من خسِرَ الآخر: بوش أم صدام؟

فؤاد مطر

عندما التقى وفد الكونغرس الاميركي بالرئيس صدام حسين في الموصل، يوم الخميس 12ابريل (نيسان 1990)، كانت العبارة الاولى التي قالها رئيس الوفد السناتور روبرت دول «اتصلنا في الحادية عشرة مساء امس بالرئيس جورج بوش (الأب) بالهاتف وكل واحد منا تحدَّث معه وكان الرئيس مرتاحاً لأننا سنزور بغداد».. ثم قرأ المترجم نص رسالة تحمل تواقيع اعضاء الوفد وهم الى جانب روبرت دول كل من السناتور سمسون والسناتور مكلور والسناتور متبرت والسناتور ميتزن بوم. وكانت العبارة الأكثر بروزاً والتي بدت كما لو أن زيارة الوفد من اجل البحث في مضمونها، هي التي تتعلق بمساعي العراق لتطوير قدرات نووية وكيماوية وبايولوجية، وبالتصريحات التي هدد فيها الرئيس صدام بحرق نصف اسرائيل بالكيماوي المزدوج إن هي اعتدت على العراق. وقد حث السناتور دول وزملاؤه في رسالتهم الرئيس صدام على «اعادة النظر في الاستمرار بهذه البرامج الخطيرة والتصريحات والتأكيدات الاستفزازية»، كما انهم حثوه على «ان يساهم بنشاط في عملية السلام الجارية بين مصر واسرائيل وممثلين عن الشعب الفلسطيني وحكومة الولايات المتحدة».
وفي محاولة منهم لترويضه قالوا له ان الملك حسين والرئيس حسني مبارك نصحاهم بإجراء حوار صريح ومنفتح معه وأنه ـ والتوصيف للزعيمين العربيين ـ رجل واضح وصريح. ومن جانبه رأى الرئيس صدام ان الوفد جاء ليثير معه في الدرجة الاولى موضوع تلويحه باستعمال الكيماوي المزدوج في حال اعتدت اسرائيل على العراق، وأن أعضاء الوفد لم يأتوا مستوعبين العبارة التي قالها في هذا الشأن وإنما على نحو ما روجت له وسائل الإعلام الاميركية التي لا تخفي نوازعها في اتجاه التصهين. وعلى هذا الأساس رأى ان الفرصة مواتية ليوضح الموقف من الزاويتين العراقية والفلسطينية في مطالعة امام اعضاء الوفد وفي ظنه ان هذه المطالعة ستجعل الادارة الاميركية متفهمة للرؤية البعثية العراقية للمسألة.
بدأ الرئيس صدام مطالعته برفض قاعدة «قياس الصِغَر والكِبَر» في بناء العلاقات بين الدول، معتبراً انه «ما دام الله أكبر من كل الحالات فيجب اذاً عدم الاستسلام لقاعدة الدولة الكبرى والدولة الصغرى». ولا يمكن لسياسي اميركي امثال اعضاء الوفد الاقتناع بهذا المنطق، إذاً فإن هذه النقطة لم تخدم اميركياً منطق الرئيس صدام. إلاَّ أنه لم ييأس فعزز الرؤية بالقول: «حيثما كان الانسان عادلاً في موقفه فهو الأكبر وحيث لامس الحقيقة كما هي وليس كما يتمناها او يريدها فهو الأكبر، وحيثما حقق او أسهم في تحقيق السلام ليس لنفسه وإنما للإنسانية ككل فهو الأكبر، وحيثما وُجد خلاف بين طرفين او أكثر وحث النفس على البحث لمعرفة اين هو الحق فهو الأكبر».. وعندما لاحظ ان ملامح وجوه السامعين ليست منسجمة مع رؤيته فإنه اضاف: «حتى بالقياسات المادية يحتاج الكبير الى الصغير لكي يعرف أنه اصبح كبيراً، وإن كان الصغير يلام من ناحية اخرى لأنه لو لم يكن هو صغيراً لما اصبح الكبار كبارا». إلاَّ أن الملامح شهدت بعض الارتياح عندما دخل الرئيس صدام في صلب الموضوع قائلاً: «اعتقد ان العراقيين والاميركيين بحاجة لأن يتعرف بعضهم على بعض وأن يتعرفوا على تاريخ البلدين من جوانب اساسية من الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية لأن هذا التعرف لا غنى عنه كخلفية لاستنتاجات صحيحة...»، لكن سرعان ما استعادت الملامح بعض التجهم عندما قال الرئيس صدام للوفد الاميركي المرموق: «مثلما انتم قلقون من اخبار تصلكم عن العراق وسياسات تنتقدونها، نحن ايضاً قلقون من اخبار تصلنا من الولايات المتحدة الاميركية وسياسات تنتهجونها».
