الانتخابات الاسرائيلية..هل من مفاجأة؟

رياض أبو ملحم

قد لا تكون الانتخابات النيابية الاسرائيلية التي ستجري في الثامن والعشرين من يناير المقبل، حاسمة بالنسبة لمستقبل عملية التسوية السلمية في المنطقة، شأنها في ذلك شأن الانتخابات السابقة ، التي حملت زعيم حزب العمل (السابق) ايهود باراك الى رئاسة الحكومة. ولكن مع ذلك ينبغي الاقرار بأن الخروج من المأزق الذي تواجهه هذه العملية منذ عدة سنوات لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال حدوث تطور سياسي رئيسي داخل اسرائيل، وعبر مؤسساتها الفاعلة، طالما انها تمسك دائماً بزمام المبادرة، بسبب عجز الدول العربية عن فرض شروطها "المتواضعة"، أو حمل اسرائيل على قبول رؤيتها لحل المشكلة.

فمأزق التسوية السلمية هو مأزق اسرائيل بالدرجة الأولى، على الرغم من تحميل الفلسطينيين هذه المسئولية، تجنياً وتعسفاً، خصوصاً بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد وعدم اكتمال المحاولات التي أعقبتها لتجنب الوصول الى طريق مسدود. يدل على ذلك سلسلة التغييرات المتلاحقة التي حدثت في اسرائيل منذ اغتيال اسحاق رابين رئيس الحكومة السابق، تم ازاحة خلفه بنيامين نتانياهو، وبعد ذلك اسقاط ايهود باراك،

وأخيراً... وليس آخراً تفكيك حكومة أرييل شارون الائتلافية بسبب انسحاب وزراء حرب العمل منها، وحمل رئيسها على تقديم موعد الانتخابات التشريعية بعد مرور عشرين شهراً فقط على مجيء الكنيست والحكومة الحاليين. وقياساً على ذلك، سيكون من الطبيعي جداً ان تواجه أية حكومة اسرائيلية جديدة المصير نفسه، إذا لم يكن لديها ما تقدمه للخروج من المأزق الراهن، غير ما قدمه نتانياهو وباراك وشارون، أي المزيد من تعقيد المشكلة عبر توسل القوة وحدها لاخضاع الفلسطينيين والتنكيل بهم ومحاولة اجبارهم على التنازل عن حقوقهم المشروعة. من هنا أهمية اختيار الجنرال السابق عميرام متسناع زعيماً لحزب العمل بدلاً من وزير الدفاع السابق بنيامين بن اليعازر في حكومة شارون.

صحيح ان حزب العمل، بوضعه الحالي، المتهالك المرتبك، لا يملك القدرة على مواجهة حزب الليكود اليميني المتطرف، أو تحقيق انتصار عليه، سواء أختير شارون أو نتانياهو زعيماً له، لكن الصحيح ايضاً ان الافكار التي عبّر عنها متسناع ،لابد ان تشق طريقها داخل المجتمع الاسرائيلي وتترك آثاراً ايجابية لدى الكثير من قواه المترددة، برغم ان هذه الافكار تشكل تحدياً كبيراً لمواجهة التطرف العارم الذي يجتاح المجتمع الاسرائيلي في الوقت الحاضر بسبب المواجهات العنيفة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، والمتواصلة منذ 28 سبتمبر عام 2000، وانتقال ردود الفعل الفلسطينية من مقاومة الاحتلال في مواقع انتشار قواته الى مختلف مناطق فلسطين التاريخية.

ذلك ان التنافس الحقيقي سيصبح بين ما يقدم اقترحات محددة، ملموسة وعملية، للخروج من اتون العنف المشتعل، وبين من يكتفي باستخدام القوة المسلحة وتضخيم شعارات "مكافحة العنف المشتعل، وبين من يكتفي باستخدام القوة المسلحة وتضخيم شعارات "مكافحة الارهاب" لتبرير سلوكه، ما يؤدي تلقائياً الى رفع درجة العنف ومفاقمة الصراع القائم على نحو تصعب السيطرة عليه. المواجهة الانتخابية ان توقعات المحللين تقلل من فرص حزب العمل في زيادة رصيده الانتخابي، خلال الشهرين المتبقيين على موعد الانتخابات الاسرائيلية على نحو يؤهله لتحقيق انتصار على حزب الليكود، بالرغم من ان ذلك يظل اتمالا قائما في ضوء تطور الاوضاع في اسرائيل وفي منطقة الشرق الاوسط كلها. ومن الواضح ان استطلاعات الرأي التي تنشرها الصحف الاسرائيلية تعكس هذا الواقع.

