الجزائر : حركة العروش تتنكر للإسلام وثوابث الأمة

 

لم يكتف النظام أو بعبارة أدق حكام البلاد الرسميين والغير الرسميين بمصادرة اختيار الشعب وإقصائه وإبعاده عن قرارات مصيرية وخطيرة تهم حاضره ومستقبله، بل تعدى ذلك إلى حد إذكاء الفتنة وتحريض منطقة ضد ثوابت هذا الشعب من دين ولغة ومحاولة طمس حضارته. فما عجز المستعمر الفرنسي الغاشم عن تحقيقه طيلة 130 سنة من الاستعمار المباشر هو في طريق الإنجاز بأيد جزائرية إلا أن يتصدى إليه الشعب الجزائري كافة بقوة وحزم. فالكنيسة الكاثوليكية حاولت إبان الاحتلال الفرنسي تنصير منطقة القبائل كما حاول المستعمرون تحريض سكان هذه المنطقة ضد "الغزاة العرب" باعتبار أنهم بربر وليسوا عربا وأنهم السكان الأصليون للبلاد، ولقد فشلت هذه العمليات فشلا ذريعا أمام تمسك الجزائريين بدينهم ووحدتهم وكان سكان منطقة القبائل قلعة من قلاع الإسلام وحصن منيع ضد الاحتلال الفرنسي.

ولكن بعد الاستقلال وتركيزا خلال العشرية الحمراء قامت شرذمة قليلة من بقايا الاستعمار لتحقيق ما عجز عنه مستعمر الأمس، فبدأت تروج أن عددا كبيرا من سكان منطقة القبائل ارتدوا عن الإسلام وتنصروا وغدت الحملات التبشيرية التنصيرية تلقى الدعم على المستوى المحلي وفي مراكز القرار في حين يضيق على الدعوة الإسلامية ويمنع الدعاة من الوصول إلى تلك المنطقة بل عمم الجهر بالعداوة للإسلام واللغة العربية دون أن تتحرك السلطات ساكنا. وفي الأسبوع الماضي استنكرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بشدة تصرفات ما يسمى بالعروش الذين اقدموا في المدة الأخيرة بمحاولة لتغيير اسم ثانوية بمدينة آقبو (ولاية بجاية) تحمل اسم أم المؤمنين حفصة رضي الله تعالى عنها في محاولة للتنكر لواقع الجزائريين المتمسكين بدينهم ورموزهم.

فما هي حقيقة الوضع في منطقة القبائل وما الذي جعل جمعية العلماء المسلمين تدق ناقوس الخطر. لاشك أن الحادثة التي ذكرناها من قبل ليست مجرد نزع لافتة كرد فعل على تصرفات النظام بل هو توجه إيديولوجي ضد كل ما يرمز إلى الإسلام واللغة العربية، وهو الشيء الذي جعل جمعية العلماء المسلمين تتحرك وتذكر أبناء منطقة القبائل أنهم معروفون بغيرتهم على الإسلام والعربية. والحقيقة الأخرى أنه بعد إقرار التعددية في البلاد بعد أحداث أكتوبر 1988 وفتح أبواب الحريات لا سيما السياسية وبعد أول انتخابات حرة ونزيهة عرفتها الجزائر أفرزت النتائج الإسلاميين كأول قوة سياسية بنسبة 54% وأن القوى الإسلامية والوطنية تمثل 95% في حين أن اللائكيين لم يحصلوا على أكثر من 5% كلها في منطقة القبائل، وأن الذين انتخبوا على اللائكيين لم ينتخبوا على اللائكية وإنما انتخبوا على القبائلية من منطلق جهوي صرف، أضف إلى ذلك أن اللائكيين الاستئصاليين من أمثال حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لم يحصلوا إلا على 2%. ولذلك استغل اللائكيون والاستئصاليون شعور منطقة القبائل وتعلقهم بالأمازيغية ووظفوها لمحاربة توجه أغلبية الشعب الجزائري المتمثل في تمسكها بالإسلام كمشروع حضاري وانتمائها إلى محيطها العربي الإسلامي. ففي البداية (أي بعد مصادرة اختيار الشعب في يناير 1992)، وبعد الانتخابات المزورة سنة 1997 قالوا أن الإسلاميين لا يمثلون أكثر من 25% من الشعب، وبعد أحداث 11 سبتمبر أصبحوا يقولون أن الإسلام السياسي لم يعد له مكان في المعادلة العالمية وكأن أمريكا ربا من دون الله لها قدرة تغيير قناعات الناس بمجرد  موقف أو قرار.

