المرأة في الرؤية الإسلامية.. واجبات لا حقوق

 

بقلم : المستشار طارق البشري

 

 

موضوع هذه الورقة اشتد حوله الجدل في السنين الأخيرة، أو هو في مجال من أهم مجالات المعارك التي دارت خلال السنوات العشر الأخيرة بين الإسلاميين والعلمانيين، وهي موضوعات: المرأة، والربا، وغير المسلمين، والفنون.

 

أراد العلمانيون بإثارة هذه الموضوعات إثبات أن شريعة الإسلام متوقفة عن التطور، وأنها أفكار قديمة بالية، وأنها لا تصلح لأيامنا هذه: أيام التقدم والتحضر والنور (يقصدون أيام سيادة نماذج الحضارة الأوربية). وحشد الفكر الإسلامي جهوده للرد على هذه الدفوع، وقام رجال الفكر الإسلامي في هذا الشأن بين مدافع عن أحكام الشريعة مبين صلاحيتها، وبين مجتهد في الأحكام لبلوغ ثوابت التشريع الإسلامي في تفاعلها مع أوضاع الحاضر.

 

والخطاب الصادر عن الطرف الإسلامي صنفان: خطاب موجه لفصائل إسلامية أخرى يحاول معها ترجيح رأي مجدد، أو التنبيه للتمسك بالنظر التقليدي. والصنف الآخر خطاب موجه للطرف العلماني: مهاجمًا إياه، أو مدافعًا عن نفسه، أو شارحًا وعارضًا ما لديه من جديد، لعل الطرف العلماني يرضى، أو بالأقل يعترف بأن الآخرين لهم الحق في الوجود في هذا العصر الحاضر، "عهد التقدم والتحضر والنور".

 

أما الخطاب من الطرف العلماني فليس إلا صنفًا واحدًا موجهًا إلى الإسلاميين يريد التأكيد على أن فكر الإسلاميين من فكر الغابرين، وليس له جدارة البقاء.

 

ولم ألحظ أن حوارًا يجري بين العلمانيين بعضهم وبعض في بلادنا حول الصالح والجيد والرديء في الفكر الإسلامي.

 

ومن هنا يرجح لديَّ الظن أن الخطاب الإسلامي أكثر جدارة للبقاء، لا من حيث قياسه بمقاييس خارجة عنه بمعايير حضارية أخرى، ولكن من حيث إنه ينطوي على قدرة على التفاعل الذاتي. فالخطاب الإسلامي خطاب نهضة، يتضمن حوارًا داخليًا في إطار الفكر الإسلامي، وليس كخطاب العلمانيين خطابًا مصمتًا، وحيد الجانب، موجها للآخرين فقط، دون أن يتضمن تفاعلاً داخليًا أو حركة ذاتية.

 

 

فكرة الحق في الإسلام مقارنة بالفكر الغربي

 

تعليق على الموقف من نقص شهادة المرأة

 

المرأة بين الإفراط في المساواة والإسراف في التمييز

 

 

 

 

فكرة الحق في الإسلام مقارنة بالفكر الغربي

 

التصور الإسلامي مبنيٌ في ظني على أساس التكوين الجماعي للمجتمع، وليس على أساس التكوين الفردي، وهو في الغالب الأعم ينظر للفرد في إطار وجوده الجماعي، ومن ثم على أساس التكوينات المؤسسية التي تنظم هذه الجماعات وتتحدث باسمها. ولأن هذا هو التصور فقد قام النسق الحقوقي للفرد في الإسلام مصاغًا في صورة واجبات؛ فحقوق الزوجة في الأسرة تحددها واجبات الزواج، وحق الولد في النفقة من أبيه يحددها واجب إنفاق الأب على ابنه، وحق الجار من واجب الجار الآخر إزاءه…

 

هذا الأسلوب في صياغة حق الفرد بأنه واجب على الغير إزاءه يتفق مع التكوين المؤسسي الذي يتكون بهذه الطريقة، طريقة بيان ما على أعضاء هذا التكوين من واجبات لغيرهم من الأفراد داخل الجماعة وللجماعة كلها. وهي صياغة توقظ في الفرد دائمًا مثيرات العطاء لا مثيرات الأخذ، كما يُعبَّر أحيانًا في النظرية القانونية الوضعية عن الحق بوصفه التزامًا.

