا أسعي قدر استطاعتي ان أفهم ما هي العدالة الحقيقية وان
أسير علي هديها، يجب القيام بعملية جراحية اليوم، لصالحنا ولصالح العرب ولصالح
العالم. ليست لنا حرب مع كل العرب. نحن في حالة حرب مع اولئك العرب الذين يريدون
القاءنا في البحر وهم بضعة آلاف. كلنا تعلمنا بالطريق الصعب ان أي فصل أحادي
الجانب لن يعفينا من شرور القتلة. من الافضل بكثير ان نعرف من هم الذين يقفون في
مواجهتنا وما هو الحل مهما كان مبكرا؟ .
في جواب آخر يخرج الحاخام ضد اولئك الذين يدعون
ان الترانسفير يخالف الشريعة اليهودية وليست المباديء الاخلاقية وحدها. ويقول ان
الشريعة اليهودية تسمح للقاطن المقيم ان يبقي هنا، اما غير اليهود فليس من المسموح
لهم ان يبقوا هنا. التوراة لا تتغير حسب رأيه وهذه هي الوسيلة الأرحم لحل المشكلة.
من يحاول دحض مواقف الحاخام الياهو القاطعة
بشأن موقف الشريعة اليهودية من الترانسفير هو الحاخام شيرلو الذي يعترف بوجود
تناقض بين الاخلاقيات وبين الفروض الدينية التوراتية. رده علي من يدعون ان المصادر
التوراتية تتحدث عن طرد غير اليهود من البلاد هو ان هناك تناقضا بين الفروض وبين
الاخلاقيات التي يؤمن بها الناس الآن، فاليهودي مثلا ليس متأكدا من ان اعطاء والد
الفتاة المغتصبة مئة شيكل كما ورد في التوراة هو موقفه في الوقت الحالي.
الحاخام الياهو يوضح لصحيفة هآرتس ان سبب عدم طرح قضية
الترانسفير حتي الآونة الاخيرة علي بساط البحث الحقيقي في اوساط الجمهور الديني هو
أننا تجاهلنا طريق الرب واعتقدنا أننا اكثر ذكاء، الا ان كل شيء موجود في التوراة
والجمهور المتدين هو الآخر مصاب بلوثة الاخلاقيات الغربية. كنا في الشتات 1930
سنة، وقد تشبعنا بالكثير من اخلاقيات تلك الحضارة اللعينة، الا ان الوضع قد تحسن
الآن .
الحاخام شيرلو ايضا يعترف بالتأييد الموجود
للترانسفير، الا انه يعتقد ان هؤلاء المؤيدين هم بالاساس من الشبان الذين يتحمسون
بصورة أسهل من فكرة وجود حل بسيط في الترانسفير وما هذا الا تصور مبسط للامور. حسب
رأي شيرلو ليست هناك علاقة بين موقفه من الترانسفير ومواقفه السياسية الشخصية، فهو
ما زال محسوبا علي اليمين المتطرف، وانطلاقا من انه يعارض الترانسفير ويعارض
التسوية الاقليمية ايضا فان موقفه العام يبقي مواصلة الاستيطان والحرب لثلاثين سنة
اخري لعدم وجود حل قريب.
الياهو من ناحيته يحاول الفصل بين صورة المتطرف
التي قد تلتصق به ويقول ان قلبه ليس بلا احساس بالنسبة لألم الآخرين، فهم من البشر
ايضا ولكن من المطلوب التفكير بحل حقيقي وليس حلا معقما. الجدل الدائر بين
الحاخامين الياهو وشيرلو يشير الي التغييرات الحاصلة في اوساط الجمهور الديني
الوطني اكثر مما يشير الي المواقف السياسية.
الياهو
هو ابن الحاخام الأكبر السابق مردخاي الياهو وهو مقرب اكثر للجمهور الاصولي ـ
الوطني الذي يسير اكثر فأكثر باتجاه الالتزام المفرط بالاصول الدينية ويتجمع في
المستوطنات وفي الضواحي وفي أحياء القدس الشمالية. اما الحاخام شيرلو فقد ترك
منصبه قبل سنوات كحاخام في مدرسة الجولان الدينية وانتقل الي بيتاح تكفا، وهو
يحاول الآن مواجهة التناقضات الدينية مع متغيرات الحياة بطريقة خلاقة. الي جانب
ذلك يبرز النقاش العلني بين الحاخامين ان مجرد الاختلاف مقبول في الجمهور المتدين
الوطني حتي في قطاعاته الاصولية، أما عند الجمهور الاصولي نفسه فالاختلاف يبقي
حلما بعيدا.