بيد ان ذلك لا يعتبر نهاية المطاف، لا بالنسبة لحزب العمل واحزاب اليسار المتحالفة معه، ولا بالنسبة للاحزاب اليمين المتطرفة وعلى رأسها حزب الليكود. فمنع الوصول الى تسوية سلمية مقبولة، كما يفعل حزب الليكود بزعامة ارييل شارون منذ تسلمه السلطة قبل نحو عامين، لا يشكل استراتيجية مقبولة على المدى البعيد نظراً لاعبائها الهائلة، بشريا وماديا، على جميع الاطراف، ولو بمقادير متفاوتة.

فضلا عن ان المجتمع الدولي لن يظل صامتا حيال ما يحدث في الاراض الفلسطينية المحتلة وسيضطر للتحرك، عاجلا أو آجلاً، خصوصا عندما تتعرض مصالحة الحيوية لأخطار مباشرة. إلى ذلك، فان حزب العمل، بالتوجهات التي اعلن عنها زعيمه الجديد متسناع، سيؤسس لقيام معارضة جديدة تتنامى قوتها يوما بعد آخر، وكلما اثبتت سياسات حزب الليكود فشلها وافلاسها.

لقد أرتضى الأول لنفسه ان يهبح جزءاً من الثاني منذ ان وافق على العمل تحت قيادة شارون في اطار الحكومة الائتلافية التي تشكلت في اعقاب الانتخابات النيابية. وبدلا من ان يحاول حزب العمل الدفاع عن الاتفاقات التي ابرمها مع الجانب الفلسطيني منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993، تحول الى مجرد اداة طيعة في يد شارون استخدمها الأخير دائما للتغطية على جرائمه ضد الشعب الفلسطيني، ولتكوين صورة جديدة له تكون مقبولة لدى الرأي العام العالمي، بعد ان التصقت به صورة القاتل، المتوحش، المتعطش للدماء، لسنين طويلة.

وقد لعب ثعلب الحزب شيمون بيريز دوراً متميزا في كل ذلك. لذا فان مهمة متسناع، وان يكن من شأنها ان تقود الى هدف واحد محدد وهو تحقيق اختراق في جدار الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي المستفحل، تحتاج الى مرحلتي عمل منواليتين ومتكاملتين: في المرحلة الأولى يتعين عليه ان ينقل حزب العمل من حالة التبعية لحزب الليكود التي فرضها عليه واقع الائتلاف الحكومي العسكري، الى حالة يستعيد فيها قراره المستقل اولا، ثم يستعيد قاعدته الشعبية ثانيا.

اما في المرحلة الثانية فيتعين عليه ان يخوض مواجهته الضرورية والحاسمة مع حزب الليكود، ولذا فان مسألة ضيق الوقت ستلعب دورا سلبيا في هذه المواجهة لغير مصلحة حزب العمل وزعيمه الجديد متسناع، في المدى القريب على الاقل.

عناصر التغيير :

ولكن ثمة من يعتقد انه يمكن احداث بعض التغيير الجوهري في صورة الموقف الراهن اذا ما توفرت ثلاثة عناصر رئيسية:

ـ العنصر الاول: قدرة زعيم حزب العمل الجديد على القيام بجهد استثنائي بالتعاون مع "قوى السلام" الاسرائيلية لتوسيع اطار القاعدة الشعبية التي تتجاوب مع طروحاته المتقدمة، وخاصة في ما يتعلق باقامة دولة فلسطينية مستقلة والانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة وتصفية معظم المستوطنات الاسرائيلية من دون شروط.

ـ العنصر الثاني: بروز موقف دولي ضاغط يتطلب التجاوب معه احداث تغيير جذري في واجهة الحكم في اسرائيل وفي الاستراتيجية الاسرائيلية كلها. وقد يكون التحرك الذي تقوم به اللجنة الرباعية الدولية احد المؤشرات على مثل هذا الاحتمال، وان يكن مدى جدية الموقف الاميركي حيال تحقيق تسوية سلمية في المنطقة (خارج الشروط الاسرائيلية) هو الذي يحدد مقدار ما يتيحه الرهان على تحول حقيقي في الموقف الدولي، ومن الضروري التذكير بان اسحق شامير رئيس الحكومة الاسبق لم يوافق على المشاركة في مؤتمر مدريد عام 1991 الا بعد ان ضغطت عليه الادارة الاميركية وهددته بتجميد ضمانات القروض المتعلقة بعشرة مليارات دولار والتي تمثل جزءا من الدعم الاميركي المنتظم لاسرائيل.

وقد تطرأ ظروف تضطر فيها الولايات المتحدة الى اتخاذ موقف جديد حازم مماثل لذاك الذي اتخذ قبل عشر سنوات مع ان توجهات الرئيس الاميركي جورج بوش لا تبشر بذلك. ويلاحظ في هذا المجال ان ارييل شارون يحاول ان يجعل من نفسه حصان الرهان الدولي، والاميركي خصوصا، اذا ما تطلب الامر بعض التغيير لتنفيذ الاقتراحات والشروط التي تبرز تدريجيا بين ثنايا خطة اللجنة الرباعية وتعديلاتها الجديدة، وفقا لما ذكرته صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية. وهو بذلك يسعى الى قطع الطريق على حزب العمل، كبديل محتمل، وعلى اي احتمال آخر قد يتطلب الاستغناء عن خدماته.

ـ العنصر الثالث: اتفاق الاحزاب السياسية التي تمثل فلسطينيي 1948، او من يطلق عليهم اسم "عرب اسرائيل" على تشكيل لوائح موحدة تخوض الانتخابات المقبلة الى جانب حزب العمل. وهذا يتطلب المزيد من الحوار مع زعيم الحزب الجديد مستناع لبلورة الافكار التي يطرحها وتحويلها الى برنامج سياسي متكامل يخوض الانتخابات على اساسه، فهناك ما يقرب من مليون مواطن عربي يشكلون خمس عدد سكان اسرائيل، وبالتالي فان اصواتهم يمكن ان تلعب دورا مرجحا اذا ماصبّت بكثافة في اتجاه واحد.

وسيكون من الخطأ تردد الاقلية العربية في اسرائيل في خوض الانتخابات بقوة، لاسيما وان طروحات زعيم حزب العمل الجديد تتباين كليا مع طروحات القوى اليمينية المتشددة التي يمثلها حزب الليكود وان يكن من الضروري دائما عدم اعتبار الامور منتهية ومحسومة لمجرد الكلام عنها، فهناك الكثير من الافكار والوعود الموسمية التي تبرز قبل كل انتخابات وتتلاشى بعدها. انعكاسات التجارب السابقة وقد اظهر استطلاع للرأي بين فلسطينيي الاراضي المحتلة (نشر بعد فوز عميرام متسناع برئاسة حزب العمل) ان معظم الفلسطينيين (73 في المئة) لايجدون فرقا بين الحزبين الرئيسيين: العمل والليكود، وان حزب العمل لن يكون قادرا على دفع عملية السلام في شكل افضل.

وهذه النتيجة تبدو طبيعية من خلال تجربة حزب العمل الاخيرة التي ارتضى لنفسه فيها ان يصبح جزءا لايتجزأ من سياسات حزب الليكود ومواقفه ومن جرائمه التي ارتكبت وترتكب ضد الشعب الفلسطيني، وكذلك الحال بالنسبة للتجربة المريرة مع هذا الحزب بقيادة ايهود باراك. واذا كان الناخبون العرب قاطعوا الانتخابات السابقة لانهم وجدوا انفسهم بين خيارين سيئين: اعادة التجديد لباراك او انتخاب ارييل شارون، إلا انهم كانوا اسهموا اسهما رئيسيا في نجاح ايهود باراك في انتخابات عام 1999، على امل ان يحقق التسوية الشاملة الموعودة بيد ان باراك لم يكن اقل قسوة على الفلسطينيين من الآخرين ولم يكن اقل عداء لقضيتهم العادلة ولحقوقهم المشروعة.

فالمؤمن لايلدغ من جحر مرتين لكن الفلسطينيين لايملكون خيارات كثيرة، كما انهم لايستطيعون ان يظلوا متفرجين حيال ما يتقرر في اسرائيل تحت ضغط قوى التطرف اليمينية لاسيما وان قضيتهم تشكل الموضوع الرئيسي للتنافس بين الاحزاب والقوى السياسية على اختلاف تشكلاتها.

وحتى اذا تعذر على حزب العمل تحقيق الفوز في انتخابات يناير المقبل، فمن المفترض ان يشكل قاعدة لمعارضة قوية في المرحلة التالية من تجربته الجديدة، بحيث يصبح لطروحاته المتميزة تأثيرات لايستهان بها على السلطة الحاكمة. فحكومة شارون كانت صاحبة الصوت الواحد والقرار الواحد خلال الاشهر العشرين الماضية، ولم يسمع في مواجهتها سوى اصوات خافتة، خجولة، مرتبكة، خائفة، يمثل اصحابها بعض فلول اليسار الاسرائيلي وقوى السلام المتلاشية.

اما في المرحلة التالية، فلابد ان تتكون معارضة جديدة، قوية وفعالة، بحيث لا يبقى التفرد في اتخاذ القرار أمراً سهلا ومن دون أية مساءلة. وهذا في حد ذاته سبب كاف لدعم طروحات زعيم حزب العمل الجديد، وان يكن هو الآخر ابن المؤسسة العسكرية الاسرائيلية التي يسيطر جنرالاتها ومتقاعدوها على السلطة السياسية، كما يعتبرون اصحاب القرار فيها مع استثناءات قليلة جدا. فلا بأس من محاولة الاستفادة من ظروف التنافس الداخلي بين القوى السياسية الاسرائيلية، وهو الخيار الوحيد المتاح.. حتى اشعار آخر.