 

إن الصياغة الليبرالية للفكرة الحقوقية في الغرب، تنظر إلى الفرد كما لو أنه مستقل عن الجماعة في تصوره الأصلي، أي أنه في البدء كان فردًا ثم دخل الجماعة متنازلاً عن بعض حقوقه لتحمي له الجماعة حقوقه الباقية، فظهرت فكرة الحق في تصور فردي. وهذا التصور غير صحيح؛ لأن الفرد لم يكن خارج جماعة قط منذ مولده وحتى وفاته، ولأن اندراجه مع الجماعة لا يفقده حقوقًا فردية له، بل يكسبه هذه الحقوق، والحق "علاقة"، ولا يمكن فهم حق الفرد دون آخرين تقوم معهم هذه العلاقة.

 

كما أن وضع الفكرة الحقوقية بهذا التصور الليبرالي، الذي يؤكد على الحق، إنما أقام الحق في مواجهة الغير، فصار حق الفرد ينتهي عندما يبدأ حق غيره، وحريته تقف عند بدء حرية غيره. وهكذا صار وجود الآخر يشكل قيدًا، وهو نوع من الانتقاص؛ لذلك يصعب فهم الفكرة الحقوقية الغربية بدون مفهوم الصراع.

 

وقد انسبغ ذلك على وضع المرأة في الغرب، فصيغت حقوقها في مواجهة الرجل على أن كسبها يتأتى من صراعها معه، حتى في العلاقة الزوجية. وغابت عن هذا التصور فكرة المساكنة بين الزوجين التي أوردها القرآن الكريم، وفكرة البناء المشترك للأسرة كمؤسسة اجتماعية تتولد الحقوق فيها عن التكاتف والتآزر لا الانتقاص من حق الآخر.

 

وهنا نلمح جزءًا هامًا لخلاف جوهري بين التصور الإسلامي والتصور الغربي. فالخطاب الإسلامي موجه في الأساس للجماعات، والإنسان وسط الجماعة لم يتنازل عن حق، بل ينشأ عنه ذلك الحق وتنشأ معه حريته في إطار الاجتماع، والواجب عليه هو حق الآخرين. وهذا الأمر ينطبق على رؤية حق المرأة في إطار علاقتها بالرجل. فتلك العلاقة الأخيرة ليست صراعية، فلا ينتقص حق طرف من حق الطرف الآخر، بقدر ما إن حق كل طرف لا يتأتى إلا من خلال العلاقة مع الطرف الآخر.

 

تعليق على الموقف من نقص شهادة المرأة

 

تشهد قضية شهادة المرأة أهمية متزايدة من جانبين:

 

 الجانب الأول يتعلق بالمصدر العلماني الذي يرى في قضية شهادة المرأة موطنًا لالتماس الطعون على التشريع المستمد من الأصول الإسلامية، من زاوية انطواء هذه الأصول على تمييز سلبي ضد المرأة يفضي بها إلى وضع تنعدم فيه مساواتها بالرجل. كما يشهد – من جانب ثان - تناول بعض الإسلاميين لهذه القضية من زاوية الدفاع عن الإسلام، مع تباين منطلقات فصائل الإسلاميين ومقولاتهم في هذا الصدد.