كما عمل التيار الاستئصالي على وصف منطقة القبائل بأنها الديمقراطية وحامية حماها، وها هي شرذمة من المغمورين لا يعرفهم الشعب يسمون أنفسهم بلجنة العروش ويدعون أنهم حركة المواطنين ينطقون باسم الشعب كله يريدون فرض وصاية على الشعب الجزائري، فيتنكروا للإسلام واللغة العربية ويعلنون الحرب عليهما، يدعون أنهم ديمقراطيون وهم أبعد الناس عن الديموقراطية ولا يعرفون إلا التخريب وممارسة العنف والإرهاب على من يخالفهم.

إن التيار الاستئصالي يريد تسويق لجان العروش عن طريق وسائل الإعلام التي يسيطر عليها بدعم من النظام  رغم قيامهم بالعنف والممارسات الستالينية والمخالفة للقوانين على أنها حركة ديمقراطية وحركة مواطنين تشكل أمل الجزائريين. ولقد نقلت عدة صحف أن حركة العروش قامت بتجاوزات كبيرة ومنعت بالقوة أحزاب المعارضة من القيام بنشاطات سياسية مشروعة في منطقة القبائل كما حدث لحركة الإصلاح بزعامة عبد الله جاب الله. فلو أعلن حزب إسلامي مقاطعة الانتخابات ثم قام بحرق صندوق واحد من صناديق الاقتراع لأقامت الصحافة الداخلية والخارجية والسلطة والمنظمات الإقليمية والدولية الدنيا ولم تقعدها وقالوا انظروا إلى أعداء الديمقراطية والحرية، انظروا إلى الذين يريدون دفن الديمقراطية، ولطالب كل هؤلاء بأشد العقوبة وبإقصاء هذا التيار من الساحة السياسية باسم مقولة: "لا حرية لأعداء الحرية". ومع أن الأمر لا يتعلق بحرق صندوق واحد بل صناديق عديدة بالإضافة إلى تهديد كل من تسول له نفسه أن يترشح أو يتكلم عن الانتخابات، ومنع تجمعات الأحزاب وإلى غير ذلك من التصرفات الإرهابية والمخالفة لجوهر الديموقراطية وقوانينها التي يعتبرها الديمقراطيون محرمات لا تغتفر فإننا لا نجد سوى التأييد أو السكوت.

إن الأزمة الجزائرية تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، ففي البداية كانت سياسية بحتة متعلقة بإلغاء انتخابات شرعية وحل أكبر حزب في البلاد (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، وكان في مقدور السلطة إيجاد حل لها وتجنيب البلاد المأساة التي تعيشها، ثم تعقدت الأمور بعد إزهاق أكثر من 150 ألف روح أغلبهم ليس لهم علاقة مباشرة بالأزمة، وعشرات الآلاف من المفقودين، ثم جاء عهد  الرئيس بوتفليقة الذي كان يعقد عليه الشعب أملا كبيرا في تحقيق المصالحة الوطنية، ولكنه مرة أخرى زاد الأزمة تعقيدا بإعادة النظر في اللغة العربية وبمحاولات تغيير قانون الأسرة المستمد من الشريعة الإسلامية  بل وإبعاد الإسلام من حياة الناس بما يرضي التوجهات اللائكية البعيدة كل البعد عن رغبات الأغلبية الساحقة للجزائريين. ومؤخرا دخلت حركة العروش من دون ترخيص وهي تريد التنكر كليا للإسلام والانتماء إلى الحضارة العربية الإسلامية. إن الشعب الجزائري مر بمحن خطيرة والحمد لله خرج منها سالما، والتاريخ القريب يعلمنا أن مئات آلاف الحركة ـ وهم من أبناء الجزائر ـ الذين اختاروا صف المستعمر الفرنسي في معركة التحرير لم يمنع البلاد من الاستقلال فليعبر هؤلاء العروش.

نقلا عن نشرة الرباط التي تصدرها الجبهة الاسلامية للانقاذ