قمة المقايضات

 

 

بقلم : د.خالد عبدالله*

 

من الطبيعي أن يفترق الرأي حول القمة بين الرأي العام العربي والموقف الأمريكي منها. فهما المحددان الرئيسيان لكل مشاهد القمة. سواء في الإعداد للقمة، أو في مواضيعها، أو حين التحدث إلى عدسات الإذاعات المرئية، أو في الجلسات المغلقة، أو في صدور البيان الختامي. وكان لا بد من التلفيق بينهما وليس التوفيق بينهما. فالأخير ليس ممكنا لأنه جمع بين المتناقضات. والأول أصبح سهلا بعد أن أتقن النظام العربي بيع الهزيمة حتى أصبحت حرفة. ولأن القمة مراحل ومشاهد فهي ستسمح بالانتقاء منها لكل من يريد أن يروج لرأي. حتى مشهد القبلات المتبادلة في المصالحة عودة باهتة إلى أشكال من العمل كدنا ننساها.

ولكن ترتيب أجزاء الصورة، التي يحلو دائما للكثير النظر إليها متناثرة كسلا أو جهلا أو دعما لرأي، تنطق بحقيقة سهلة وبسيطة ما كان لها أن تغيب عن البعض لولا جلبة الشادين الأنظار إلى الأوهام، ولولا لي أعناق العدسات إلى المظاهر المثيرة، لكن الفقيرة في دلالاتها. فمؤتمر القمة كان مقايضة استراتيجية ليس بين طموحات الشعب العربي وبين الطلبات الأمريكية، ولكن بين بديلين أمريكيين. إما إنهاء الانتفاضة والوصول إلى حل للقضية الفلسطينية وفق المنظور الأمريكي الكلينتوني المعدل ربما، وإما الديمقراطية في العالم العربي، أي زعزعة الأنظمة. وخصوصا أن أمريكا باتت لا تهتم بتغير الأنظمة فليس هناك قوة دولية تخشى أن تتوجه إليها الحكومات العربية حتى لو " شربت حليب السباع" كما يقول المثل العراقي. ومن أجل تمرير المقايضة الاستراتيجية كان لا بد من تمرير المقايضات التكتيكية. فبدون الأخيرة ستكون الأولى صارخة في عريها. إذ كيف يمكن تبرير دعوة للسلام مع عدو يواصل الاحتلال ويواصل القتل والتدمير ويواصل تحدي العرب، ولا يمكن عقد صفقة ولو باهتة وأولية وشكلية مع بلد شقيق يتواصل عقابه على مدى سنوات. والعراق يحتاج للمقايضة لأنه يريد أن يطيح ببعض المبررات الأمريكية من أن أشقاءه العرب يؤيدون ضربه وأنه لا يزال يشكل خطرا عليهم. وكان لا بد من عقد مقايضة مع لبنان الرسمي بشأن اللاجئين الفلسطينيين الذي لا يهمه إلا أن لا يوطنوا في بلده. وكان ذكر قضية اللاجئين مقايضة مع الرأي العام العربي الذي بدأ يهتم بهذا الموضوع .

وكما ذكر وزير خارجية السودان فإن البيان الختامي يمثل الحد الأدنى، أي المعدل، أي بعبارة أخرى أن هناك من يريد الأقل من ذلك. ولكن لم قبل البعض برفع سقف البيان؟ لأنهم يعرفون أنه الحد الأقصى حينما يذهبون به إلى الطرف الآخر، وقد أعلنت إسرائيل عما تصطفيه من البيان. وحتى لو ذهب العرب به إلى مجلس الأمن فلن يكون الأمر أفضل على الأقل من حيث مبدأ أنه الحد الأقصى العربي. فمجلس الأمن ليس حامل الأختام للعرب، بل يعرف العرب حامل أختام من هو الآن مجلس الأمن. آها....ولا تنطلي محاججة من يقول أن العرب سيرفضون في هذه الحال على من يتدبر الأمر. للوهلة الأولى قد يبدو الأمر سهلا، ولكنه ليس كذلك لأنه إذا عقدت أمريكا صفقة مع الأعضاء الآخرين وتبنوا المشروع العربي معدلا، بحيث يكون أدنى إلى الحل الأمريكي، في مجلس الأمن، فهل سيرفضه العرب؟ مرة أخرى يمكن أن يرفضه العرب ولكن بثمن باهظ حده الأعلى فرض عقوبات على البعض من العرب الذين سيرفضون، وفي حده الأدنى أن العرب يصبحون مطالبين  بتطبيق قرار دولي بدل أن تكون إسرائيل هي المطالبة. وسأفهم مدافعة المسؤول العربي الذي سيصرخ برفض ذلك على أنه سيحرك أساطيله دفاعا عن مشروعه كما هو لا كما سيعدله الآخرون. ولكننا نعرف أن كل مسؤول عربي مسكون بمفهوم توازن القوى التقليدي، ولولا ذلك لما عجلوا في قبول مبادرة لم يعرف بها أحد منهم إلا من خلال الصحفي الصهيوني، وفي ظل السكين الشاروني على رقبة المدنيين الفلسطينيين. بل أحسن تعبير لهذا الفهم ما عبر عنه ببساطته المعهودة الرئيس مبارك حينما قال لو جاء عرفات ولم يستطع العودة لكان العرب في" حيص بيص "، أي لما كان في استطاعتهم فعل شيء. وبعد ذلك يأتينا البعض ليقول أنه يستطيع الجليل من الأمور، وهو غير قادر على فعل الضئيل منها.