 

وعند التعرض لوضع المرأة المستفاد من نقص شهادتها يسارع البعض للتأكيد على أن مساواة شهادة الرجل لشهادة امرأتين، لم ترد إلا في سورة البقرة في آية "الدين"، وأن باقي الشهادات لم يرد في القرآن نص بشأن ارتباطها بشروط الرجولة لصحة الشهادة أو كمالها، إنما قام الشرط في حدود العدالة. وعندما عرضت المقولات التي أسلفنا الإشارة إليها لهذا الأمر، كنت أود أن يُستكمل عرض هذه المقولات بالتعرض لطبيعة الشهادة، فإن ما جرى عليه النظر لدى كثير من الفقهاء أن في الشهادة معنى الولاية، ومن هنا جرى القياس؛ قياس نقص ولاية المرأة بعامة على حكم نقص شهادتها. وهذه النقطة تحتاج إلى تحرير، فهل الشهادة ولاية أم إخبار؟

 

إن الولاية إذا أردنا أن نُعرِّفها في كلمات مُبسطة قليلة، هي إمضاء القول على الغير. وهي تكون ولاية خاصة إن كان إمضاء القول على محصورين معينين، وتكون ولاية عامة إن كان إمضاء القول على غير محصورين. هذا هو نوع الولاية بصفة مجملة. فالولاية قولٌ نافذٌ على الغير، أي أنها حسب المصطلحات الوضعية الحديثة، هي في صورتها العامة صلاحية إصدار قرارٍ ينشئ مركزًا قانونيًا للغير أو يعدله أو يلغيه.

 

 والمركز القانوني مجموع حقوق والتزامات. والولاية في صورتها الخاصة – بالرؤية الوضعية - هي صلاحية التصرف عن الغير بإنشاء مجموعة من الآثار القانونية – حقوقًا أو التزامات في حق هذا الغير. هذا هو جوهر الولاية بالمعنى الفقهي المقصود هنا.

 

أما الإخبار فهو التحديث بأمر وقع أو ذكر حادث حدث. وهو ليس الوقوع ولا الحدوث ولكنه القول بذلك. وهو ليس إنشاء الأمر ولكنه إثبات نشوء الأمر. الإخبار هو نقل الوعي بوقوع الأمر من شخص عارف به إلى شخص آخر غير عارف به. والإخبار بهذا الوضع لا ينشئ بذاته مركزًا قانونيًا ولا يُعدِّل منه ولا يلغيه، إنما يقوم به ثبوت أمرٍ قد يُفضي إلى إنشاء مركز قانوني أو تعديله أو إلغائه.

 

والشهادة في حقيقتها هي إخبار بفعلٍ حدث أو بواقعةٍ نزلت أو بحقٍ لأحد على أحد، ولا يقوم بها بذاتها تقرير ما يترتب على شيء من ذلك من أثر يوجبه الحكم. والشهادة تكون بما وقع تحت بصر الشاهد أو سمعه من فعل أو قول. ومع كون الشهادة من قبيل الإخبار إلا أنها كانت قديمًا أقوى أدلة الثبوت الشرعية التي يُعترف بها أمام القضاء، ولذلك سُميت البينة بحسبانها دليل الثبوت الغالب، لا يقوى عليها إلا الإقرار على النفس، أو اليمين في بعض الأقوال في بعض الأحيان.

 

وقد قرر الفقهاء أن دليل ثبوت الحق هو ما عليه المعول في معرفة هذا الحق وترتيب آثار قيامه، وإذا لم تكن الكتابة منتشرة وكانت المعرفة بها محدودة، والحصول على وسائل من أدوات وأوراق ليس متوافرًا، وكانت الأمية غالبة، والترحال كثيرا، وحفظ الأوراق لا يجري مجرى العادة ولا تتوافر وسائل ضبطه، إذا كان كل ذلك، كانت الشهادة هي أقوى وسائل إثبات الحقوق، وكانت هي تقريبًا ما عليه المعول في الاعتراف بقيام الحق أو الاعتراف بحدوث النازلة التي تستوجب ترتيب الأثر الشرعي، سواء في مواد المعاملات أو مواد الحدود وغيرها.