لا بد أن اعضاء الوفد وهم يستمعون الى الرئيس صدام كانوا يقولون في سرهم: ما به هذا الرجل؟ انه يتحدث وكما لو أنه سيد الكرملين في مخاطبة سيد البيت الابيض. هل مثل هذه اللهجة ستكون مدخلاً الى تصحيح ما يمكن تصحيحه وبناء علاقة جديدة لا تقوم على الحذر ويأخذ رئيس العراق بموجبها في الاعتبار أن اميركا هي اميركا زعيمة العالم وأن العراق هو العراق الدولة التي لا يمكن لمعادلة المعنويات ولا للتراث التاريخي الذي يعود الى اربعة آلاف سنة على نحو ما ذكر الرئيس صدام متباهياً، ان تقلل من شأن هذا الواقع.
وعلى رغم ان رئيس الوفد السناتور روبرت دول قال للرئيس صدام، الذي شكا مر الشكوى من الحملة الإعلامية في اميركا على العراق، إن الرئيس بوش قال له ـ اي للسناتور دول ـ إنه ليس مع هذا الأسلوب، إلاَّ ان الرئيس صدام اوضح امام الوفد الزائر أن تصريحه الذي قامت القيامة في اميركا عليه تمثَّل بقوله: «اذا ضربت اسرائيل العراق سنضربها» ولم يقل انه سيكون البادئ بالضرب ومن دون اسباب موجبة. ثم فاجأ الوفد بأنه لم يتوقف عند هذا التوضيح قائلاً: «وأنا اؤكد الآن امامكم ان اسرائيل اذا ضربت فسنضربها». واسترسل الرئيس صدام في الحديث حول السلاح الذري والكيماوي والبايولوجي وعاد الى القول وبنبرة اكثر تصميماً: «بصرف النظر عن الكيفية التي فُسِّر بها تصريحي فإنني اقول كلامنا واضح وهو مكتوب بالعربية ومكتوب بالانكليزية ومسجَّل صورة وصوتاً فنحن لا نتراجع عن كلامنا. فإذا ضربت اسرائيل واستخدمت الأسلحة الذرية فسنستخدم الكيماوي المزدوج».
واقتنع اعضاء الوفد بمسألة امتلاك العراق للسلاح الكيماوي والبايولوجي عندما سمعوا الرئيس صدام يقول: «مَنْ الذي يجعل العرب يفتشون عن الأسلحة الكيماوية ويصنِّعونها؟ انها اسرائيل. فالعرب يعرفون أن اسرائيل لديها اسلحة كيماوية وبايولوجية وذرية فكيف تريدون أن يتصرف العرب؟ هل يسلِّمون اوطانهم ويتركون شعوبهم لمصيرها؟ ثم لماذا يُفترض أن اسرائيل فقط لوحدها تتصرف بمسؤولية تجاه الأسلحة ولا يتصرف العرب بنفس المسؤولية؟».
ثم سمع اعضاء الوفد كلاماً من الرئيس صدام اعتبروه فوق سقف الكلام المجاز أن يقوله رئيس دولة صغرى لوفد يمثل الدولة الأكبر. ومن الجائز أن عضو الوفد السناتور ميتزن بوم، وهو يهودي، كان الأكثر اندهاشاً وهو يسمع الرئيس صدام يخاطب الوفد بلهجة التأنيب قائلاً: «ان العرب يسمعون يومياً عملية تحقير لهم من الغرب. لماذا؟ هل سيطر عليكم الاتجاه الصهيوني الى هذا الحد الذي سلب انسانيتكم؟ هل ضعُفت الوطنية في دول الغرب الى الحد الذي لم تعد فيه قادرة على ان تقول أين هو الحق وأين هو الباطل»... ثم زاد رفع نسبة التعبير عن الضيق الذي في النفس قائلاً: «قلتم بأن بعض اعضاء الكونغرس قد يطرح عقوبات على العراق. ولكن هلاَّ سألتم انفسكم بماذا تعاقبون العراق؟ انتم لم تسلِّحوا العراق ولم تصرفوا له مساعدات اقتصادية ومالية. إنكم لم تأتوا بنا الى الحكم ولا انتم الذين تحموننا. اننا لم نكن راغبين في ان نمارس عدوانية عليكم وليس هذا منهجنا، ولكننا مصممون على ان أي احد يعتدي علينا فإننا نقاومه».
