يا فضيلة المفتى: أول القصيدة "……"!!!

 

بقلم المهندس : وائل عثمان

 

أبدأ حديثى إليك من حيث انتهيت في حديثك لجريدة العربى بتاريخ 24 مارس، حيث قلت: "الله تعالى أعلم كم أنا ضائق بمنصب المفتى ولكنه فرض علىّ ولم أكن أتمنى أن أتحمل هذا العبء" و"أخاف من الله فهذا عبء كبير وحسابه عظيم".

ولا شك أننا جميعا نقف معك في هذا الرأى، لذلك لن نهديك التهنئة اللازمة في مثل هذه المناسبة، وإنما ندعو لك أن ينقذك الله من هذا الكرب الذى ألم بك.

سيدى الفاضل. بعد أن فرغت من قراءة حديثك لجريدة العربى "لسان الحزب الناصرى" تملكنى إحساس غريب بأنه ينبئ بكارثة أو كوارث ستهب علينا من دار الإفتاء في المرحلة القادمة!

وبادئ ذى بدء، أحب أن أؤكد على أن نقد أراء ومواقف الشخصيات العامة لا يعنى أبدا عدم احترامها أو إنكار علمها، بل قد يكون النقد من منطلق الحرص على إسداء النصح لصاحب المنصب الجديد.

ولتسمح لى الآن بسرد ملاحظاتى على حديثكم وهى:

الأولى: قولك أن المنصب قد فرض عليك وأنك ضائق به وخائف.

فهل يا ترى قد استخدموا معك نفس الأسلوب المتبع مع الإسلاميين؟ وهل كان التعذيب من القسوة بحيث أنك لم تستطع تحمله فرضخت لهم؟! .. وأى سيف حاد قد سُلط على رقبتك فجعلك تقبل ما أنت ضائق به؟

لا أدرى لماذا تذكرت الإمام الأعظم أبا حنيفة وغيره من الأئمة الذين رفضوا منصب القضاء - وبعضهم عُذب لذلك في دولة كانت تحكم بالإسلام، ولم يتعللوا بأن المنصب قد فرض عليهم!!

با رجل. إن كنت تقصد ما تقول فكن شجاعا وتقدم باستقالتك فورا، أم أن الأمر……؟!

الثانية: نسبت إليك الجريدة رفضك وطلبك تأجيل الإجابة على أسئلة عن العمليات الاستشهادية والتطبيع والموقف من العدو الصهيونى.

ترى هل الخط الساخن مع أمريكا كان معطلا؟!

لكن المثير للدهشة أنك حينما سئلت عن لبس المرأة للحجاب أجبت: "اعفينى الآن من الإجابة".

يا إلهى !.. حتى هذه تحتاج إلى استئذان؟!!

فضيلة المفتى: هل نحيل فضيلتكم إلى أحد طلبة المعاهد الأزهرية في المرحلة الابتدائية لكى يجيب عنك على هذا السؤال؟!

ألم أقل إنى أشم ريح كوارث ستهب علينا؟!

الثالثة: ردا على سؤال "هل زوجتك تعمل"، أجبت: "لا فهى من عائلة محافظة، ولكن إبنتى تعمل...".

وبمفهوم المخالفة يا فضيلة المفتى نفهم أن ابنتك ليست من عائلة محافظة!!

طبعا فضيلتك لا تقصد هذا، ونحن لا نقول به أيضا.

لذلك أنصحك يا فضيلة المفتى بأن تكون مدققا في اختيار كلماتك في المرات القادمة. وقد كان ذلك واضحا في حديثك كله، فحينما سئلت عن التليفزيون والسينما والمسرح قلت: "لا أرى التليفزيون أو السينما كثيرا لسببين: الأول أن لدى حساسية شديدة جدا في عينى من الضوء، وثانيا وقتى لا يسمح أن أجلس ثلاث ساعات أو ساعة ونصف لأرى فيلما".

ونفهم من ذلك أنه لولا الحساسية شفاك الله وضيق الوقت لكنت متابعا للسينما والتليفزيون! وبدون حساسية نقول لك أنه كان أحرى بكم أن تقول إننى لا أشاهد التليفزيون إلا قيلا وذلك بقدر ما يقدمه من أعمال تحترم إسلامنا ومبادئنا وعاداتنا، وهو ما لا يتحقق إلا ربما في نشرات الأخبار ومباريات الكرة فقط.

أما السينما فلم تكن تحتاج منك إلا أن تقول: إننى إنسان على خلق ودين ولذلك لا أشاهد السفالات التى تقدمها الآن.

أليس كذلك يا فضيلة المفتى؟!

الرابعة: جاء ردك على سؤال: "هل تستمع إلى الأغانى ومن يطربك من المغنيين" ردا أقل ما يوصف به أنه غير لائق، فقد قلت: "أحب الأغانى القديمة فأنا رجل كبير وعمرى 56 سنة ومن حظى أننى سمعت عمالقة الغناء القدامى وأنا أطرب إلى أم كلثوم وأرى أنها ظاهرة لن تتكرر".

حسنا. نحن أمام ناقد فنى أيضا!

نعم. نحن نعلم أن الغناء من الأمور المختلف فيها، ونعلم أن كثيرين يعتبرونه من الذنوب الصغيرة، لكن الكل مجمع على ضرورة أن لا يخرج الغناء عن الآداب الإسلامية إن كان في الكلمات أو الألحان بل وحتى الإلقاء. وقولك أنك تطرب إلى أم كلثوم هكذا بدون أية تحفظات يحتاج من فضيلتكم لبيان أكثر تفصيلا وتوضيحا.