 

ولما كان للشهادة من الحسم في ترتيب ما حجم عن المشهود به من آثار شرعية، جهد الفقهاء في تفصيل أحكامها وتبيان شروطها من حيث التحمل ومن حيث الأداء، وشروط كل من ذلك، ومن حيث أنواع الشهادات وأنواع المشهود به، وشروط الشاهد من حيث عدالته وتجريحه ومراتب الشهود من العدل المبرز إلى غير المبرز إلى من تُتوسم فيه العدالة إلى من لا يُتوسم عدله ولا جرحه إلى من يُتوسم جرحه إلى المعروف بالجرح، ولكل منهم نوع أداء يصلح به بذاته أو بغيره وهكذا. وقد قيل في الأثر: "شاهداك قاتلاك" دلالة على ما ترتبه الشهادة من أثر، كما لو أنه يترتب عليها باللزوم دون فكاك.

 

ومن هنا قال الفقهاء: إن الشهادة ولاية، يريدون بذلك القول بأن من شهد فكأنما رتب بذاته الأثر المقرر على ثبوت المشهود به، أي أنَّ من شهد كمن قرر وكمن قضى، ويبغون بذلك التوصية بوجوب التشدد وبذل أقصى الجهد في تحقيق شروط الشهادة لما لثبوتها من أثر الترتيب المباشر للحكم، يبغون إقران الشهادة بالولاية من حيث التشديد في الاستيثاق من عدالتها. وشبيه بذلك ما يُقال عن الإقرار بالحق عن النفس.

 

فالإقرار إخبار بحق للغير على النفس، ولكنه من الحسم في إثبات الأمر المقر به بحيث يعتبر كما لو أنه هو عين التصرف، أو هو عين الفعل المُنشئ للحق على النفس، وهو بهذه المثابة يلزم فيه ما يلزم من أهلية للتصرف رغم كونه إخبارًا في أصل وظيفته. وشبيه بذلك أيضًا ما نعرفه اليوم بالعقد المسجل؛ إذ له من الحسن في ترتيب الحقوق ما وصل ببعض التشريعات إلى اعتباره ركن نشوء للحق. وشبيه به أيضًا ما نسميه اليوم في لغة القانون التجاري من اندماج الحق في الصك، أي أن الحق اندمج في وسيلة إثباته، كـ"الشيك" أو "السهم" أحيانًا.

 

إن القول بأن الشهادة ولاية هو محض تصور فقهي، وليس حكمًا من أحكام التشريع المنزل. وهو تصور يفيد أهمية الشهادة في ترتيب آثار الأحكام، دون أن يجردها من أصل وضعها الوظيفي، وهو أنها إخبار ووسيلة ثبوت. وأهمية هذا التمييز تظهر حاليًا في زماننا المعيش؛ إذ انتشرت الكتابة تعلمًا وممارسة ووسائل استخدام وعادات استخدام. وهي أثبت وأحفظ، فصارت وسيلة الإثبات الأقوى، وصار الدليل المستفاد منها آكد وأوثق. وتراجعت الشهادة إلى أن صارت وسيلة إثبات ثانوية، ومن ثم يزايلها وصف الولاية الذي كان مبنيًا لا على طبيعتها ولكن على أهميتها، وكان مستمدًا لا من حقيقة كنهها ولكن من تفردها في الدلالة والثبوت.

 

يُضاف إلى ذلك أن ظهرت أدلة وأدوات ثبوت جديدة، مثل: المعاينة، والخبرات الفنية لأهل التخصص في كل ميدان، ونتائج المعامل الكيميائية، وهذه كلها إن أدخلها فقهاء الشريعة المحدثون في المعنى العام الواسع للشهادة، فهي من جانب آخر أخص من الدلالة المستفادة من الشهادة قديمًا. وقد تكاثرت هذه الوسائل في الثبوت وتنوعت بحيث لم يعد أي منها وحده مما يلزم القاضي، ويرتب بذاته نزول الأحكام، أي أنها تكاثرت وتنوعت بحيث لم يعد لأي منها وحده من الأهمية ما يبوئه جدارة الاتصاف بأنه ولاية، إلا أن يكون الإقرار على النفس أو حكم القاضي بالثبوت.

