التهجير والتوطين في الفكر الصهيوني (2)
بقلم :علي حتر
في الأسبوع الماضي
حددنا انواع التهجير الذي يمكن ان يلجأ إليه الكيان الصهيوني لتنفيذ عملية تفريغ
الأرض العربية في فلسطين من أكبر عدد من سكانها.. وجعلها خاضعة له بدون مقاومة.
المواقف العربية من
المسألة:
يعالج الكتاب العرب
المسألة من الناحية القطرية الإقليمية والنتائج المحتملة للتهجير وتحوله إلى توطين
في هذا القطر أو ذاك.. وقلة من الباحثين نظرت إلى مسألة التهجير والتوطين بمنظار
الأمن القومي العربي ومنظار حقوق الإنسان العربي المهجر أو المشرد أو الذي أبعد
وأجبر على ترك أرضه أو من يتعرض للضغوط حاليا حتى يخرج منها..
ولهذا تجد من يكتبون
في المسألة لا يتحدثون إلا عن التهجير القسري الجماعي، مغفلين أنواع التهجير
الأخرى الممارسة حاليا علنا وفي الخفاء ضد شعبنا العربي في فلسطين المغتصبة...
إن التهجير القسري
الجماعي (الترانسفير) يمكن أن يكون أقل الاحتمالات في الظروف الحالية، لأسباب
سنعود لذكرها لاحقا، ولكن إثارته في ظل الإعلام الموجه وظل الحكومات الإقليمية
السائدة، يشكل مدعاة لإثارة الفتن والنعرات الجهوية في البلاد العربية المحيطة
بفلسطين، وهو ما يريده فعلا الصهاينة والأمريكان، وأي شيء أجمل عند الصهاينة، من
ان تقتتل طوائف العدو العربي فيما بينها.. حتى تتاح لهم (أي للصهاينة) استكمال
بناء مشروعهم..؟ على أن تضاؤل احتمال هذا النوع من التهجير القسري في الظروف
الحالية، لا يلغي أنواع التهجير الأخرى التي يتعرض لها شعبنا بطرق لا تثير ضجة
إعلامية.. والتي سنعود لها لاحقا..
التهجير والهجرة في
الفكر الصهيوني
تشكل الهجرة
والتهجير، الطوعي أو القسري، أحد العناصر الهامة في التاريخ الصهيوني وتشكيل الوعي
والثقافة الصهيونية.
فالخروج الجماعي
لليهود من مصر (الإكسودوس)، والسبي البابلي والعودة والخروج من فلسطين إلى الشتات (الدياسبورا)،
ثم هروب اليهود إلى الأندلس للبحث عن حماية المسلمين لهم من اضطهاد الكنيسة
الكاثوليكية في أوروبا القرون الوسطى، والهجرة إلى فلسطين خلال القرن العشرين بشكل
فردي أو جماعي من انحاء اوروبا، وتهجير يهود الاتحاد السوفييتي وتهجير اليهود
العرب من العراق والمغرب العربي ومن مصر واليمن إلى فلسطين، وتهجير الفلاشا،
والدعوة المستمرة للهجرة اليهودية حاليا، وبوادر الهجرة اليهودية المضادة من
فلسطين بسبب الانتفاضة، ثم تهجير المغتصبين اليهود للفلسطينيين عام 1948 وعام 1967
ودفع مئات الألوف للهجرة من جنوب لبنان خلال اجتياح 1982 وحركات الإزاحة والنقل
القسري للعرب الذين لم يغادروا فلسطين عام 1948 بين المناطق المحتلة.. وعمليات
الإبعاد للعناصر الفاعلة من شعبنا العربي الفلسطيني..
كل ذلك يزرع فكرة
التهجير في العقل والوعي الصهيوني، ويجعلها ضمن اهتماماته وحلوله المقترحة، لمسألة
يعتبر وجود المواطن العربي فيها عائقا أساسيا في طريق إنجاز المشروع الصهيوني
الحلم وهو الدولة اليهودية على أرض فلسطين التي من المفروض ان تكون بلا شعب حتى
يأخذها شعب بلا أرض.. وهو ما اعتادوا أن يروجوه ليبرروا غزوهم للأرض العربية.. بالإضافة
إلى التهديد الحقيقي لما يسمونه بالأمن القومي الصهيوني نتيجة انفجار مؤكد للقنبلة
الديموغرافية الناتجة عن النمو السكاني للعرب تحت الاحتلال..
لكننا ندرك تماما
وجود خلافات حول مسألة التهجير القسري الجماعي للفلسطينيين في الكيان الصهيوني،
وإن كانوا يتفقون جميعا على الحلم الكبير وهو رؤية فلسطين خالية إلا من اليهود
وممن يقبل أن يكون عبدا في خدمتهم.. أي أن الخلاف تلمودي بحت.. والتلمود يقول: إفعل
ما شئت للآخرين.. بشرط أن لا ينتج فعلك أذى لليهود..
أي أن مسألة تهجير
الفلسطينيين واردة كجزء من المشروع الصهيوني، والمسألة تبقى في اختيار الطرق التي
يمكن ان تنجز فيها دون أذى لليهود وللكيان الصهيوني..
في العدد القادم
نتكلم عن طرق التهجير والعوائق وبعض أدبيات الصهاينة في المسألة.