بعد ذلك طلب الوفد صراحة من الرئيس صدام أن يكون «قوة مؤثرة جداً للسلام في الشرق الاوسط».
في هذا اللقاء الاستثنائي قيل ايضاً كلام كثير وكان ربما من شأن هذا اللقاء أن يجعل نافذة الحوار التي فتحتها زيارة هذا الوفد أن تتسع وبحيث تصبح ابواباً مشرعة، لكن الأمور سارت في اتجاه غريب. وهذا سببه على ما يجوز الاعتقاد اسلوب التخاطب من جهة حيث ان اللقاء لم يكن من اجل العتاب وإنما وجد اعضاء الوفد انفسهم امام رئيس عربي طلبوا منه سحب تصريحه الشهير حول استعمال الكيماوي المزدوج في حال اعتدت اسرائيل على العراق فلم يتجاوب وإنما حرص على ان يؤكد امامهم ما قاله عندما لم يكونوا من جملة الحاضرين في الاجتماع الذي عُقد في قصر المؤتمرات في بغداد وقال فيه الرئيس صدام ما قاله. كما ان اعضاء الوفد وجدوا امامهم رئيساً لا يطلب الود من الادارة الاميركية وإنما يتطلع الى علاقة قائمة على المساواة وهذا ما يبدو مرفوضاً تماماً بالنسبة الى النهج الاميركي. وإلى ذلك ان الوفد جاء لإدخال نظام البعث في «اللوبي» العربي الاميركي ذي الاصول الثورية او الماضي الثوري على نحو حال مصر وكيف ادخلها الرئيس انور السادات طائعاً مختاراً في هذا «اللوبي»، فإذا بالرئيس صدام يتحدث بمفردات نضالية غير مستحبة السمع من جانب الادارة الاميركية التي كانت قطعت شوطاً على طريق وضع اللبنة الاخيرة في بناء «النظام العالمي الجديد» ولا ينقص هذا العمل سوى تجربة ميدانية، او باللغة العسكرية مناورة مشتركة بين عدة اطراف وبالذخيرة الحية. وهذا ما تحقَّق بعد ذلك عندما جرى استدراج الحكم العراقي الى كمين «المحافظة التاسعة عشرة» وهناك بدأت عملية الذبح من الوريد الى الوريد وريداً بعد وريد.
ويبقى السؤال: هل ان الرئيس صدام جاءته الفرصة على طبق اميركي دسم حمله وفد كثير التميز من الكونغرس الاميركي، لكن استقباله لهذه الفرصة خلا من بعض الانحناءات التكتيكية التي تفيد عند الضرورة وخاطب اميركا وكما لو أن سيد الكرملين يخاطب سيد البيت الابيض؟ وهل انه لو كان يدري ما الذي في استطاعة اميركا ان تفعله به وببلده كان سيقول امام الوفد: «هلاَّ سألتم انفسكم بماذا تعاقبون العراق؟ انتم لم تسلِّحوا العراق ولم تصرفوا له مساعدات اقتصادية ومالية. انكم لم تأتوا بنا الى الحكم ولا أنتم الذين تحموننا. اننا لم نكن راغبين في ان نمارس عدوانية عليكم وليس هذا منهجنا، ولكننا مصممون على ان اي احد يعتدي علينا فإننا نقاومه؟».
من المؤكد انه لم يكن ليقول هذا الكلام ولم يكن لينشر محضر هذا اللقاء وغيره من محاضر اللقاءات العراقية ـ الاميركية في اكثر المراحل دقة. فقد اثبتت أميركا منذ ان قادت حرب دول التحالف على العراق عام 1991، انها قادرة على ان تعاقب الجميع من دون استثناء وإن اختلفت انواع العقاب، وأن العقاب يتم تحت سقف شرعية دولية استحصلت عليها بقوة الهيمنة. ولأن الذي جرى وما يجري يؤكد كم ان العقاب من جانب بوش الأب عسير، فإن خشية العراقيين مما قد يجري من جانب بوش الابن قد يكون أخطر وأعسر.
وفي العودة الى تلك المحاضر والتمعن في قراءة ما بين السطور يستنتج المرء كيف ان العلاقة بين صدام حسين (التكريتي) وجورج بوش الأب ثم الابن (التكساسي) ستستمر متأرجحة... الى ان يقضي الله امراً كان مفعولاً.