 

ونخلص من ذلك كله إلى:

 

أولاً: أن القول بأن الشهادة ولاية، هذا القول محض تصور فقهي، وأنه تصور فقهي نتج لا عن كنه الشهادة وطبيعتها من حيث كونها إجراء للأمر على الغير، ولكنه نتج عن أهمية الشهادة كدليل إخبار، وهي الأهمية التي تعلق بها أصل الحق أو الوضع.

 

ثانيًا: أن المشاهدة فقدت مكانتها المنفردة في إثبات الحقوق والوقائع، وفقدت مكان الصدارة في ذلك كله، فزايلها ما كان لها من أهمية في ترتيب آثار الاعتراف بالحقوق والوقائع، وزايلها ما قامت به جدارتها في اكتساب وصف الولاية.

 

ثالثًا: أن نقص الشهادة لا يقوم به قياس صحيح من نقص الولاية، لا يقوم به هذا القياس قديمًا؛ لأن الولاية ليست من طبيعة الشهادة ولا يقوم به هذا القياس الآن من باب أولى.

 

المرأة بين الإفراط في المساواة والإسراف في التمييز

 

النظر في قضية مساواة المرأة بالرجل قد يشوبه بعض المبالغة من قبل الطرف العلماني، والتأويل أو التهميش في التعامل مع أوجه الاستدلال في نص من النصوص من ناحية الطرف الإسلامي. فالطرف العلماني في المجتمعات العربية والإسلامية يزايد على أنصار المرأة في الغرب، ليحمِّل المرأة ما لا تطيق من أوجه المساواة – على نحو ما سنرى لاحقاً. كما أن الجانب الإسلامي سعى إما للدفاع عن المثال الإسلامي من دون فحص شامل لتاريخ التعامل مع الظاهرة محل التناول، أو سارع إلى نفي وجود أي تمييز، وهو ما جعله مشاركًا الجانب العلماني – صوريًا – في مسلك تحميل المرأة ما لا تطيق من أوجه المساواة.

 

والنظر في جوانب النشاط السياسي للمرأة، يوجب النظر في مقتضيات هذا النشاط، وأهم هذه المقتضيات أمران أساسيان جرى الحديث عنهما في عشرات السنين الماضية ولا يزال يدور، وهما مجالا: التعليم، والعمل.

 

وما دعاني إلى الإشارة إلى هذا الأمر أن مقولات بعض الإسلاميين المتداولة في هذا الإطار كررت حكمها الحاسم بأنه ليس ثمة تقسيم إسلامي للوظائف الاجتماعية بين الرجل والمرأة، وهذه المقولات في هذه النقطة إنما أرادت أن تواجه قول القائلين بقصر وظيفة المرأة على المنزل وتربية الأولاد، وشمول وظيفة الرجل للسعي وراء الرزق وتولي الشئون العامة، وهناك كثيرون يصورون الأمر بهذه الصورة المبسطة.

 

وأنا أفهم اعتراض الإسلاميين على هذا التصور المبسط، وأتفهم إنكارهم لصحته، وأتفق معهم في أساس نظرهم. ولكني أجد أن إنكار أصل التقسيم الوظيفي كان من الحسم والإجمال والإطلاق بحيث مال بحكمهم إلى درجة من التبسيط. وقد يكون تحرير هذه المسألة وفهمها بغير تبسيط أصدق مع الواقع وأبلغ في تحقيق الأهداف.

 

وبداية، فإن من نافلة القول الحديث عن مساواة المرأة والرجل في كمال الصلاحية لتلقي الحقوق والالتزام بالواجبات، وفي كمال الشخصية القانونية، سواء في الموقف إزاء التكاليف الدينية أو في الموقف إزاء المعاملات الاجتماعية. ومن نافلة القول أيضًا الحديث عن استقلال شخصية المرأة عن الرجل أمام الله سبحانه وتعالى وأمام المجتمع.