لكن الدفع الذي جاء به وزير الخارجية السعودي في المؤتمر الصحفي الثلاثي، والذي أكد فيه أن البعض يزاود على الشعب الفلسطيني ويريد أن يحارب حتى آخر فلسطيني فهو ادعاء صحيح. لكن الإجابة على هذا البعض لا تكون بالمناقصة على الشعب الفلسطيني. فهو كما لا يجوز التصفيق عن بعد، لا يجوز الانتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني عن قرب. ولا يجوز أن تكون بضعة ملايين من الدولارات شهريا جوازا إلى مبادرات على حساب الدماء الفلسطينية. ولا يجوز أن يكون الخلاص من التهديدات الأمريكية بزعزعة أنظمة الحكم العربية بتقديم الكبش الفلسطيني أضحية.

بل أن التهديدات الأمريكية يجب أن تكون حافزا للأنظمة العربية فتنتقل من معادلة توازن القوى التقليدية إلى موازنة تعادل القوى الشاملة. وهذا يحتاج إلى تضحيات من الحكومات وليس من الجماهير. إذ أن الإجابة الصحيحة على التلويح بالديمقراطية هو البدء الحقيقي بإدخالها، حينذاك نكون قد بدأنا بحشد القوى الشاملة للأمة. وحينذاك لا يبقى ما يخوفون الحكام به. وحينذاك تكون قممنا تعبيرا عن مصالح الأمة. فالمقايضة كان ينبغي أن تكون بين الأمة وبين حكامها تستند إلى برنامج سريع لتمكين الناس من السلطة. فهذا الأمر ما عاد  يحتمل التأخير لعدة أسباب. أولاها، أن كل مناطق العالم قد هبت عليها رياح التغيير السياسي، وأقلها تعرضا لنسماتها المنطقة العربية. ثانيها، أن التقانة الجديدة بدأت تدخل إلى كل بيت عربي صورة ما يجري في العالم وما عاد بوسع الناس القبول أن يكونوا أقل البشر حقوقا. ثالثها، أن قدرة الحكومات على مقايضة التحسن الاقتصادي النسبي بالاستئثار بالسلطة لم تعد سارية، فقد بدأ النمو السالب في دخول المواطنين منذ فترة. وقد شرعت جل الحكومات برفع أشكال الدعم المتنوعة، ودخلت الآن في مرحلة الاعتماد التدريجي على الضرائب وأنشطة القطاع الخاص من أجل خلق فرص العمل. وسيزيد هذا من الضغط الجماهيري على الحكومات كي تنهي القسمة القائمة، وأن تسارع في إجراءات تداول السلطة. أن الولايات المتحدة بدأت تدرك ذلك، وهي إن تقبل في المدى القصير بعض المقايضات لكنها تخشى من الهزات غير المحسوبة، وبالتالي ستفرض التغيير بطريقتها. فالتغيير أصبح مسألة متى وكيف، فإما تقررهما أمريكا وإما تقررهما البراكين وإما يقررهما العمل المخطط.

فشراء أمريكا صار مؤقتا. فهي قد أصبحت مطلقة اليد، بل أن سكوت البلدان القوية على تصرفاتها في منطقتنا منبعه رضانا وقبولنا. فلو تدرك هذه البلدان أن العرب يتصرفون ككتلة واحدة وأن لديهم القدرة على قول لا لكان لها موقف آخر. ولن تكون المبادرة العربية إلا مصدرا للمزيد من التنازلات ومن ثم الانشقاقات العربية، وسيزيدها بلة أن المقايضات التكتيكية بين البلدان العربية هشة. بل أن أمريكا توحي لمن عقدها أنها لا قيمة لها لأن العراق لا يؤتمن. وقد نرى خلال الأسابيع القادمة إن لم يكن أقل دعاوى تقوض هذه المقايضات، فالرعب الأمريكي في الأرض العربية صارت مسافته سنة.

ولكن المحير أن السلطة كانت مستعجلة على تمرير المقايضة الاستراتيجية، فهل ملت الحبس والعزلة، أم جهلت أبعاد ما يجري، أما أنها قد عاد إلى بعضها الرشد فيما يتعلق بالمبادرة الكلينتونية؟  فقد كان بإمكانها أن تكون الرقم الصعب، لكن تسرعها سيزيد من آلام الرقم الصعب الحقيقي، طليعة الأمة العربية الذين تكتب لهم الحياة كل يوم ويحلو للكثير أن يزايدوا أو أن يناقصوا على ملاحمهم.

* الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن