"الديني" في قلب "السياسي"

دولة علمانية لمجتمع متدين

 

 

 

بقلم : الحسن سرات

 

 

على مهل، وبتدرج لا يثير جلبة أو ضجيجا، أخذ الديني ينساب في السياسي في قلب العلمانية الفرنسية العتيدة. ومع مرور الأيام والسنوات يتصاعد إظهار الانتماء الديني لرجال السياسة في قصر الإيليزيه في غفلة عن أعين الرقيب. وبعد أزيد من قرنين من الزمان، تجد الدولة العلمانية نفسها وهي تحكم مجتمعا دينيا بامتياز. وهذه مفارقة مقلقة جدا للدولة الفرنسية، أثارها أكثر من مفكر ومحلل سياسي ورجل دين، خاصة في المناقشات الدائرة اليوم حول منع العلامات الدينية من الظهور في المدارس والمؤسسات العمومية. فكيف يقبل ويعقل أن يكون المجتمع متدينا في حين أن دولته علمانية بنص الدستور، أما أعضاء الحكومة فيقفون في منزلة بين المنزلتين: بين المجتمع المتدين والدولة غير المتدينة.

والمطلع على العدد 1635 من الأسبوعية الفرنسية "لوبوان" ليوم 16 يناير 2004 سوف يتوقف طويلا أمام غلافها الأول حيث الإشارة المثيرة إلى عودة الدين إلى قلب السياسة والسياسيين بالعاصمة الفرنسية باريس. ومن المسلم به في الحداثة المعاصرة أن فرنسا هي رائدة فصل الدين عن السياسة منذ ثورتها الشهيرة عام 1789 حيث صاحت الأصوات مرددة بحماس وقوة: "اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر قسيس". وفي تلك الأجواء الحامية تأسست الدولة العلمانية فاصلة بين الدين والدولة جاعلة ما لله لله ولقيصر لقيصر.

 وصفت "لوبوان" عودة الديني إلى الحياة السياسية بالعودة المتوارية عن الأنظار منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه الوزير الأول رافاران تكوين فريقه الحكومي صباح الاثنين 17 يونيو 2002. وعندما انطلقت عملية تكوين المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أمسك كل من الرئيس والوزير الأول ووزير الداخلية بالقضية إمساكا قويا، وسعى كل واحد إلى تسجيل أكبر عدد من النقط في خانته استعدادا لأيام الانتخابات القادمة. وأصبح المسجد الأعظم لباريس قبلة للحريصين على التقاط أصوات "المواطنين المسلمين"، حسب تعبير نيكولا ساركوزي وزير الداخلية الشهير. ففي يوم 15 نونبر 2003 نظم "مجلس الديمقراطيين المسلمين" مأدبة "إفطار مناقشة" في قلب المسجد الباريسي الأعظم حول "دور ومكانة المواطنين من ديانة مسلمة في المشروع السياسي لليسار" بحضور ممثلين عن أحزاب اليمين واليسار معا، على الرغم من استغراب الأصوات اليسارية من ذلك.

غير أن الرئيس نفسه سبق له أن أعطى المثال والقدوة خلال حملته الانتخابية. فقبل أيام قليلة من الدور الأول، ويوم 9 أبريل 2002، استقبل الرئيس بالزغاريد في المسجد نفسه، وهو الحدث الذي لم يتكرر منذ زيارة غاستون دوميرغ عام 1926. وتحت المئذنة المغاربية الأنيقة دعا جاك شيراك إلى "إسلام منفتح وسلمي، إسلام الرحمة والأخوة".