ثم، ألا ترى فضيلتكم أن منصبكم يحتم عليكم قدر من الالتزام والأخذ بالأحوط بأكثر مما نلتزم به نحن العامة ؟! لا شك أنك تعلم أن حساب العالم يختلف عن حساب المسلم العادى، فما بالك بالمفتى والمفروض أنه المجتهد الأول في عصره؟!

وليس نفاقا أن تكون من المعجبين بأم كلثوم أو غيرها وتخفى هذا الأمر أو لا تجهر به احتراما لمنصبك، بل وتمشيا مع الحكمة القائلة "إذا بليتم فاستتروا" وأرجوك ألا تقل إنك تفتى لجميع المستويات، فنحن أولا نتحدث عن إعجابك أنت الشخصى بأم كلثوم، وثانيا إن الفتوى يجب أن تكون واضحة ومفسرة حتى لا يستغلها أصحاب الهوى والضلال والبدع.

الخامسة: كذلك كان ردك على "الموقف الشرعى من التدخين"

حيث قلت: ".. فإذا كان المدخن سيُضر بالتدخين فالإسلام يحرم كل شيء يضر بالصحة والعقل لكن إذا كان الضرر من التدخين خفيفا فلا أستطيع أن أقول إنه حرام".

وكأنك تقول أن فتوى المفتى السابق د. واصل بتحريم التدخين، والتى تتصدر أبواب المساجد الآن وكانت سببا في إقلاع الكثيرين عن التدخين، هى فتوى غير صحيحة!

نعم. حديثك عن الضرر صحيح، لكن ألم تسمع أن معظم الأطباء قد أجمعوا على وقوع الضرر من التدخين. فلماذا لا نغلق هذا الباب ونستريح؟!

وهل عدم تأثر شخص من شرب الخمر يبيح له أن يشربها؟!

نعم. نحن معك بأن هناك فرقا بين التحريم لنص والتحريم للضرر وبالتالى لا يصح أن يقال أن التدخين حرام كالخمر تماما، لكن رأيك بعدم تحريم التدخين مطلقا استنادا لاحتمال عدم وقوع الضرر للبعض، يفتح الباب واسعا أمام المدخنين خاصة الشباب الذين سيقسمون بأنهم لا يشعرون بأى ضرر من التدخين، وهم محقون في قولهم هذا، لأن الضرر لن يصيبهم الآن وإنما في المستقبل كما يؤكد على ذلك أهل الذكر وهم هنا الأطباء.

[ترى هل كانت خسائر شركات السجائر من فتوى د. واصل أحد أسباب إقالته؟!].

السادسة: في معرض إجابتكم عن العديد من الأسئلة ذكرت أنك ترغب في إحالة بعض القضايا لمجمع البحوث الإسلامية وأنك سوف تكون ملتزما بما يقوله مجمع البحوث.

ولا شك أن هذا اتجاه محمود منك.

فقط أُذكر فضيلتك بفتوى مجمع البحوث الإسلامية والتى تحرم الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بالفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة، واعتبارها كلها من المعاملات الربوية المحرمة.

فهل يا ترى ما زلت عند رأيك في الالتزام برأى مجمع البحوث الإسلامية؟

أم أن الخط الساخن مع أمريكا سيتم تشغيله؟!!

السابعة: وهنا أسمح لنفسى أن أقدم لفضيلتكم نصيحة تتجنب بها مزالق الفتوى المشوهة لو جاز التعبير وقد تنبه المفتى السابق بعد فترة لهذا الفخ الذى ينصب مع كثير من الأسئلة التى توجه لكم.

فأنصحك لوجه الله أن تقرأ السؤال الموجه لفضيلتك ليس بعين العالم الفقيه فقط وإنما بعين السياسى الواعى الفطن للمعنى الخفى المتستر خلف الكلمات المباشرة للسؤال.

أقول هذا، بعد أن شعرت أن فضيلتك ستتعرض كثيرا لمثل هذه النوعية من الأسئلة وربنا يستر!

وسأعرض لكم نموذجا يوضح ما أقصده:

حدث أن حاول أحد الرياضيين في لعبة السباحة أن يقنع المفتى السابق بإصدار فتوى بتحليل الرهان على نتائج مباريات الكرة.

واعترض المفتى على أن هذا نوع من القمار ثم أضاف أن هذه العملية لا تكون حلالا إلا في حالة بذل مجهود ذهنى وبحث علمى من المتسابق بحيث يحصل على الجائزة أو الرهان بسبب هذا المجهود، فكان أن التقط ذلك الرياضى الخيط وأوضح للمفتى أن توقع نتائج مباريات الكرة يبذل فيها هذا المجهود وبالتالى فهى حلال! فبالله عليكم، هل توقع نتيجة مباراة كرة خاصة في الدورى المصرى الهزيل يقوم على دراسة وأبحاث؟!

إن هذا يذكرنى بما قاله يوما الإمام "الأكبر" الدكتور طنطاوى عندما سئل عن أسباب خروجه على إجماع العلماء عندما أفتى بأن معاملات البنوك ليست ربا، فقال: لقد اجتمعت مع مديرى البنوك وسألتهم فقالوا لى أن ما يقومون به ليس ربا! (يعنى قالوا للحرامى: احلف !!)

وبعد. يا فضيلة المفتى الجديد: عندما قرأت حديثك وإجاباتك، أدركت لماذا تمت إقالة المفتى السابق!!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.