 

وكل ذلك - حسب الأصل - يقيم منها شخصًا ذا استقلال مساوٍ للرجل في تولي الشئون العامة والخاصة. والتصور الإسلامي ناصع الوضوح فيما قرره للمرأة في كل ذلك. وقد أعطتها أحكام الشريعة الإسلامية من أوضاع المساواة والاستقلال ما لم تعرف تشريعات الغرب أكثره إلا في القرن التاسع عشر، وهو ما يجعل التشريع الإسلامي يباهي الأمم من حيث السبق والوضوح والتكامل.

 

وفي هذا الإطار لم يقم خلافٌ جذري فيما يتعلق بحق المرأة في التعلم وفي العمل، لا نجد خلافًا ذا شأن يتعلق بهذا الأمر لدى الفقهاء من حيث الحكم الشرعي، إنما قام المشكل بسبب نقطتين:

 

الأولى: التقسيم الاجتماعي للعمل بين المرأة والرجل.

 

الثانية: ما قد يُفضي إليه التعليم أو العمل من اختلاط بين المرأة والرجل.

 

ومن هنا تبدو أهمية مناقشة هاتين المسألتين، لا من حيث الجوانب النظرية الفقهية والاجتماعية التي عرضت لها المقولات محل النظر، ولكن من حيث الأوضاع التطبيقية للمسألتين. وأتصور أنه في هذا الجانب التطبيقي يمكن أن يتلاشى جزء كبير من الخلاف الدائر في صفوف مفكري الإسلام حول هذا الأمر.

 

أما بالنسبة للنقطة الأولى وهي تقسيم العمل، فنحن نعلم أن من الأعمال ما لا تطيقه المرأة، ومنها ما تطيقه، ومنها ما يسلس لها. ونحن نعلم أن المنادين بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة من غلاة العلمانيين هم أنفسهم ينكرون الصلاحية المطلقة لكل الأعمال لأي من الرجل والمرأة. ونعلم أن الحركات المهتمة بحقوق الإنسان وبحقوق العمال حسبما تفتقت عنها صراعات القرن التاسع عشر في أوروبا، كانت تجهد لتحقيق المساواة بين الجنسين بالأجر الواحد للعمل الواحد، والحقوق العامة كحق تولي الوظائف العامة وحق الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية، ولكنها في الوقت والاهتمام ذاته كانت تجهد لأن تحقق للمرأة والطفل حماية خاصة بالنسبة لظروف العمل.

 

وجرى تمييز المرأة في إطار أوضاع العمل تمييزًا سببه وضعها الطبيعي الخاص، وذلك بمنع النساء من العمل في الأعمال العنيفة أو القاسية: كعمل المناجم أو حمل الأثقال، وإقالتها من العمل في المناطق النائية، وحمايتها من العمل في الأوقات المتأخرة، وكفالة حق المرأة في إجازات إضافية تمنح لها بسبب طبيعتها الخاصة نتيجة الحمل أو الرضاعة أو رعاية الوليد. ونحن نعلم أيضًا أن ثمة أنشطة حسُن عمل المرأة فيها كالتدريس والتمريض، ونوعًا من الصناعات كصناعة الأدوية وغير ذلك.

 

إن ذلك الموقف التمييزي لا يعني حجرًا على المرأة وحصرًا لها في مثل هذه الأعمال، ولكننا كباحثين في مجال النشاط الاجتماعي ينبغي ألا نغفل عن هذه الخصائص.

 

وخلاصة ذلك أن موجبات المساواة تفرض تمييزًا للمرأة في بعض الأعمال، وموجبات النظر الاجتماعي تمنع غض النظر عن الخصائص النوعية التي تتفتق عنها الحقائق الاجتماعية. كل هذه الأمور لا تمس الأصل العام الذي يقضي بالمساواة واكتمال الشخصية القانونية للمرأة، ولكنها أمور ينبغي عدم إغفالها في مجال الحرص على تكامل النظر، وفي مجال الحذر من إجمال الحكم وإطلاقه.