ومع أن رئيس فرنسا علماني في حياته العامة، إلا أنه لا يخفي التزامه الديني الكاثوليكي في حياته الخاصة، إذ يستغل أوقات عطلته في "بريغانسون" لشهود القداس ب"بورم لي ميموزا". أما وزيره الأول جان بيير رافاران فلا يتردد في رفض دولة ملحدة لا دين لها ولا في الإفصاح عن تدينه لأسبوعية "لوبوان نفسها  في مارس 2003: "أنا مسيحي، غير أنني، بغض النظر عن إيمان كل فرد، أظن أن في كيان الإنسان جزءا مقدسا". ويوم 3 ماي 2003، أمام الجمع العام لمجلس الديانة الإسلامية وضع الرجل النقط على الحروف مؤكدا أنه "يلاحظ حاليا عودة الديني، وأقول لكم بكل صراحة، هذا خبر سعيد. ولقد قال لنا أندري مالرو من قبل إن القرن الواحد والعشرين سوف يكون دينيا روحانيا.. الطاقة الحقيقية اليوم هي القيم الروحية والإنسانية.. وإني أعتقد أن مستقبل السياسي أن يحرك هذه الطاقة بالحرص على الجمع والتوفيق أكثر من الحرص على التفريق."  وضمن الفريق الحكومي لرافاران يوجد عدد من الأعضاء المتحمسين دينيا.

أما نيكولا ساركوزي، فإنه يستعد لنشر كتاب عن لقاءاته مع الأب فيليب فيردان  (36 عاما)، بعنوان "أمل جماعي". ومساء يوم كل أحد يفتح رجل الدين الدومينيكي بوابة الكنيسة ليستقبل الوزير وينصت لاعترافاته الروحية. ولا يتردد ساركوزي في التعبير عن إيمانه المسيحي ورغبته في الصلاة أمام منظر طبيعي خلاب.

الالتزام الديني لرؤساء فرنسا ليس وليد اليوم. فقد سبق للزعيم الشهير ديغول أن عبر عن إيمانه العميق بالله واليوم الآخر، وكان لا يتغيب عن القداس الديني الأسبوعي في كنيسة كولومبي كل يوم أحد، حسب شهادات ولده فيليب ديغول  السيناتور بالتجمع من أجل الجمهورية وصاحب كتاب "ديغول، أبي". وكذلك كان الرئيسان الديغوليان الآخران جورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان.  بل حتى الرئيس الاشتراكي الأسبق فرانسوا ميتيران اعترف بعد طول مواربة بإيمانه بالله واليوم الآخر، وعندما سأله برنار بيفو هل يريد من الله أن يقول له شيئا ما؟ فأجاب: "سيقول لي الله: أخيرا عرفت.. وأظن أنه سوف يضيف مرحبا بك".

ولا جدال في أن الحالة النفسية للسياسي في نظام علماني أقرب ما تكون إلى الشوزيفرينيا إذ يجد رجل السياسة يجد  قلقا ممزقا، ويجبر نفسه على الانفصام  والعيش بشخصيتين مزدوجتين: شخصية السياسي  الملزم دستوريا وقانونيا بإبعاد انتمائه الديني واقتناعه العقائدي إلى منطقة الظل والسواد ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وشخصية الإنسان العادي المؤمن المنسجم  في حياته الشخصية الخصوصية. ومن الصعب في ظل العلمانية السياسية الوصول إلى حل يضع النفس  داخل انسجامها ويوحد انشطارها ويضع حدا لتمزقها. غير أن الأوضاع آخذة في التغير شيئا فشيئا.

فهل للإسلام دور في هذا التغير، وهل تعتبر صحوته الحالية من أقوى الدوافع لإظهار الانتماء الديني لدى الزعماء السياسيين الفرنسيين؟ من الخير لي أن أقف عند حدي وألا أتجاوز قدري بالتطاول في الإجابة. إنما يجيب عن هذا السؤال أهل باريس الأدرى بشعابها ومنهم على سبيل المثال -لا الحصر- ميشيل تريبالا صاحبة كتاب "الإسلام والجمهورية" التي قالت: "إن التدفق المفاجئ للإسلام في الحياة العامة كان هو السبب في "وخزة تذكيرية هامة" إذ تذكر الفرنسيون هويتهم المسيحية بسبب النشاط الإسلامي".