 

وأضيف إلى ذلك أن هذه الأوضاع التي قد تميز بين المرأة والرجل في مجال الأداء الاجتماعي قد تكون متغيرة بتغير الأزمان والأمكنة، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الإسلاميون عن الوظيفة الجهادية للمرأة؛ إذ أوضحوا صورًا للجهاد هي من متغيرات الزمان، وكان حديثهم بشأنها صائبًا.

 

وأهم ما أقصد بيانه في هذه العجالة، أن ثمة جوانب تطبيقية لا بد من إثارتها والنظر فيها عند الحديث عن الأوضاع النظرية. وأن التطبيق يفيد فيما يفيد جرد محتويات المفاهيم النظرية وعرض كشوف الحسابات الخاصة بها. وأن ما لا يحسمه الجدال النظري قد يحسمه النظر في مجالات التطبيق، وهو إن لم يحسم الخلاف حسمًا كاملاً، فهو بالأقل يحدد نطاق الاختلاف، ويعين بنوده، وهذا ما يفيد فائدة كبيرة عند حساب "اقتصاديات الاختلاف": أي الأهمية النسبية لكل وجه من وجوه الاختلاف، وترتيب أولويات الجدال والصراعات الفكرية من بعد.

 

أما النقطة الثانية فتتعلق بالموقف من تعليم المرأة وعملها من ناحية ارتباطها بموضوع اختلاط النساء بالرجال.

 

إن انسحاب المرأة من المجتمع وفرض العزلة عليها في المراحل المتأخرة من تاريخ الأمة الإسلامية، كان قد جرى من الناحية الفقهية استنادًا إلى باب سد الذرائع. وكانت مقولة الفقه في هذا الصدد تتأسس على أن العمل أو التعليم يفضي إلى الاختلاط، والاختلاط يفضي إلى المعصية، وما يفضي إلى المحرم فهو محرم، وما تنتج عنه المعصية فهو من المعاصي.

 

وسد الذرائع من مصادر التشريع الإسلامي، وهو باب لا نستغني عنه في ترتيب الأحكام، وهو باب يولد طاقة نمو للتشريع الإسلامي شأنه شأن القياس والاستصحاب وغيرهما. ونحن بلا شك ندين له فيما ندين بما اتسم به البناء الفقهي الإسلامي من رحابة وسعة وشمول، وبما استطاعه من ملاحقة الواقع المتغير ومن امتداد لمظلة الحكم الشرعي لمتغيرات الحياة المتجددة وثوابتها، ولهذا التنوع الهائل الذي شمل الأمصار الإسلامية على هذا المدى الجغرافي العريض، وعلى هذا المدى الزماني الطويل. وسد الذرائع يكمله – كما نعرف - فتح الذرائع بتقرير إن ما يفضي إلى الواجب فهو واجب. نحن نعرف فضل هذا الباب بمصراعيه (السد والفتح) ونفعه، ونعرف لزوم التمسك به.

 

ولكننا في إعمال هذا المصدر التشريعي، يتعين علينا أن ندقق في آليات إعماله. فالقول بأن ما يفضي إلى المعصية هو معصية، يوجب علينا تقرير أن ثمة فعلاً منصوصًا بأنه معصية. وثمة فعلاً غير منصوص على كونه معصية، ولكن الفعل الثاني يفضي إلى الفعل الأول من قبيل اللزوم أو حسب الغالب من الأحوال، ومن هنا فثمة علاقة بين الفعلين تقيم سببية لا تنفك بينهما أو سببية تجري مجرى الأحوال الغالبة. وبقيام هذه العلاقة بصورتها هذه يأخذ العمل الثاني حكم العمل الأول، وينسبغ حكم معصية الفعل الأول على الفعل الثاني. فثمة معصية منصوصة ومعصية مضافة وعلاقة رابطة بينهما.

 

وعلينا لإعمال مبدأ سد الذرائع، أن نقف كثيرًا عند تلك الرابطة بين الفعلين، ونتأمل في مدى صدقها ومدى قوتها. وأن نمعن النظر في مدى صواب قيام هذه الرابطة. فهل الفعل المضاف يفضي حتمًا أو غالبًا إلى الفعل المنصوص؟ ونحن هنا لسنا في إطار تفسير النصوص فقط، إننا أمام نظر في الواقع، وتقدير لتداعيات الأحداث ولروابط العلة والمعلول بين فعل هو مقدمة وسبب وفعل آخر هو أثر ونتيجة. نحن هنا نكون في مجال فهم الواقع ورؤية الأحداث، والخلاف بين بعضنا البعض هنا لا يكون في استنباط دلالات النصوص، وإنما هو يرجع أكثر ما يرجع إلى إدراكنا لتداعيات الأحداث، ومدى الصلة اللازمة أو الغالبة بين فعل سبب وفعل نتيجة، بحيث يأخذ الفعل السبب حكم الفعل النتيجة، وينسحب وصف المعصية من الفعل النتيجة (أي المعصية المنصوصة) إلى الفعل السبب (أي المعصية المضافة أو الملحقة)، وذلك في مجال سد الذرائع، أو ينسحب وصف الواجب من الفعل النتيجة إلى الفعل السبب، أي من الواجب المنصوص إلى الواجب المضاف، وذلك في مجال فتح الذرائع.

 

وعندما نقول بأن النظر في هذا "الإفضاء" أو هذه العلاقة السببية بين الفعلين المنصوص والمضاف، هو نظر في الواقع وروابط أحداثه وتداعيات نوازله، عندما نقول بذلك نكون قد دخلنا في صلب التحليل لأوضاع الزمان والمكان، ولأدركنا أن الروابط بين الأفعال هي روابط متغيرة بتغير أوضاع الزمان والمكان. وعلاقة الإفضاء هذه بين فعل سبب وفعل نتيجة لا تختلف فقط في تقديرها بالأنظار، ولكنها علاقة متغيرة؛ ومن ثم فإن سد الذرائع أو فتحها، إن قام بين فعلين في مجتمع ما فقد لا يقوم بين هذين الفعلين ذاتهما في مجتمع آخر، أو في زمان آخر، بحكم ما تتغير به أوضاع المجتمعات وعلائق للناس، وما تتغير به وسائط العيش وأساليب الحياة.

 

وهنا أيضًا يتعين علينا، عند إثارة هذه النقطة المتعلقة بأوضاع الاختلاط الناجم عن العمل أو التعليم، أن نتنبه إلى الجوانب التطبيقية الواجب إثارتها والنظر فيها، عن تلك الصلات بين أفعال المعاصي المنصوصة وأفعال المعاصي المضافة. وأن القائلين قديمًا بصلة غالبة أو غير منفكة بين تعلم المرأة وعملها وبين الاختلاط وبين ما رأوه من معاص تترتب بالحتم أو بالغالب الأعم، إن القائلين بذلك قديمًا قد غالوا في الأمر غلوًا بعيدًا - فيما أرى، ولكن علينا أن نبحث في أوضاع مجتمعاتهم عن الدواعي الاجتماعية التي ألجأتهم لهذه المقالة، وهذا يستدعي القيام بدراسات تاريخية تطبيقية في أوضاع تلك المجتمعات، وتاريخنا الإسلامي العربي غني بالمواد التاريخية السياسية الاجتماعية الحضارية، وهي تنتظر من يعيد قراءة هذه الموسوعات ويلتقط منها مادته.

 

وعلى كل الأحوال، فإن روابط السببية تلك بين المعاصي المنصوصة والمعاصي المضافة، أيًا كان قيام تلك الروابط في الماضي، فلا شك أن صادفها الكثير من التغيير والتعديل في أوضاع مجتمعات الحاضر. وهذا مجال أيضًا من مجالات البحث التطبيقي يتعين علينا أن نوليه ما يستحق من اهتمام.

ِ